الرئيسية » مقالات » محنة شهادة الجنسية العراقية . بقلم /

محنة شهادة الجنسية العراقية . بقلم /

تعقيباً على المساهمة القَيمة للأخ الفاضل الدكتور عبد الخالق حسين (أنظر الرابط في أسفل الصفحة) حول ملابسات وتعقيدات قانون الجنسية العراقية لسنة 1924 وكيفية أستخدام هذه “الورقة” بشكل تعسفي من قبل أنظمة الحكم المتعاقبة وبالأخص النظام السابق لإقصاء شريحة كبيرة من الطائفة الشيعية وتهميشها،
لا بل وحتى حرمانها من أبسط حقوقها المدنية كالعيش الآمن أو التعيين في الوظائف الحكومية أو الإلتحاق في السلك الدبلوماسي أوالعسكري أوحتى التمتع بحرية السفر والإقامة أوالحصول على المنح والبعثات الدراسية أو الدخول الى الجامعات والمعاهد العالية …

أتفق تماماً مع ما أشار اليه الدكتور الكريم من ان تطبيقات الحكم الجديد لم ترتق بعد الى مستوى التطلعات أو التوقعات التي كنا جميعاً نتأملها لمعالجة إشكالية شهادة الجنسية العراقية وإلغاء الممارسات الخاطئة والظالمة التي رافقت تطبيقاتها وبالتالي رفع الحيف وإنصاف هذه الشريحة من المواطنين العراقيين (والكورد الفيلية من ضمنهم) ممن تضررت مصالحهم وعانوا الأمرين لاسيما إبان الحكم السابق ورد إعتبارهم وحقوقهم المادية والمعنوية التي سلبت أو أغتصبت منهم دون وجه حق أو مبرر قانوني أو أخلاقي.

وما هو مطلوب الآن هو أن تتحمل السلطات الرسمية مسؤولياتها الدستورية والحضارية وتبادر بإتخاذ ما هو مناسب من إجراءات أوتدابير للحد من إستمرار معاناة هذه الشريحة الهامة من المواطنين العراقيين وكذلك العمل، وبدون هوادة، مع منظمات المجتمع المدني والأجهزة الإعلامية الحرة على زرع وإشاعة ثقافة “المواطنة” باعتبار أن المواطن العراقي هو مواطن واحد لا يتجزأ أياًً كان أصله أو فصله أو دينه أو معتقده أو جنسه أو لونه أو منطقته. وبالتالي لا فضل أو تمييز لأي مواطن عراقي على آخر إلا بما يقدمه من خدمات أو أعمال تصب في صالح الوطن والمواطنين.

كذلك لا بد أن يعلن المسؤولين الكبار في الحكومة (رئيس الدولة، نواب الرئيس، رئيس الوزراء، رئيس البرلمان، …) بكل صدق ووضوح من ان عراق اليوم هو غير عراق صدام حسين ونظامه الفاشستي البالي. إنه العراق الجديد الذي يفخر فيه العراقي بعراقيته وكذلك يعتز بجذوره وإمتداداته القومية والعرقية وحتى المذهبية في آن واحد باعتبار أن شعب العراق (شأنه شأن أغلبية الشعوب) هو موزائيك بشري متعدد الإجناس والقوميات والأديان والأعراق. ولو رجعنا الى شجرة أي عراقي لوجدناها تعود إلى أصول عربية أو كردية أو فارسية أو تركية أو آشورية أو كلدانية أو أرمنية أو أفغانية أو روسية أو أفريقية أو هندية ….. وفي حالات غير قليلة الى مزيج من هذا وذاك. كما سنجد في العراق، بالاضافة الى التعددية العرقية أو الإثنية، هناك تعددية مذهبية أو دينية؛ فهناك الشيعي والسني والمسيحي والصابئي والشبكي واليهودي ….. وغيرهم كثيرون.

وبالتالي فان ملاحقة وتهميش أي مكون أو شريحة من شرائح المجتمع العراقي بسبب الجنس أو الدين أو المذهب أو القومية هي ممارسة عنصرية غير حضارية هذا فضلا عن كونها عملا عدائيا يدخل صاحبه تحت طائلة المحاسبة والقانون. وما إقترفه نظام الطاغية صدام حسين من عمليات تهجير وتقتيل وتعذيب وإغتصاب ومصادرة ممتلكات وتهميش بحق المواطنين العراقيين ممن صنفهم قانون الجنسية العراقية السابق بـ “التبعية الايرانية” هو جريمة تأريخية لا تغتفر وممارسة طائفية وحاقدة وخسيسة يندى لها جبين كل إنسان حر وشريف.
ومما يدعو الى الاستغراب والدهشةً هو أن تسمح السلطات الرسمية لأزلام وأيتام النظام السابق أن يلعبوا مرة أخرى ورقة “شهادة الجنسية العراقية” للنيل من الطائفة الشيعية ورجالاتها والاستمرار في إبتزازها وترويعها وتهميش دورها في بناء المجتمع الجديد.
لقد كفل الدستور العراقي لعام 2006 حقوقاً وواجبات متساوية لكل من يحمل جنسية الدولة دون تمييز عرقي أو طائفي أو ديني. إذ جاء في المادة (14) من هذا الدستور الدائم: “العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييزٍ بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي” .
كذلك على القوانين الصادرة أن تحمي وأن تعزز كرامة واستقلال واحترام المواطنين كافة. وبالتالي فإن السلطات الرسمية مطالبة -أكثر من أي وقت مضى- باصدار وتطبيق القوانين وفق منهج حضاري وإنساني والحيلولة دون تجاوزها أو السماح للالتفاف عليها من قبل شراذم الحاقدين والعنصريين والطائفيين ممن تتعالى أصواتهم اليوم لإجهاض التحولات السياسية وإفشال التجربة الديمقراطية التي يشهدها عراقنا الحبيب.
______________________________________
02/12/2009