الرئيسية » شؤون كوردستانية » قصة تأسيس (ب ك ك) كما يرويها الأعضاء المؤسسين 1 ( الحركة الآبوجية كانت حركة الفقراء )الجزء الأول

قصة تأسيس (ب ك ك) كما يرويها الأعضاء المؤسسين 1 ( الحركة الآبوجية كانت حركة الفقراء )الجزء الأول

لقد روى كلٍ من مؤسسي (ب ك ك) جميل بايك، دوران كالكان ومصطفى قره سوا في الذكرى السنوية الواحدة والثلاثين لتأسيس (ب ك ك) ملحمة المؤتمر التأسيسي لحزب العمال الكردستاني. وقال جميل بايك بأن مؤتمر التأسيس الذي عُقد في ديار بكر وبالتحديد في قرية “فيس”، دام لمدة يومين باشتراك 23 شخصاً، وبين بأن اسم (ب ك ك) جاء باقتراح من الرفيق الشهيد محمد قره سونغور. وأكد كل من كالكان ومصطفى قره سو بأن تأسيس (ب ك ك) قدم مساندة كبيرة للإنسانية في مسيرتها نحو الحرية.
تحدث أعضاء التأسيس والكوادر الرواد جميل بايك، دوران كالكان ومصطفى قره سو بأن المؤتمر التأسيسي الذي تم بتاريخ 27 تشرين الثاني عام 1978 بدأ نشاطه بمجموعة مؤلفة من ستة أشخاص في أنقرة، وحقق توسعاً عارماً بتوجهه صوب كردستان، بحيث سطر نصراً عظيماً في نضال الشعب الكردي من أجل التحرر. وتابعوا بالتأكيد على الرغم من إن كردستان التي تم تجزئتها في الربع الأول من القرن العشرين، والتي كانت تعيش حقيقة مجتمعية راسخة تحت وقع نظام إمحاء وإنكار أدنى من النظام التشريعي أو القانوني الواجب تنفيذه كونها وطن مستعمر، استطاعت الحركة خلق تاريخ معاصر للأكراد، وأظهرت هوية الشعب الكردي وثقافته وشخصيته الحرة من خلال نضال 39 سنة لـ (ب ك ك).
(ب ك ك) الذي بدأ من العدم بكلمتين ” كردستان مستعمرة “، يمكننا أن ندعو الظروف التي تشكلت وتطورت في الجزء الشمالي لكردستان في بدايات أعوام السبعينات بأنها مرحلة تطور وميلاد قيادية. فهو تكوين استطاع التقدم والوصول إلى حركة حزبية متطورة سواء على الصعيد النظري الإيديولوجي أو على الصعيد التنظيمي العملياتي. و سيكون أكثر موضوعية لو قيّمناها على أنها مرحلة تطور اجتماعية، لأن التراكم السياسي والعسكري والثقافي يعبر ويوازي ذلك التطور. إذ أن سياسة الإنكار والإمحاء الموجودة والتي تمارسها الدولة التركية، هي سياسة متعصبة شوفينية ومبيدة جداً. بالأخص فإن تركيا كعضوة في الناتو تعتمد في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية على النظام الحاكم العالمي الدولتي الرأسمالي. ومنه استطرد الرواد في حديثهم بأن أعوام السبعينات كانت بداية ظهور انكسارٍ وانحدارٍ هامَّين في تاريخ النظام الرأسمالي. فقد لملم هذا النظام أشتاته بعد الحرب العالمية الثانية، واستحوذت الولايات المتحدة الأمريكية على ريادته، بينما نجحت أوروبا في الوقوف على رجليها والثبات ثانية، ووُلِدَت اليابان كدولة عملاقة في الشرق الأقصى. وبينما وصل نظام الاشتراكية المشيدة ذروته، كانت الحركات التحررية الوطنية في أوج ازدهارها. في هذه النقطة بالذات، كانت الحركات الشبيبية تبتدئ بثورة ذهنية جديدة في عام 1968.
ونوه الرواد بأن الأزمة التي دخل فيها النظام الحاكم، كانت ذات صلة وثيقة بإدراك النظام الحاكم ويقينه لانعدام إمكانية استفادته بالقدر الكافي من التيارات الاشتراكية، والديمقراطية التحررية، والديمقراطية الاجتماعية والتحررية الوطنية التي لم تذهب أبعد من أن تكون مذاهب احتياطية لنظامها بعد ذلك. حيث لم تنُمّْ تلك التيارات عن النتائج المرجوة. بل بقيت قاصرة عن الإيفاء بوعودها، رغم وصول ثلاثتها إلى السلطة. لذلك نحازت المعارضات الشعبية إلى التيارات غير الهادفة إلى الدولة. ومهدت ثورية عام 1968 السبيل لذلك، رغم نواقصها المتعددة. وتفاقمت تناقضات النظام الداخلية ضمن نطاق أمريكا – الاتحاد الأوروبي – اليابان. ونُظِرَ إلى الليبرالية الحديثة على أنها مخرج من أزمة الفوضى هذه، فيما بعد الثمانينات. أما انهيار السوفييتات في التسعينات، فلم يكن بادرة تفوُّق أو نجاح للنظام، بل عاملاً مؤثراً في زيادة أزماته.
وأعقب مؤسسي (ب ك ك) جميل بايك، دوران كالكان ومصطفى قره سو بأنه في الوقت الذي كان العالم يعيش هذه الأحداث، فقد عاشت دول الشرق مثل تركيا، إيران وغيرها حركات عكست ذاتها على شكل حركات شبابية. ومن جانب آخر كانت الحركة الكردية المرتبطة باليسار، والقضية الكردية الوطنية في تركيا، لم تتجاوز بعد النزعة اليسارية والقومية الكلاسيكية. أي أنها كانت متخلفة عن ركب العالم بمسافة ملحوظة. فبينما كان اليسار التركي يقتات من التيار الشيوعي، كان اليسار الكردي – الذي هو عبارة عن حركة مثقفين سقيمين وواهني القوى – يعاني تشوشاً واختلاطاً فكرياً بيِّناً بين نزعتَي القوموية الكردية البدائية واليسارية التركية. وكانت قد نالت العصيانات العشائرية القائمة باستمرار في جنوب كردستان الهزيمة واحدة تلو الأخرى. فقد خرج الحزب وتأسس في مثل هذه الظروف. فهذا الوسط الذي كان يشكل ويمارس سياسة الضغط والإنكار على كردستان فتح الحزب الطريق لإحداث التغييرات، التي شتت الإقطاعية نوعاً ما من الناحية الاقتصادية، وجعلت الرأسمالية تتراجع بشكل نسبي، وأظهرت التمييز في البنية الاجتماعية ولو بشكل قسمي. إن(ب ك ك) هو ثمرة مرحلة بدء تكون الأرضية الاجتماعية والاقتصادية لكي تتطور تيارات البحث والفكر الجديدة. بالأخص فإن هذه الظروف كانت تؤثر على الشبيبة الوافدة من كردستان إلى المدارس التركية. بحيث يعكس التطور والبحث الاجتماعي الجديد الحاصل في المجتمع ذاته على فئة الشبيبة هذه على الأغلب. ويبدأ ظهور المجموعات، وولادة الإيديولوجيات والأبحاث الجديدة بالاستناد على فئة الشبيبة المثقفة. و (ب ك ك) هي واحدة من التيارات الفكرية التي ولدت كثمرة هذا التطور. ورأى بأن تحليل التناقضات الاجتماعية وربطها مع التناقض القومي في ظروف كردستان، هو ضرورة أبعد من ما هو حقيقة. وهو يتميز عن التيارات الفكرية الأخرى في هذه النقطة.
يختلف حزب العمال الكردستاني عن تيارات اليسار التركي التي ترى الثورة الاجتماعية أساساً لأنها تتناول كردستان كامتداد لتركيا، وترى بأن كردستان تعيش تناقض اجتماعي فقط. وهذا التقرب يؤدي إلى الشوفينية الاجتماعية. فقد طورت حقيقة القيادة التناقضات الاجتماعية لدى الأكراد، إلا أن القائد يرى أن تطور حل التناقض القومي يتم إن تم تناوله مع حل التناقض الاجتماعي. فهو بهذا الجانب ينقطع من القومية البدائية. فهو يتألف من تيار فكري يرى التطور كحركة ديمقراطية قومية في ولادتها الإيديولوجية بالاستناد على الشعب الكادح. بحيث يعطي القائد أبو الجواب للبحث الظاهر في كردستان بهكذا ميلاد فكري. وينجح في تشكيل مجموعة إيديولوجية بالدعاية ضمن الشبيبة المثقفة في ذلك الوقت.
ولد التحزب من الحاجة.
فقد لفت مؤسسو ورواد الحزب الانتباه على الخصائص التالية بقولهم إن المجموعة التي ولدت في المتروبولات التركية وتطورت، تحولت إلى حركة شبيبة اعتبارا من منتصف عام 76 بتوجهها وانتشارها إلى المدن الكردستانية. ” إن الدولة التركية تواجه كل وقفة تتبنى الهوية الكردية بوحشية وفظاعة لا مثيل لها. وتقتل حقي قرار الذي يعتبر أحد ريادي المجموعة من قبل استخبارات الدولة التركية في عنتاب بتاريخ 18 أيار عام 1977. الذي يوجه مسار حركة الشبيبة ( ليخرجها من كونها تيار إيديولوجي) نحو التحول الشعبي والسياسي. وعلى هذا الأساس يحمل حركة الشبيبة للشعب من خلال النضال العملي الذي يتضمن الكفاح المسلح أيضاً. وينجح في كفاحه ضد القوى الرجعية والبنية الإقطاعية والبوليس. بحيث انتصار حركة الشبيبة في نضاله بحلوان حمل على احتضان الحركة من قبل الشعب وكافة فئاته. وبالتالي تصبح هذه، الحجة الأساسية من أجل التحول الحزبي. إذ لا يحمل مسؤولية توجيه وتقديم حركة كهذه إلا الحزب. لذلك ومن خلال الحجج التي بيناها فقد توصلت الحركة إلى تأسيس حزب (ب ك ك) بشكل رسمي عبر مؤتمر دام يومين في 27 تشرين الثاني من عام 1978. فقد وضع القائد آبو حجة التحزب حينها في المؤتمر الأول بهذا الشكل: ” حتى الآن كنا مجموعة وحركة شبيبية. يمكننا السير بجهد شخص ريادي من دون وجود أي تنظيم. ولكن إننا الآن أتينا إلى حالة حركة شعبية، ووصلنا إلى الشعب بالتنقل خارج الشبيبة، وقد تم معايشة وضع نضال سياسي وكفاح عسكري. لذلك من غير الممكن أن يحمل شخص واحد على عاتقه مسؤولية حركة كهذه. ولا يمكن لأي قوة السير للنصر في النضال بالاستناد على تنظيم رخِوٍ، هاوٍ و غير منظم. ولأجل ذلك يتطلب من خلال التحزب حمل المسؤولية من قبل فئة أوسع. يتطلب الوصول إلى حزب محترف لكي نستطيع حمل مسؤولية حركة كهذه على عاتقنا”.
قره صو: لعب (ب ك ك) دوره
بيَن مصطفى قره سو الذي يعتبر من الكوادر الأوائل في (ب ك ك) بأن كوادر الحركة الآبوجية تأتي من الطبقة الشعبية الفقيرة والكادحة، وقال: ” لعب (ب ك ك) الذي تشكل على الخصائص الطبقية لكوادره دوره الريادي في نضاله لتحرير الشعب وتحقيق الديمقراطية وذلك بحماية الأفكار الاشتراكية بشكل دائم”. وتابع مصطفى قره سو بأنه قد ” تشكلت الشخصية الكادرية المليتانية الرائدة من خلال كوادر (ب ك ك) أمثال كمال بير، حقي قرار، خيري درموش ومظلوم دوغان الذين قبلوا مبادئ الحركة، ومثلوا الشخصية المناسبة واللائقة بمفهوم التنظيم و طراز علاقاته الرفاقية، وبفلسفة الحياة ونضال المجموعة الآبوجية. وبنى هؤلاء الرفاق الذين تشخصت في شخصياتهم مميزات المليتانية والنضال الثوري المستندة على أساس التقرب بمعنويات عالية وأخذ النصر أساساً في جميع الظروف، أساس الحركة الآبوجية”. واستطرد قره سو قائلاً “بأن الخصائص الموجودة لدى هؤلاء الكوادر الرواد هي خصائص تم اكتسابها من قبل القائد آبو وبجهوده”. وتابع “فقد حالفني الحظ للتعرف على جميع هؤلاء الكوادر عن قرب. عندما ننظر للوراء و نأخذ وقفة هؤلاء الكوادر الطليعيين بعين الاعتبار نفهم جيداً، كيف وصلت هذه الحركة إلى هذا القدر من التطور والتأثير على كل كردستان والشرق الأوسط، وكيف تحولت إلى قوة كبيرة، ولماذا تمثل اليوم برغبة وحيوية عارمة اشتياق الشعوب إلى الحرية والديمقراطية. فشخصياتهم توضح وتشرح بشكل ناصع كيفية الوصول إلى هذا المستوى من التطور والتقدم. فنحن أيضاً في البداية لم نكن نعلم أو نميّز الحقيقة بشكل كافي، بأن وقفة هؤلاء الكوادر الرواد ستخلق نتائج تاريخية”.
كانوا أناساً مبدئيين وثوريين
وأدام مصطفى قره سو ” بأن كمال بير وحقي قرار الذين ينتسبون إلى أصل تركي يأتيان من فئة اجتماعية فقيرة. وقد كان لهما التأثير الكبير في تبيان نمط وثقافة الحياة في الحركة الآبوجية “(ب ك ك)”. فقد أصبح حياة الرفيق حقي قرار بالنسبة لنا مانيفستو وموسوعة حياتنا. أثر بوقفته ونمط حياته مستقبل هذه الحركة. كان صاحب مميزات يخلق بوقفته وسط مليء بالمحبة ويرى النضال في الظروف والأمكنة الصعبة كمبدأ أساسي للثورية، يغلب علاقاته الرفاقية الحيوية المفعمة بالنشاط، وكان يعيش تماماً من أجل الشعب. لم يرَ أحد يوماً ما بأنه أستصغر أي عمل سواء كان صغيراً أو كبيراً. ولم يكسر بخاطر أي واحد من رفاقه ضمن الحياة إلا أنه وضع في جميع الأوقات الموقف المبدئي تجاه المشاكل التي كانت تظهر. ففي مفهومه للنضال و الحياة التنظيمية أفاد لنا بأنه يجب عمل الأفضل دائماً ويجب أن لا يتم العمل بشكل ناقص عند القيام بأي عمل كان. لعب دوراً مهماً في تطوير ثقافة الحزب بهذه المميزات.
كمال حقق الحملة
كمال كان رفيقاً بكل معنى الكلمة، بالأخص وقفته وممارساته الكادرية كانت ضرورية جداً ولازمة من أجل حركة متأسسة جديداً مثل حركتنا. حركة كهذه لم يكن لها أن تقوم بتحقيق حملات كبيرة إلا بمثل ذلك المستوى العالي من الإيمان والحيوية. إذ لا يمكن لتنظيم في بداية التأسيس خطو الخطوات والقيام بحملات بوقفة عديمة الحيوية والهيجان أو بالطراز الوسط والتقرب السطحي. أكسب كمال بير بشخصيته المليتانية وحيويته وهيجانه ورفاقيته المليئة بالمحبة، روح الحيوية المطردة للحركة. فالقائد آبو يتحدث دائماً عن مليتانية كمال بير، ويُبين بأن الحركة مدينة لمليتانية كمال بير من هذا الجانب. ولا يمكن التفكير بوصول مجموعة صغيرة في فترة قصيرة إلى مستوى مجموعة كبيرة لها أعتبارها في كل الأطراف، من دون وجود مليتانية كمال بير. فقد كان يتمتع بميزة تجعل كادرية المجموعة الآبوجية مستمرة بحيويتها وهيجانها، وبهذا الشكل كان يستطيع من خلال الطاقة التي كان يأخذها من هذه الحيوية والهيجان إتمام النواقص والوقوف أمام كافة الصعوبات التي تعترضه. كنا نعتقد بأنه سوف تبدأ في كردستان النضال مع حرب الكريلا و ستتحقق الثورة في أقصر وقت ممكن عندما كان يدخل كمال بير إلى سروج. فقد كان يعطي نظرة وقوة وانطباع كهذا، بوقفته وهيجانه وحديثه معنا. إذ ان الشبيبة كانت بحاجة لمثل هذه الشخصية في مرحلة المجموعة. بحيث تأثرت الشبيبة الكردية جداً بشخصية كمال بير. فلقد كان علي جيجك رمز شبيبتنا، يحب ويهوى كمال بير جداً. كمال بير، كان ذا ذكاء عملي عالي المستوى، وكانت أحاسيسه ومشاعره قوية جداً. ولم يكن أقل من مظلوم دوغان في قراءته للكتب. كمال بير كان يقوم بكافة الأعمال من دون أن ينظر للرتب أو الصلاحية. فقد كان يرى ذاته مسؤولاً أمام كافة الأعمال. فهو كان حزبياً حقيقياً، يتبنى كافة الأمور المتعلقة بالتنظيم. فهو كان مثال الكادر المليتاني الملتزم. ولهذا السبب فإن القائد آبو يلفت النظر بشكل مستمر على مليتانية وكادرية كمال بير.
مظلوم كان يقرأ كثيراً.
الرفيق مظلوم دوغان كان كثير القراءة والمطالعة، وذا مستوى تعمق إيديولوجي عالي، هذا التعمق خلق منه شخصية إيديولوجية عميقة ومثقفة. فقد كانت وقفة الرفيق مظلوم دوغان مهمة جداً من حيث كسب كوادر الحركة الحساسية اللازمة من ناحية حماية المبادئ الإيديولوجية ضمن المجموعة الآبوجية. فالخصائص المتوافرة لدى الرفيق مظلوم دوغان كانت تماماً انعكاسا لحقيقة القيادة. يقول الرفيق مظلوم دوغان ” عندما كنت طالباً كان البعض من الطلاب يصبحون عرفاء الصف، والبعض الآخر مسؤولي الصحة. ولكنني كنت ذا شخصية ضعيفة المبادرة لدرجة لم أأخذ مهمة في أي تظاهرة أو مناسبة اجتماعية، فلم أكن متفوقاً من هذه الناحية. إلا أنني اكتسبت شخصية معاكسة تماماً عندما أصبحت آبوجياً، فإننا نعمل على ريادة شعبٍ كهذا وحركة مليتانية كهذه. فقد أكسبني القائد آبو هذه الميزات”. الرفيق مظلوم دوغان كان صارماً جداً في المبادئ. أما الرفيق خيري فقد كان يمتلك بنية جد منظمة وسياسية. لم يكن الرفيق خيري قادماً بعد إلى السجن عندما اتخذنا مع الرفيق مظلوم دوغان قرار إبعاد كل من يُظهِر أي ضعف للبوليس. وعندما جاء الرفيق خيري ركز على ضرورة تدريب وتقوية الذين يظهرون الضعف تجاه البوليس، بعد أن رأى تقربنا المتزمت أو الصارم هذا. هكذا كان تقرب الرفيق خيري.
اللقاء الأول مع أوجلان
بين مصطفى قره سو في حديثه بأن تعرفه على المجموعة الآبوجية لعب دوراً هاماً في وضع البعض من مميزات المجموعة للوسط. وتابع قائلاً: ” لقد بدأ تعاطفي مع الحركة اليسارية أثناء قيام عمال مصنع خياطة الإسفنج بتظاهرة في عام 1970 المتواجدين في سجن أستنبول. في تلك الفترة كنت طالباً في المرحلة الثانوية في استنبول. تعاطفي مع الفكر اليساري ناتج عن رؤيتي للفرق الموجود فيما بين الأغنياء والفقراء في مكان مثل أستنبول. وقد شهدت واقعة قتل ماهر جايان وحسين جواهر في “مال تبة “. وقد أثرت هذه الواقعة عليَ بشكل عميق. وقد ذهبت إلى أنقرة بهذه العواطف. وفي ظل ظروف الإدارة المحكمة، أخذت مكاني ضمن الشبيية اليسارية وبالأخص تعاطفت مع جيش التحرير الشعبي التركي ” THKO ” وأخذت مكاني ضمنها. وكانت الحركة الآبوجية تظهر جديداً في هذه الفترة. رأيت القائد آبو من بعيد، فقد كان خارجاً من سجن” مامك” ” Mamak” حالق اللحية والشعر. لا أتذكر العام بشكل جيد ولكن قد يكون نهاية عام 73 أو بداية عام 74، بحيث تمت انتخابات ممثلي الشبيبة في مدرستنا، وكان هناك العديد من المرشحين إلا أن المرشح الذي كان يسانده الثوريين هو محمد أويصال الذي كان عضواً في جبهة- حزب التحرير الشعبي التركي “THKPC”. و جاء إلى مدرستنا زكي ألجين الريزاوي “من ريزه”، الذي كان قد أدار رئاسة جناح الشبيبة في حزب الشعب الجمهوري (CHP) في فترة ما. وسألني عن مساندتي لأي من المرشحين سيكون. وأجبت بأنني أساند محمد أويصال مرشح الثوريين. أتذكر حينها بأنه أجابني بأنك تعمل على مساندتهم، ولكن هؤلاء يرأسهم الكردي آبو الأورفالي. لقد كنت جديداً في تعرفي على اليسار ولم تكن القضية الكردية موضوعاً ملفتاً للانتباه بعد بالنسبة لي. بمحاسبتي وتحقيقي في كلام زكي آلجين، من هو يا ترى هذا الكردي الذي يتقرب على هذا الأساس. وسألت أحد السائرين في ممر المدرسة عنه، فأشار لي ودلني على القائد. أردت الحديث معه بإعطاء السلام، فقال القائد تفضل. فقلت” بأنه يتم انتخاب ممثلي الشبيبة وأنني أساند محمد أويصال لأنه مرشح ثوري واشتراكي. ولكن بخصوصكم هناك أحاديث تدور حول الكردية. فبحسب نظرتي إن هذا الأمر غير صحيح، فنحن اشتراكيون، لو حققنا ثورة اشتراكية في تركيا فإن الخلاص سيكون من أجل الأكراد والأتراك معاً. وبينت له بأنني أرى الدخول في بحث آخر باسم الكردياتية أمراً خاطئاً. يريدون أن يتم نسيان ماهر والآخرين، فقد كنت حينها جديد في الثورية، واستيعابي وفهمي للاشتراكية كان سطحياً. كنت أعرف بأنني كردي، وذلك لأننا كنا نعيش في قريتنا مع الأتراك. ولكن لم أكن أتعرف بعد على القضية الكردية. جدي لم يخدم العسكرية. تم إرسال جدي في عمره السبعين إلى الخدمة العسكرية بعد أن أخبروا عنه الأتراك المتواجدين في القرية. وهذا ما أظهر لدي ردة فعل تجاه الأتراك. من ناحية أخرى لم أكن آتي من وسط متناقض كثيراً. لقد قال لي القائد مفسراً: ” إننا نريد إحياء ذكرى ماهر، ودنيز ورفاقهم. وتقربنا هو على هذا الأساس. أما هم، يتبنون تقرب إنكاري وإصلاحي، بحيث يريدون منا أن ننسى ماهر جايان والآخرين. ولهذا السبب يتلفظون بمثل هذه الكلمات”. وتابعت بقولي بأن ما تقولونه صحيح، وأنني أساند محمد أويصال لأنه سيجهد لإحياء ذكرى هؤلاء القادة الثوريين. وعندما بينت إصراري مرة أخرى بأننا اشتراكيين ولا فرق وأن الأفكار التي تعمل على التفرقة بين الكرد و الترك خاطئة، كرر القائد مرة أخرى نفس الأجوبة لي. وتركت المكان برأسٍ مليء بالشكوك. ولكنني مرة أخرى بينت بأنني سأتابع في مساندة محمد أويصال.
الحركة الآبوجية كانت حركة الفقراء.
اتخذت الحركة ومنذ البداية مكانها ضمن وسط ومحيط اليسار كحركة مؤيدة للفقراء، تقدم الأفكار الثورية التي تتضمنها الاشتراكية للأمام. وعندما ازدادت النقاشات حول الاشتراكية والقضية الكردية بين صفوف الطلبة، بدأت صلتي وارتباطي بالقضية أكثر. كان هناك رفاق لي من ديرسم في مدرستنا. بحيث كان هناك مستوى رفاقياً على حد التعبير بيني وبين الرفيق علي حيدر قيتان من قبل. وكنت أعرف بأنه على صلة مع الآبوجيين. بدأت صلتي به من خلال علاقتي في نهاية 1974 مع رفيقي “علي شر كركوز” الذي تعرضت عائلته للقتل والنفي في عصيان ديرسم. وقد كان الرفاق الذين كنت أتحدث وأناقش معهم، يُعلِمون القائد بأنني أعيش مرحلة الإقناع بخصوص أفكاره و إعطاء القرار للإنضمام إليهم. ويقول القائد: ليأتي لنتقابل. وعلى الرغم من أنني جاوبت بنعم وأردت الالتقاء به، إلا أنني لم أذهب إلى الموعد وكنت دائماً أحاول تأجيل واجتياز اللقاء. وعندما كانوا يشددون علي، كنت أعطي موعد آخر. لقد دام هذا الحال لمدة أكثر من شهرين. وفي أحد الأيام رآني الرفاق في موقف الأوتوبيسات، وسألوني لماذا لا تأتي إلى المواعيد التي تعطيها. أجبت حينها بأنه قد خرج عمل لي أشغلني عن المجيء فسأذهب في وقت آخر. ولكنهم لم يدعوني وأخذوني لعند القائد. وتحدث القائد معي لخمس أو عشر دقائق قائلاً ” إنك شاب كردي ولك إدعاءات ثورية، ترى وتتعاطف مع أفكارنا بخصوص القضية الكردية. إذاً عليك في ذلك الوقت توضيح موقفك أمام الوضع المذري الذي يعيش فيه الشعب الكردي. وبينت موقفي على أساس ذلك بالموافقة.
أصبحت (ب ك ك) لياً، لمسؤوليتي الأخلاقية
استطرد قره سو بأنه كان يتعاطف مع THKO وأثرت فيه مليتانية دنيز ورفاقه، بحيث كان حسين إنان من القرية المجاورة لقريته. و بأنه كان يتأثر من مليتانية المجموعة الآبوجية التي كانت تتحلى بالجدية والإصرار في ثوريتها. إذ أن موقفهم الجدي والمُصَر هذا كان يميزهم عن اليسار التركي ويلفت الأنظار إليهم. وتابع قائلاً: “على الرغم من أنني كنت أرى صحة أفكارهم، إلا أنني كنت أُظهر التردد في انضمامي للمجموعة، وذلك بسبب عدم رغبتي في الانقطاع من المدرسة والعائلة وترك رغباتي في الحياة والشخصية البرجوازية الصغيرة. ولكني انضممت للتنظيم لمسؤوليتي الأخلاقية تجاه الأفكار التي كنت أراها صحيحة ومقتنع بها. إن حقيقة انضمامي هذا إلى (ب ك ك) هو مثال جيد على التعريف بـ (ب ك ك) كيف يُكَون فلسفة حياته وطراز نضاله، مفهوم التنظيم لدى كوادره، وماهية طراز الحياة الذي يتبناه.
كانت الحركة قد خرجت من كونها فكراً.
لفت مصطفى قره سو الانتباه بأن مرحلة التحزب بدأت بعد قتل الرفيق حقي قرار الذي يعد من الكوادر الرائدة للحركة من قبل تنظيم عميل في عنتاب بتاريخ 18 أيار من عام 1977 وتابع قائلاً: ” لم أستطع الانضمام للمؤتمر التأسيسي الأول لـ (ب ك ك) لكوني كنت مكلف بمهمة في أستنبول. ولكنني كنت أعرف بأنه تم البدء بمرحلة التحزب بعد شهادة الرفيق حقي قرار. لقد ذهبنا لتشييع جثمان الشهيد حقي قرار إلى محافظة “أولباي” (التابعة للجيش). وانضم العديد من التنظيمات اليسارية والثورية إلى مراسيم التشييع وتبنوها على أعلى مستوى. وفي طريق العودة ألتقينا بالقائد عبد الله أوجلان حيث قال لنا ما يلي:” هل يتم الاقتراب من ذكرى الرفيق حقي بهذا الشكل، إنكم لم تقوموا بعمل مراسيم جدية، إن حقي قرار ثوري كبير، إنكم لم تظهروا موقفاً يليق بشخصيته وثوريته. إن تطوير النضال هو الذي يليق لذكرى هذا الرفيق، كان يجب عليكم إظهار موقفكم وعزيمتكم لتطوير النضال لعائلته و للشعب والتنظيمات اليسارية المنضمة للمراسيم.” وتحدث القائد بصدد شهادة الرفيق حقي قرار قائلاً: ” لقد أستشهد أعز وأغلى رفيق لنا من أجل هذا الفكر. وصلت أفكارنا إلى مستوى قضية. بحيث ضحى رفاقنا بأرواحهم في سبيل هذه الأفكار”. إن المؤثر الأساسي في وصول (ب ك ك) إلى مستوى القضية هم الشهداء. ولأجل ذلك فإن القائد قال: ” بأن الحزب هو حزب الشهداء”. ومنه كان يرفع من وتيرة النضال ويحقق القفزات بعد كل شهادة. فقد كثف من الدراسات والأبحاث التي يحتاج إليها التحول الحزبي الذي فرضته شهادة الرفيق حقي قرار، بحيث بحث في البرامج والنظم الداخلية للتجارب الحزبية الموجودة. قبل عقد المؤتمر. وصل مانيفستو طريق الثورة الكردستانية إلى أستنبول. فهمت عند قراءته بأنه برنامج الحزب، وأن المؤتمر سيُعقد قريباً. لم نسمع بعقد وتأسيس المؤتمر إلا أن المانيفستو أثار فينا الهيجان.
كنا متميزين عن الجميع.
بين مصطفى قره سو بأن الشعب وقاعدة الحزب تلقيا الإعلان عن المؤتمر التأسيسي الأول بهيجان كبير في اليوم الذي قتل فيه محمد جلال بوجاق. وتابع ” إننا كنا نناضل بالعواطف التي تناولنا فيها أنفسنا بأن نكون مثل الصحابة في الإسلام، والحواريين في المسيحية، إن لم نقل التحزب. لقد أصبحنا (ب ك ك) ليين مع هذ الإعلان الرسمي. وكنا نظهر للجميع بأننا مغايرين من خلال الكتابة على الحائط حزب العمال الكردستاني بخطوط عريضة أو أثناء قيامنا بالدعاية بقولنا بأننا (ب ك ك) ليين. فلقد عملنا على بدء تاريخ جديد في كردستان لا يمكن محاذاته واعتراضه أبداً. فهمنا مع إعلان (ب ك ك) بأننا متميزين ومغايرين عن غيرنا من جانب و تطورت عواطف المسؤولية فينا من جانب آخر. و التحزب من جانب آخر يعني تبني النضال على أعلى المستويات. فلقد تعلمنا ذلك من خلال ما عشناه. ولذا فإننا نعيش في كل ذكرى سنوية جديدة لميلاد الحزب هيجاناً وإندفاعاً جديدا، ونتجدد بهذا الهيجان والحيوية التي تتمالكنا. يتمالك الإنسان هيجاناً وغروراً كبيرين، كونه عضواً أو كادراً لحزب تاريخي قديم وذو تجربة مليئة بالدروس. وإن احتضان و التفاف الشعب حول (ب ك ك) وقيادته في الذكرى السنوية 31 للحزب، يعطينا معنويات وعزيمة نضال جد مغايرة. عضوية حركةٍ تمارس النضال في الأجزاء الأربعة من كردستان هي مغايرة تماماً. فإن ما تم عيشه يمر أمام أعيننا كشريط فيلم سينمائي في كل سنة جديدة. فالوصول إلى حركة كبيرة تساندها الملايين، إنطلاقاً من مجموعة صغيرة لا شيء لها، يعطي الإنسان غروراً عارماً. ونتذكر الشهداء الذين خلقوا هذه التطورات، التي أسست (ب ك ك) وأظهرت الحقيقة الشعبية، كما يتم حفر بئر برأس إبرة. نتذكر في كل سنة جديدة كلمة الرفيق الشهيد خيري دورموش وهو يقول عند أستشهاده ” أكتبوا على قبري بأنني مدين لوطني.” فهل يوجد شيء أعز وأثمن وأجمل من أن يكون الإنسان رفيقاً لمثل هؤلاء الرفاق؟.
سيتبع
2009-12-02