الرئيسية » مقالات » دردشة -عَمود بالعرض !!

دردشة -عَمود بالعرض !!

هذه ليست حزورة هندسية ـ عزيزي القاريء ـ وانما “ضرورة فنية “ـ أن صح تسميتها ـ دفعني اليها محرر الملحق الثقافي ، إذ نبهني الى ان بعض ما كتبته في هذا العمود ، يصلح لصفحة “أراء وافكار” السياسية ، أكثر مما يصلح لصفحات الملحق الثقافي ، وأكدَ : ” حاول ان تركز على تناول الهموم الثقافية يا صاحبي ” ، وهو يشدد على حرف “الميم” ، وكلمة ” يا صاحبي” هذه لم يقلها ولكني تخيلتها لأخفف الامر على نفسي ، فالكتابة عن السياسة ولا أسهل منها عندنا في عراق اليوم لكثرة ما يزدحم عالم السياسة بالمتغيرات والوجوه السياسية و”الكولسة ” ـ من كواليس ! ـ واللعب على الحبال والضرب تحت الحزام ، أنظر حولك ـ عزيزي القاريء ـ وستجد ان الفضائيات تزدحم بالمحللين السياسيين ـ بنظارات وبدون نظارات ـ اما الكتابة في الهموم الثقافية فهذه أعتقد لا أشق منها على المثقف العراقي إلا تنظيم ميزانية صرفيات الشهر. لا اعتقد انك ـ عزيزي القاريء ـ ستقول لماذا تكون الكتابة في السياسة اسهل دائما ، وأنت الاعرف بذلك ، حسنا لاذكرك بتلك النكتة التي تروى للتعريف بالعراقيين ، وتقول بأنك لو مررت بدار سكن طلبة في دولة اوربية ورأيت مصباح النور مضاء في احد الغرف، في ساعة متأخرة من الليل ، فستعرف حالا لأي جنسية ينتمي هؤلاء الطلبة بمجرد الاصغاء قليلا الى ما يصدر من اصوات عن نافذة الغرفة ، فأذا كان ثمة هدوء وسكون هذا يعني انهم فيتناميون مشغولون بالدراسة ، واذا كانوا يدبكون ويرقصون فهم من البلد العربي الفلاني ، واذا كانت الاصوات والهمهمات تشير الى أنشغالهم بالكذا ! فهم من دولة الكذا !! ، اما اذا كان هناك هرجة واصوات تصعد و تنزل و” ابدا ما عندك حق ” أو ” انت ما تعرف اساس القضية ” ، فهم بلا منازع عراقيون يتناقشون بأمور سياسية ! أرأيت ـ عزيزي القاريء ـ كيف ان السياسة معجونة في دمائنا بحيث صارت تروى عنا النكت وصار انشغالنا بها هوية لنا في كل مكان ؟! وهكذا هو أيضا حال مثقفينا ، لا اسهل من تناول السياسة عندهم ، فيمكن لاي كاتب عراقي ان يصوغ لك فكرة سياسية بنص قصير من 300 كلمة فقط ، او ينفخ ويمط نفس الفكرة بنص اخر من 750 كلمة او حتى اكثر ، دون أن يضيع زبدة الموضوع عليك ، فثمة خبرة لا تضاهى عند مثقفينا في تناول ما هو سياسي ، فهي حاضرة دائما في عمل المثقف مع استكان الشاي ـ يجوز فنجان قهوة أو غيره ! ـ الذي يشرب، فلا تجد نصا شعريا أو قصصيا او لوحة او صورة ان لم تترك السياسة ظلالها عليها بهذا الشكل أو ذاك ، فالسياسة معجونة بروحه ، وأذا ترميه خارجها يشهق ويموت كالسمكة ، فكيف استطيع ان احقق طلب محرر الملحق الثقافي بالالتزام بكتابة مادة عن الهموم الثقافية من 500 كلمة فقط ، ان لم يسامحني قليلا ويوسع لي من مساحة العمود بزيادة عرضه ، لأن طول العمود ثابت اساسا حسب طول الصفحة ؟!
هذا الكلام يقودنا ـ عزيزي القاريء ـ الى علاقة المثقف العراقي بالسياسي ، والتفاعل فيما بينهما ، فثمة مثقفون امتهنوا السياسة ، سواء من خلال ارتباطهم المباشر بأحزاب سياسية ، او بأعتناقهم مباديء ونشاط سياسي معين بشكل مستقل ، لكن ثمة جمهرة من المثقفين تحاول البقاء خارج سياقات السياسة المباشرة لكنها بنفس الوقت ليست بعيدة عنها ، اذ لا يمكنها ـ لكل ما تقدم ـ أن تطفأ مصباح النور بشكل مبكر ان لم تلبط ـ ولو قليلا ـ في بحر السياسة . كثيرا ما قيل من أن السياسي لا يريد من المثقف سوى ان يكون تابعا له ، وأن هذا للاسف واقع معاش في العراق قديما وحاليا ، يتحمل مسؤوليته المثقف قبل السياسي الذي يريد ان يحقق اهدافه باي وسيلة ، ويكون المثقف عنده مجرد أداة ، بينما مثقفنا وهو يسعى لاثبات وجوده ، ومن أجل ديمومته ، تجده ينصاع مرارا لطلبات السياسي وشروطه فتجده ينفذ ما يريده السياسي متخليا عن الكثير من استقلاليته كمثقف ، فتجد السياسي يمعن في التجاوز عليه ـ يعني يدوس في بطنه ! ـ بأسم الوطنية والمباديء ومثقفنا راض بأن يبقى ضوء المصباح مضاء لاخر كل ليلة في منجزه الابداعي ما دام يعتقد أنه يحقق خدمة ما للوطن المبتلي بحبه ، والطامة الكبرى هنا فيما أذا كان السياسي فاسدا وطائفيا وديماغوجيا ، وله أجندة مشبوهة لا تخدم مستقبل العراق الديمقراطي ، عندها فأن مثقفنا الدائر في فلكه ـ لهذا السبب او ذاك ـ وبكل بساطة سيكون في خبر كان !! وبعد ـ عزيزي القاريء ـ واذ تجاوزنا الان حدود الـ 500 كلمة ، اتعتقد أنه اليس من حقي مطالبة محرر الملحق الثقافي بأن يزيد قليلا من عرض العمود ؟!
وسنلتقي !


* عن جريدة المدى البغدادية / الملحق الثقافي الاسبوعي / العدد 1668 – الاحد 6 كانون الاول 2009