الرئيسية » مقالات » مجلس النواب العراقي يتفرق أيادي سبأ

مجلس النواب العراقي يتفرق أيادي سبأ

تميز مجلس النواب العراقي خلال مسيرته القصيرة بعدم كفاءته سواء بمعالجة القضايا المطروحة عليه او ادارته الجلسات السياسية ، وهو امر يبدو للوهلة طبيعيا لعدم امتلاك النواب خبرة في التعامل السياسي وعدم امتلاك الاحزاب التي يمثلونها مشروع دولة . فاغلب الاحزاب التي تشكل مجلس النواب العراقي تنظر للمجلس باعتباره ساحة صراع لنيل المكتسبات الفئوية لجماعتها او لحزبها او لطائفتها ، واولا وقبل كل شئ لهم شخصيا كونهم الاعضاء الذين يمنحون الاخرين بركاتهم وعن طريقهم توزع الغنائم والحصص ، والتي يجب ان تكون اولا لهم مثل امتيازات الجوازات الدبلوماسية او قطع الاراضي او الامتيازات المالية من رواتب عالية ومخصصات كبيرة …. الخ ومن بعدهم وبعد احزابهم ينظرون من عليائهم للرعايا – وحسب تعبير بعضهم الرعاع – مثلما كان ينظر المقبور صدام للملايين الرافضة لسلطته التعسفية ويطلق عليهم الغوغاء.
والملاحظ على بعض اعضاء مجلس النواب ضعف الوازع الاخلاقي لديهم الى درجة لا يرى عارا في سرقته مالا من بلد يحمل جنسيته ، فظل طوال سنوات وجوده في مجلس النواب ينال بالخفاء معونات او رواتب تقاعدية لايستحقها من بلد لجوئه الذي كان يعيش فيه، ورغم ان هؤلاء قلة في مجلس النواب الا اننا لم نسمع من يحاسبهم او يعزلهم ، لا المجلس ولا رئاسته ولا احزابهم ، بل جعلوا من الامر انتصارا لهم على اساس استحصالهم الحكم ببراءتهم من دم يوسف .
ان القبول بمثل هكذا نواب يفضح الاحزاب التي ينتمون اليها وبالتالي فان الوزراء الممثلين لتلك الاحزاب في وزاراتهم لايجدون ضيرا من سرقة ما تحت ايديهم واستغلال الصلاحيات الممنوحة لهم اسوأ استغلال وهو ما انعكس في نهب الوزارات العراقية ونهب اموال مشاريع الاعمار والخدمات والمشاريع السكنية التي يحلم بها المواطن منذ زوال سلطة الطاغية صدام .
واخر ما تكشف من سرقات ، نهب اموال امانة بغداد ، والتي تقدر بمليارات الدنانير ، ومع ذلك لا يظهر من يفصح عن الامر او يكشف الحقائق للمواطنين وكأن السرقة اصبحت هي القاعدة وان النزاهة هي الشذوذ .
ان مبدأ نزاهة السياسي او النائب عن الشعب في البلدان المتقدمة غير قابل للمساومة ، فعلى سبيل المثال ان رئيسة الحزب الاشتراكي في السويد منى سالين فقدت الكثير من شعبيتها قبل سنوات حين سحبت مبلغا بسيطا من المال بواسطة بطاقة السحب العائدة للدولة وليس بطاقتها الشخصية ، كما فقدت وزيرة في حزب المحافظين فرصة توزيرها لانها لم تكن تدفع ضريبة مقدارها حوالي عشرين دولار شهريا لمؤسسة التلفزيون .
ان أية خيانة مالية مهما كانت صغيرة تضع المسؤول في ساحة الشبهات التي تلقي ظلالها على مجمل وظيفته لذلك نستغرب من عدم محاسبة اعضاء مجلس النواب لارتكابهم اعمالا مخلة بذمتهم المالية ، وعدم محاسبة كبار الموظفين والوزراء لارتكابهم المخالفات المالية ، وهو ما يشجع على نهب المال العام وضياع فرص تنمية البلاد .
وليس غريبا أن تشخص الادارة الامريكية فساد حكومة حامد كرزاي في افغانستان الى درجة الحديث صراحة في وسائل الاعلام عن الفساد المالي الذي شمل الحكومة الافغانية مما افقدها الثقة لدى ادارة اوباما حتى ان اوباما صرح في اخر خطاب له بان امريكا لن تدفع صكا على بياض لحكومة كرزاي، وان الحديث بدأ يشيع في وسائل الاعلام عن الفساد المالي في حكومة كرزاي ، فهل سيشيع الحديث في وسائل الاعلام الامريكية علنا ايضا عن الحكومة ومجلس النواب العراقي بعد ان افتضح امر العديد من المسؤولين في سرقة ونهب المال العام .
وبالنسبة للانتخابات القادمة نراقب الحالة البائسة في مجلس النواب في مناقشته لقانون الانتخابات والجر والعر الذي عليه النواب في معالجة اكبر مشروع سياسي هو الانتخابات ، فلم يناقش المشروع بكفاءة لازمة من قبل جميع النواب ، حتى ان النائب محمود عثمان صرح بانهم خدعوا في امر هذا القانون ، فمن يا ترى خدعهم ، كان من المفترض به وهوالسياسي المخضرم والبلبل الغريد في التصريحات ان يتجنب التصريح الغريب ، وان يبحث عن قائمة باسماء النواب الذين لم يدخلوا المجلس الا لكونهم يتمتعون بصفات القرابة والعشيرة على قاعدة الاقربون اولى بالمعروف وكأن خدمة المواطنين وتمثيلهم معروف يسديه المسؤول الى معارفه وعشيرته واقربائه .
اما الكتل القومية العربية والتي يمثلها المطلك والدليمي والنجيفي ، فحدث ولا حرج ، ما ان يطرح رأي لحلحلة بعض العقد حتى يبحثوا في عصيدة الشوفينية وكأن مناطقهم واحزابهم في حرب مع بقية الاحزاب او المناطق العراقية وكانهم ليسوا من جسم هذا الوطن المستباح من قبل ابنائه ، فلا عجب ان نرى معظم السياسيين العراقيين اسرى رؤية عشائرية ومناطقية محدودة مثلما كان يفكر ابن العوجة بقريته وعشيرته فقط الى درجة اصبح فيها علي كيمياوي اكبر قائد عسكري وسياسي في العراق بعد الحاكم بامره صدام .
انعكس هذا الواقع على مجلس النواب الذي تشكل حديثا بعدسقوط نظام صدامي – توليتاري – ولذلك نرى تشرذم القوى السياسية العراقية داخله وعدم استطاعتها التفاهم والاتفاق على الحد الادنى من المصلحة الوطنية ، والجميع يرفع عقيرته بان التدخل الاقليمي هو السبب ، وهذا محض هراء فلو كان السياسي مخلصا لوطن اسمه العراق ، قبل ان يكون تابعا اعمى لعشيرته او لحزبه او لطائفته ، لما كان بمستطاع التدخل الاقليمي ان يجد ارضا خصبة يعشعش فيها ، ولا رجال سياسة امعات يستخدمهم لضرب ابناء جلدتهم وتمزيق وطنهم .
ومن ابرز ما يلاحظ على الساحة السياسية العراقية هو الغاء دور الثقافة في الحياة السياسية والحياة العامة وابعاد اصحاب العلم والثقافة من الواجهة ، ومحاربة من له باع في علم من العلوم كالطب والهندسة والطبيعيات والعلوم الاجتماعية والثقافية عامة ، وابراز دور المشعوذين من ذوي العقول المعلبة بالطناطل والسعالى والتعاويذ والدروشة … الخ فعاثت هذه الزمر المتخلفة بالمؤسسات الحكومية فسادا ، وظلت امتدادا للنظام السابق المقبور في الرشوة وبيع الضمير وفساد الذمم ، كل ذلك بحجة وراثة المشاكل من النظام السابق وعدم امكان معالجتها ، فاذا كان العجز هو الامر النافذ في سلسلة المراجع الحكومية فمن الذي سيغير من حال الى حال ، هل ننتظر محتلا اخر غير امريكا ، اذا لنفاتح اليمن عسى ان تستطيع ارسال جيشها الى العراق لتغير الفساد بدلا من ارساله على الحوثيين الفقراء الذين لايملكون نفطا ولا تمرا مثلما يملك العراق من ثروات ، وذلك انفع لهم .
ان استمرار مجلس النواب على هذه الطريقة في مناقشة الامور ومعالجة الملفات السياسية سيجعل من الشعب العراقي في دوامة عاصفة تؤدي عاجلا وليس اجلا الى تمزيق البلاد ويتفرق الشعب العراقي ايادي سبأ .