الرئيسية » مقالات » ضفاف شط العرب -هكذا سنفقد حقوقنا كلها

ضفاف شط العرب -هكذا سنفقد حقوقنا كلها

إذا كانت الملاحة هي النشاط الوحيد الذي نمارسه حاليا في شط العرب بعد زوال نشاطات الزراعة والصيد, فبماذا تفسرون الخطط الرامية إلى تخفيض حركة الملاحة الوطنية في المقطع الفاصل بيننا وبين إيران ؟.

وإذا كانت السفن الأجنبية المتوجهة إلى موانئنا المطلة على شط العرب هي الوسائل الدولية الوحيدة التي تسمح لنا برفع العلم العراقي فوق صواريها العلوية للدلالة على سيادة العراق على مسطحاته المائية, فبماذا تفسرون تهميش شط العرب نفسه وتجريده من أعلامه الوطنية ؟. في الوقت الذي لا يرفع علمنا على ضفاف الشط إلا على مواقع تشكيلات آمرية خفر السواحل والمياه الداخلية, وزوارق الدورية التابعة لها, وهي وإن كانت منتشرة على امتداد الشط, لكن حركتها تكاد تكون مقتصرة على مقاطع محدودة, اما السفن الأجنبية الوافدة إلينا فإنها تمخر في منتصف الممر الملاحي الوسطي, في النقاط العميقة منه جيئة وذهابا, من المعقل في الشمال إلى ميناء خور العمية في الجنوب, مرورا بميناء أبو الفلوس, وجزيرة أم الرصاص, ومنعطفات سيحان, والواصلية, والدويب, والفداغية, والدورة, والمخراق, والمعامر, والفاو, والقشلة, ورأس البيشة, وروكا التي مازالت تحمل أسرار ومعالم خطوط التماس الحدودية الفاصلة.


ميناء أبو الفلوس أول من سيخسر فلوسه بعد حرمانه من التعامل بالمواد الغذائية والزراعية


وإذا كانت حركة السفن الأجنبية المتدفقة نحو موانئنا هي النبض الحيوي الوحيد الذي سيعيد لشط العرب نضارته وبهجته وهيبته, فبماذا تفسرون قطع شرايين شط العرب الملاحية ؟.

وإذا كانت موانئ المعقل, وأبو الفلوس, والفاو, هي الركائز الاقتصادية الكبرى التي ينبغي أن نطورها ونهتم بها, وإذا كانت هي الرئة الملاحية التي نتنفس منها, وهي النوافذ الوحيدة التي نطل منها على بحار الله الواسعة, بماذا تفسرون عملية تحييدها ومنعها من استقبال السفن الأجنبية المحملة بالمواد الزراعية والغذائية ؟. وما سر هذا التحامل على شط العرب ؟.



العلم العراقي مازال خفاقا في شط العرب فوق قلاع خفر السواحل


بالأمس القريب فقدنا تواجدنا في مياهنا الإقليمية عند مقتربات خور عبد الله من جهة البحر, وفقدنا عمقنا السوقي هناك بعد انسحاب زوارق وسفن الصيد العراقية من مواقعها الموروثة في رأس الخليج العربي, نتيجة حرمانها من حصة الوقود المدعومة من الدولة, وحرمانها من ابسط مستلزمات الدعم والإسناد الذي تستحقه, ما اضطرها لترك مهنتها والانزواء في جداول الشط, وها نحن اليوم نتعمد إحالة موانئنا إلى التقاعد, ونجبرها على التعامل بالمواد التي لا تدخل ضمن تركيبة المواد الغذائية والزراعية. فماذا تبقى لموانئنا في شط العرب لكي تتعامل به بعد استبعادها وتجاهلها ؟.


الظلام الدامس يخيم على ضفاف شط العرب ليلا


والعجيب بالأمر إن بعض تشكيلاتنا الحكومية تتفنن في خلق المشاكل والأزمات لهذا النهر العظيم, وترتكب الحماقات المتكررة من دون أن ينبري احد للدفاع عن حقوقنا التي سوف نهدرها بأنفسنا بسبب جهلنا وإهمالنا, وبسبب عدم التفات الجهات المعنية للواجبات الوطنية المنوطة بها.

أحيانا, وعندما أسير بقاربي ليلا في شط العرب أحس بالفارق الكبير بين ما موجود على الضفة الشرقية (الإيرانية) من عمران وازدهار ونمو, حيث المدن الحديثة المتناثرة على الضفاف في منتهى الأناقة والجمال, وحيث المعامل والترسانات المتخصصة ببناء العائمات البحرية, والحقول الوارفة الظلال, والرياض المزدانة بأشجار النخيل المتباهية بقاماتها السامقة, والبساتين التي تسقى من ترعة بهمنشير بمياه كما الشهد, اما الأنوار الكاشفة فتكاد تزين كل شبر في الضفة الشرقية من رأس البيشة إلى خرمشهر من دون انقطاع. بينما يخيم الظلام الدامس على ضفافنا البائسة, التي قتلتها ملوحة البحر, فتصحرت, وتقرحت, وتشققت, وشبعت إهمالا وقصفا وتخريبا, ليس سوى الخنازير البرية تصول وتجول فيها, وتعبث بما تبقى من أطلالها. مدن مهجورة, وسواقي مطمورة, وجذوع مقطوعة الرؤوس, متخشبة القوام, تحيط بها الأحراش المتيبسة. كأنها نسخة قديمة من برنامج (صور من المعركة) مازالت محفوظة في المتحف الطبيعي لشط العرب حتى هذه الساعة.


الضفة اليمنى تمثل الساحل الإيراني بأنواره المتلألئة اما الضفة العراقية (اليسرى) فترقد للأسف الشديد في حلكة الظلام



وبعد هذا البؤس كله يخرج من بيننا من يتطاول على شط العرب, ويسحب البساط من تحت أقدام موانئنا, ويجبرها على التعامل بمواد محددة, ويحرمها من استقبال المزيد من السفن. ويتعمد الإساءة إليها, ويجردها من حقوقها. في الوقت الذي تواصل إيران استغلال واستثمار كل قطرة من مياه شط العرب, فذهبت بعيدا في هذا الاتجاه, وشيدت ميناءين جديدين, هما (بندر أروند كنار), و(بندر صيادي), وحسنت خطوطها الملاحية في التعامل مع جميع أصناف المواد الغذائية والزراعية.


لا أنوار ولا نخيل ولا بساتين ولا قرى على ضفافنا, ليس سوى السفن الماخرة هي كل ما تبقى للسيادة الوطنية في شط العرب, فلماذا . . . . ؟؟؟؟


ختاما نناشد البرلمان العراقي بضرورة التصدي للانتهاكات والتجاوزات المحلية على شط العرب, والتي من انفكت تشنها تشكيلات عراقية رسمية غير تابعة لوزارة النقل, وليست لها أي دراية أو خبرة بالنشاطات المينائية والملاحية, ونطالب تلك الجهات بضرورة الكف عن التدخل في شؤون شط العرب, فهذا الأمر من اختصاص وواجبات خبراء لهم باع طويل جدا في هذا المضمار. وأهل مكة أدرى بشعابها. وبخلاف ذلك فإننا سنفقد ما تبقى من حقوقنا السيادية والملاحية والمينائية والاقتصادية والزراعية والتصريفية في شط العرب.