الرئيسية » مقالات » هل سقطت الأسطورة؟

هل سقطت الأسطورة؟

ما ان تم الكشف عن حجم ازمة امارة دبي المالية حتى بدأت البورصات العالمية تسجل هبوطاً ملحوظاً في حركة الأسهم، الأمر الذي يؤكد مدى ترابط الاقتصاد العالمي وتداخله ومدى هشاشة الركائز التي يقوم عليها خاصة اقتصاد الدول التي شهدت صعوداً سريعاً في نموها والتي تعتمد بشكل اساسي على قطاعات الخدمات والعقارات والتوظيفات المالية. والمعلوم ان امارة دبي قد توسعت ونمت في زمن قياسي فبرزت الأبراج وناطحات السحاب الفخمة، إضافةً إلى المجمعات المالية والسياحية، والمنشآت الرقمية المعلوماتية، ووسائط تكنولوجية الاتصالات. وساعدها في ذلك موقعها الجيواستراتيجي، حيث تحتل نقطة تواصل بين منطقة الخليج العربي وجنوبي شرق اسيا اضافة الى اقامتها افضل العلاقات التجارية مع ايران التي تعاني من شبه حصار اقتصادي منذ عدة سنوات. وبحكم الأنظمة المرنة التي اعتمدتها امارة دبي فقد أصبحت مركز جذب للمستثمرين الدوليين الذين يفتشون عن ارباح سريعة وهذا ما لعب دوراً في استقطاب مئات مليارات الدولارات. وبما ان حكومة دبي هي شريكة اساسية في معظم المشاريع فقد أنشأت شركات عملاقة واستدانت على هذا الأساس مليارات الدولارات من مؤسسات مالية ومصرفية عالمية، وقد أدى التوسع والاستدانة واستقبال تدفقات رأس المال الأجنبي بالمقابل إلى توسع الالتزامات المترتبة عليها، وقد ظلت هذه الالتزامات تخلق المزيد من الأعباء والضغط، والتي بدورها ظلت تتراكم. وفي ظل ضغط الأزمة المالية العالمية وتداعياتها، وفي ظل انخفاض أسعار النفط وغيرها، لم تعد دبي قادرةً على سداد هذه الالتزامات، فقامت بالاتصال ببعض الأطراف الدائنة الغربية لجهة إقناعها من أجل تأجيل سداد مبلغ 3.25 مليارات دولار مستحقة السداد إلى تاريخٍ لاحق، وقد أدى هذا الطلب إلى لفت انتباه الدائنين الغربيين، الذين أدركوا بعد قيامهم بإجراء الدراسات والتحليلات وجود التزامات، تقول اوساط خليجية ان حجمها الإجمالي في حدود 80 مليار دولار، وتقول اوساط اوروبية ان حجمها الإجمالي في حدود 123 مليار دولار أميركي، وما هو مثير للانتباه، هو مدى الفارق الكبير بين تقديرات المدينين وتقديرات الدائنين، وهو فرق يبلغ 43 مليار دولار، أي أكثر من 50% من تقديرات المدينين التي ما زالت تصر على أن مبلغ الالتزامات هو 80 مليار دولار. ويبدو ان دبي باتت في وضع يمنعها من مواجهة ازمتها المالية ولهذا طلبت تدخل ابو ظبي التي اشترطت أن تقدّم الدعم اللازم، ليس على أساس كلي، وإنما على أساس جزئي، بحيث يتم التعامل مع كل حالة إعسار مالي على حدة، وهذا معناه، أن السلطات المالية في أبو ظبي سوف تتعامل مع شركات دبي المتعثرة عن طريق إعداد دراسةٍ خاصة بكل شركة، وتحديد مواردها والتزاماتها، وصولاً إلى تحديد حجم العجز المالي، ثم العمل بعد ذلك على تقديم الدعم اللازم. مما يعني ان ابو ظبي لن تعمل على معالجة ازمة دبي. وكذلك الحال بالنسبة للمؤسسات المالية العالمية التي تتعامل مع أي قرار لإنقاذ دبي من منطلق جنيها اكبر قدر من الأرباح.وهذا ما يعيد الى الذاكرة ازمة دول النمور الأسيوية قبل سنوات. وإضافة الى ذلك هناك بعض الدول التي تنتظر ان ترث دبي اما عبر شراء بعض المشاريع فيها وإما عبر جذب الرساميل التي ستهرب من دبي بعد نشوب هذه الأزمة التي ستكون حكماً طويلة الأجل، والتي ستنتقل عدواها ولو بشكل جزئي الى منطقة الخليج والى بعض الدول الأوروبية، خاصة أن البنك البريطاني المعروف باسم HSBC له بذمة دبي 17 مليار دولار. ويبقى السؤال الذي من الصعب الإجابة عنه الأن هو هل انتهى عصر دبي؟ وهل اصابتها بإنفلونزا مالية ستكون قاتلة، ام مجرد وباء يحتاج الى حجر صحي والى نفس طويل في المعالجة! رئيس مركز الدراسات العربي الاوروبي.
3- 12 – 2009 – القبس