الرئيسية » الآداب » الخطابة والخطاب في الأسلام

الخطابة والخطاب في الأسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

الرحمن علم القرآن . خلق الأنسان . علمه البيان. سورة الرحمن الآيه 1-4

أذا كان الشعر هو ديوان العرب والمجال الأرحب لمجدهم الأدبي فأن هناك فنا آخر لايقل شأنا وأهمية عنه وهو فن الخطابه . وهما توأمان لبعضهما لابل يمكنني أن أقول أن لغة الخطاب قد تفوقت على لغة الشعر في الكثير من الحقب والظروف لأنها موجهة توجيها مباشرا ألى المخاطب لأقناعه بالدليل والمنطق والحجة المفعمة بالصدق باللغة التي يوجهها الخطيب نحو مخاطبه . وأعظم الخطاب وأكثره دلالة وبرهانا وصدقا وأقواه حجة هو خطاب الله عز وجل في محكم كتابه الخالد القرآن ألى البشر جميعا وقد صنفه العلماء ومنهم أبن الجوزي في كتاب النفيس ألى خمسة عشر وجها وقسم غيره الخطاب الألهي ألى أكثر من ثلاثين وجها لبها ولبابها الخطاب الموجه ألى الأنبياء ثم ألى البشرية جمعاء على مر العصور أبتداء من آدم أبو البشر جميعا وانتهاء بخاتم الرسل والأنبياء محمد بن عبد الله ص وبصيغ مختلفة كصيغة الأمر والنهي والمدح والكرامة والتشريف والتحذير وغيرها من الصيغ الكثيرة وكلها تصب في مسار تهذيب الأنسان وتوجيهه الوجهة الصحيحة في الحياة وأنقاذه من السقوط في مستنقع الرذائل والأنحرفات التي تحط من قدره وتوصله ألى طريق لاتفرقه عن البهائم في تصرفاته وسلوكه وحتى أدنى من ذلك كما نرى في عالمنا المعاصر من انحرافات أنسانية خطيرة وأبشعها هي عمليات القتل البشعة التي يقوم بها البعض ضد أبناء جلدتهم من البشر باسم الأسلام والأسلام منهم براء بمجرد أنهم أختلفوا معهم لأنهم فقدوا الخطاب الأنساني وعجزوا عن تحقيقه فتحولوا ألى انتحاريين و قتلة وسفاحين يفجرون أنفسهم في أي مكان يستطيعون الوصول أليه لقتل الناس حتى أذا اجتمعوا للصلاة في يوم الجمعه متجاوزين على كل القيم والمبادئ الأنسانية التي تضمنتها الشرائع السماوية وأولها وأعظمها خطاب رب العالمين في كتابه الخالد القرآن الكريم وقد كان خطاب الأنبياء الذين بعثهم الله مبشرين ومنذرين مبنيا على الصدق والحجة والمنطق والبرهان واحترام الرأي الآخر ودحضه بالحجة والمنطق والخطاب المقنع الذي يتماشى مع العقل ولم يلجأوا ألى القتل وسفك الدماء في نشر تعاليم الخالق العظيم وحين استخلف الله آدم في الأرض قال ( أني جاعل في الأرض خليفة ) قالت له الملائكة ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ؟ ) أجابهم جلت قدرته ( أني أعلم مالاتعلمون )الآية 30 من سورة البقره . فالله العلي الأعلى خاطب الملائكة وخاطب أبليس وتحاور معه بالدليل والبرهان وعلم الأنبياء جميعا أن يخاطبوا أقوامهم بما أمر ليكونوا حجة على أهل الأرض . والقرآن الكريم زاخر بالكثير من الآيات التي تدلل على خطاب الأنبياء لشعوبهم وأقوامهم .

وأورد هنا آية واحدة وهي حين أراد النبي موسى ع أن يخاطب الطاغية فرعون الذي طغى في البلاد فأكثر فيها الفساد وادعى الربوبيه طلب النبي موسى ع من ربه أن يبعث معه أخوه هارون ليقنع فرعون الذي بغى في الأرض بالخطاب المقترن بالفصاحة وقوة الدليل والمنطق السليم الصادق بسم الله الرحمن الرحيم (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فارسله معي ردءأ يصدقني ) الآية 34 القصص .

وقال سبحانه بسم الله الرحمن الرحيم : ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وأذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) الآية 63 الفرقان فالخطاب يأتي من العالم ومن الجاهل وما على الأنسان ألا أن يميز بعقله الذي منحه الله أياه بين الغث والسمين لكي يتجنب مزالق الهلاك ويستقيم في حياته ويقدم عملا مثمرا لمجتمعه .

وذكرت كلمة الخطاب في القرآن الكريم في سورة ص مخاطبا نبيه داود ع بسم الله الرحمن الرحيم :

(وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ) الآية 20 سورة ص .وقال البيضاوي في تفسير فصل الخطاب (هو بتمييز الحق عن الباطل . أو الكلام الملخص الذي ينبه المخاطب على المقصود من غير ألتباس يراعي فيه مظان الفصل والوصل والعطل والأستئناف والأضمار والحذف والتكرار ونحوها . )

سئل النبي ص فيم الجمال ؟ فقال ص: ( في اللسان يريد البيان )

وقال ص ( وأن من البيان لسحرا )

وقالت العرب ( أنفذ من الرمية كلمة فصيحة صادقه . )

وقال آخر ( الروح عماد البدن والعلم عماد الروح والبيان عماد العلم . )

وخطبة رسول الله ص في حجة الوداع ويوم الغدير وخطبه الأخرى في زمن نبوته التي دامت 23 عاما . وكذلك خطب الأمام علي ع في نهج البلاغة الخالد تحتاجان ألى فصول وفصول للكتابة عنهما . وهناك خطب كثيرة لبقية الخلفاء الراشدين رض كلها تصب في خدمة الأنسان المسلم وتوجيهه الوجهة الصحيحة في الحياة وتخليصه مما يعلق به من أدران الدنيا ومفاسدها وأهوائها ومطباتها الكثيره.

ومن خلال هذا الكلام يمكنني أن أقول كم نحن بحاجة اليوم ألى خطباء صالحين مؤمنين بكلمة الحق صادقين مع أنفسهم ومجتمعاتهم ليكونوا قدوة لها في التعامل الصادق البعيد عن الغش واللف والدوران والخداع والتضليل حيث قال الله في محكم كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم ( ياأيها الذين آمنوا لم تقولون مالاتفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالاتفعلون ) الآية 2 الصف. ومن المؤلم أن نرى في دول الغربة سياسيين يخاطبون شعوبهم بلهجة صادقة وأذا وقعوا في خطأ ما يسارعون ألى الأعتراف بخطأهم علنا وعلى رؤوس الأشهاد وغالبا ما يتركون مناصبهم لكي لايكونوا عالة على شعوبهم ويريحوا ضمائرهم ولكي يفسحوا المجال للأفضل والأصدق خطابا مع شعبه لكننا نجد في أوطاننا الأسلامية من يقتل ويدمر ويرمي الشرفاء في السجون المظلمة لعشرات السنين ويصادر ثروات الوطن باسمه واسم عائلته وورثته من بعده ويخاطب الشعب وكأنه نبي مرسل أرسله الله لأنقاذ البلاد والعباد تحت خيمته المهترئة التي تعج بالظلم والفساد والأنحطاط . وكم من السياسيين اليوم في العراق يرتكبون أخطاء مركبة تتراكم فوق بعضها البعض ويخاطبون شعبهم وكأنهم دعاة مصلحون لايشق لهم غبار ويلقي اللوم على خصومه السياسيين الآخرين ويتهمهم بأنهم هم السبب في كل الفجائع والمساوئ التي تحدث أما هو فلا يوجد أفضل منه ولا أجل ولا أخيرولا أصلح وأنه سيبقى مخلصا لشعبه ولا يهادن ولا يماري ولا يكذب مهتديا بقول الأمام علي ع ( لاتستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه ) وهي شعارات رفعها أولئك الأفذاذ صدقا وعدلا وساروا عليها ألى آخر يوم في حياتهم لاتلومهم في الحق لومة لائم وقد وجد سياسيونا المعاصرون والفضائيات المغرضة في تلك الخطابات الصادقه طريقا سهلا لرفعها وتجريدها من محتواها للوصول ألى غايات وأهداف مادية دنيوية شخصية بحتة مثلهم كما قال الشاعر أحمد شوقي

لايلم بعضكم على الخطب بعضا – أيها القوم كلكم أبرياء. وهذه المصائب التي يمتزج فيها الخطاب الخاوي على لسان قادتها ومسؤوليها وسياسييها البعيد عن الفعل الهادف هي من أكبر مصائب الأمة الأسلاميه اليوم وما أروع تلك الكلمات التي قالها أكثم بن صيفي أمام كسرى يزدجرد ملك الفرس في أيوانه وفي عقر داره حين خاطبه قائلا : ( أن أفضل الأشياء أعاليها وأفضل الملوك أعمها نفعا وأفضل الخطباء أصدقها والصدق منجاة والكذب مهواة والشر لجاجه . ) أين سياسيونا وحكامنا اليوم من كتاب الله وخطب أولئك الأفذاذ الصادقين ؟ بل أين هم الآن من السياسيين والقادة في الغرب الذين أذا خاطبوا شعوبهم صدقوا معها ومعظم السياسيين في أوطاننا الأسلامية يقسمون بالقرآن عشرات المرات ويسرقون الوطن ويسجلونه باسم عوائلهم وورثتهم وعشيرتهم ويلقبون أنفسهم بألقاب ماأنزل الله بها من سلطان ويضربون النساء والأطفال والشيوخ من المسلمين بالفسفور الأبيض التي تحملها أحدث الطائرات الحربية في يوم الحج الأكبر ولا يقدمون لشعوبهم ألا الخطابات الخاوية من أي مضمون وهل ستبقى أجيالنا القادمة تتعلم الزيف والكذب في الخطاب من مدارس ملوكها بعيدة عن خطاب ربها المتعال جل شأنه والذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ونبيها العظيم الذي أرسله الله بشيرا ونذيرا للعالمين وأولئك الأفذاذ الغر الميامين الذين ساروا على النهج القويم والصادق في الخطاب لتبقى هذه الأجيال مسروقة مستلبة مضطهدة تبحث عن لقمة العيش بجهد جهيد وتصبح أممنا الأسلامية الحاضرة أضحوكة للأمم الأخرى ألى أن يقيض الله أمرا كان مفعولا .؟؟؟؟

جعفر المهاجر – السويد

6/12/2009