الرئيسية » مقالات » رداً على عبد الجبار السامرائي رجاءً لا أحب بخس الناس حقوقهم

رداً على عبد الجبار السامرائي رجاءً لا أحب بخس الناس حقوقهم

الاستاذ عبد الجبار السامرائي باحث تراثي مثابر قرأت له الكثير وزاملته في مطبوعات التوجيه السياسي في وزارة الدفاع أيام الحرب العراقية الإيرانية، بل ذهبنا إلى زيارة الخطوط الأمامية للقتال في تلك الأيام سوية، ولم يتخل السامرائي عن الاهتمام بالتراث والبحث التراثي حتى في تلك الأيام العصيبة. ما كتبه الزميل العزيز في الزمان تحت عنوان (أرجوكم لا أحب الغلو) يوم 2/11/2009 تعقيباً على ما نشرته: (أرجوكم لا أحب الرثاء) في 5 أيار 2009 في الجريدة نفسها، بمناسبة ذكرى ميلاد العلامة الراحل الدكتور حسين علي محفوظ، أثار حزني وأسفي وصدمني.. فلم أكن متوقعا من باحث مدقق كالسامرائي، أن يتحدث بمثل هذا الاسلوب، في مجافاة الموضوعية وتجاوز الوقائع، فقد حمل التعقيب أحكاما قاطعة وجاء بنتائج نهائية، ويعلم الزميل الكريم بأن الانطباعات الذاتية المباشرة لا تسوغ فهم الأمر على غير حقيقته، ما لم يجر التثبت من الوقائع وتدقيق المنقولات.
ولا أدري من وما الذي أيقظ صديقي أبا نبيل ليرد على مقالي بعد أكثر من ستة اشهر على نشره، ولكن على الرغم من حزني وصدمتي وأسفي على أن يتخلي السامرائي عن بديهيات المنهج العلمي، فينزل بقلمه إلى مستوي هو دون كتاباته المعروفة، ونحن نتحدث عرضا وتعقيبا عن أحد أعلام العراق، فإن الزميل الباحث شاء أن ينكر على الرجل حتى فضيلة العلم ويبخس أستاذيته، وكأن حسين علي محفوظ عاش ومات نسيا منسيا.. فلا يذكر للفقيد أي فضل، بل أظهره بصورة إنسان ما تحت العادي في علمه وفضله وانتاجه.. وكنت سأقبل كلام السيد عبد الجبار السامرائي لو أني قرأت له قبل اليوم مقالا نقديا أو حتى كلمة واحدة عن فكر محفوظ وآرائه.. هل بادر أبو نبيل يوما إلى عرض وجهة نظره عن كتابات الرجل وتعليقاته، وهو الناقد المعروف في عالم الصحافة العراقية.. كنت أتمنى لو أنه كتب والرجل على قيد الحياة لهان الامر.. لكن الزميل جاء متأخرا.. فقد طوى محفوظ الردى، وهو الآن بين يدي رب كريم ولم تعد من كلمة تقال على لسان تلامذة الأستاذ المتمرس في الدراسات الشرقية ومحبيه، والذي تخرجت على يديه أجيال وأجيال على مدى نصف قرن من الزمان. هل فات الباحث التراثي المحقق أن يقف على جميع ما كتبه وأنجزه محفوظ من الرسائل والبحوث والكتب، هل أجرى تقويما موضوعيا لرحلة الرجل بصحبة القلم والورق على مدى سبعين عاما؟!
ومع ذلك فإني، ولعل معي المئات من أصدقاء محفوظ والسامرائي ومحبيهما، يشعرون بالأسي، في توجيه العتاب إلى السيد عبدالجبار الذي لم يطاوعه لسانه أن يقول كلمة طيبة واحدة ينصف فيها جزءا يسيرا من الجوانب المعرفية للعلامة الراحل.. ومع ذلك فإني أجد العذر لصديقي عبد الجبار محمود السامرائي أبي نبيل، فهو كتب ما كتب في أجواء القهر الوطني، واضطراب المعايير، التي تسود أجواء العراق.. ومع حسن الظن بالزميل الكريم، فإني حزين على ما آلت إليه دنيانا، في خصومة يشتبك فيها الأحياء بالموتي، وينال القلم من نفسه، إذ لا ينتظر من مثقف كبير باحث عن الحقيقة إلا أن يسمو إلى قامة الحرف الاول، ويرقى إلى نصاعة الورق عندما يهم بالكتابة، والناقد كما القاضي، لا يجوز أن يكون طرفا في الدعوى، فواجبه يلزمه التمسك بميزان (العدل)، فلا يسرف في مدح من دون وجه حق ولا يفرط في لوم من دون دليل أو برهان، فمهمته الاخلاقية تحتم عليه تحري الحقيقة، وتقليب القضية على وجوهها كافة، قبل أن ينطق بالحكم.. وللاسف لم ير الزميل من القضية إلا ما أراد هو أن يراه.. وإلا لذكر لنا شيئاً واحداً أعجبه بمحفوظ أو لفت نظره في انتاجه الغزير أو معلومة تعلمها منه وهو كثير القراءة، كما أعلم، ونحن نعرف أن المطلق هو الله وحده، فلا تجد إنسانا كاملا ولا سيئاً مطلقاً، فما هي حسنات محفوظ في رأي السامرائي؟.. فليذكر لنا واحدة منها لكي لا نتعبه.
يقول السامرائي عن محفوظ: “وما كان الرجل في تقدير الكثيرين أكثر من باحث متواضع، جلّ كتاباته وأبحاثه كانت فقيرة وسطحية لا تسمن ولا تغني من جوع”. وهذا (كلام على السلاطين)، كما يقول البغداديون، لا يسنده دليل ولا برهان، وإذا لم يكن كذلك فليذكر لنا من هم هؤلاء الكثيرون، وأين نشرت آراؤهم ومتى؟.. أما الكلام على الناس على وفق الهوي ومن دون وثائق، فذلك ما يستطيعه أي شخص، وأعجب كيف لا يستند باحث تراثي تفترض فيه الدقة على دليل أو برهان لقول يطلقه؟
ويقول عن محفوظ أيضاً: (كان محفوظ، يذهب إلى الندوات والمؤتمرات الثقافية سواء دُعي إليها أم لم يُدْع، وكان يحلو له ان يترأس الجلسات ويكثر من المداخلات والتعقيبات التي لا يعوّل عليها علمياً). هل هذا كلام يعقل؟.. يذهب إلى المؤتمرات سواء دعي إليها أم لم يدع وفي هذه المؤتمرات أفاضل الناس ومنظمو المؤتمر، ثم يصعد إلى المنصة ويترأس المؤتمر من دون أن يعترض عليه أو يمنعه أحد؟. هل كان محفوظ قيادياً كبيراً أو مسؤولاً خطيراً في الدولة العراقية بحيث يفعل ذلك من دون اعتراض من أحد؟.. ما هذا الكلام الذي لا يصدر عن رجل بسيط لا عن مثقف له صولات وجولات في الكتابة والثقافة والتراث؟
ثم يستشهد بما يأتي: “في عام 1977 ألف محفوظ كتابه (قاموس الموسيقى العربية) فجاءت مادة القاموس هزيلة كالعادة فالرجل لم يدرس الموسيقى وليس له علم بأسرارها البتة.. لا أتذكر أنني قرأت لمحفوظ مادة في مجلة أو صحيفة تنم عن سعة إطلاع، فمثلاً (تحقيقه) لكتاب (الأدوار) لصفي الدين الأرموي كان مجرد استنساخ مصور لمخطوطة الأرموي لكنه عدّ نفسه (محققاً) وما هو بمحقق ثبت. والحق أن تحقيق المرحوم الحاج هاشم الرجب لكتاب الأدوار المطبوع في بيروت هو المعوّل عليه، فأهل مكة أدرى بشعابها. وفي عام 1984 نظم اتحاد المؤرخين العرب في بغداد ندوة عن (تاريخ المقام العراقي)، حضرها أساطين المقام وأساتذته وعدد من الباحثين والمؤرخين. وكالعادة ترأس محفوظ إحدى جلسات الندوة، فأخذ يهرف بما لا يعرف، ويعقب تعقيبات ساذجة تثير الاشفاق”. وهذا قول مردود على السامرائي، فالعلامة محفوظ رحمه الله لم يقل في يوم من الأيام
إنه مغن أو من قراء المقام، بل كان محققاً للكتاب، الذي طبعت تحقيقه وزارة الاعلام، ووزارة الاعلام كما يعرف وأعرف ويعرف الجميع لا تطبع كتاباً على نفقتها أو غير نفقتها حتى تحيله إلى مختصين واستشاريين لبيان رأيهم في محتوياته.. فكيف لم تفعل ذلك مع تحقيقه لكتاب (قاموس الموسيقي العربية)؟.. ولماذا لم نقرأ أو نسمع نقداً له إلى أن قرأناه في مقالة السامرائي؟.
ومحفوظ رجل صاحب مروءة يعرف مقام أهل الفضل، وعلى طول السنين التي قضيتها في صحبته لم أجده يوما اغتاب إنسانا أو تكلم بسوء عن أحد كما لم أسمع منه إلا الثناء على الدكتور مصطفي جواد، ولكنه يختلف معه في بعض الآراء والطروحات، وهذا طبيعي بين العلماء، واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.. وأنا أدعو السامرائي إلى إعادة تدقيق حادثة ندوة (تراث العلامة الدكتور مصطفى جواد) التي نظمها اتحاد الأدباء والكتاب – فرع ديالى في العام 1992، وكذلك ما قاله السامرائي لمحفوظ: “سئل العلامة الكبير مصطفى جواد: كم بلغت في ميدان البحث والعلم؟ أجاب: ما زلت طفلاً أحبو في هذا الميدان، ولا أملك سوى قطرة من بحرٍ خضمّ، وما زلت أقف عند ساحل هذا البحر. قلت هذا الكلام لحسين محفوظ وجهاّ لوجه، وأنشدت قول أبي نواس: (قل لمن يدعي في العلم توسعةً ـ الصحيح فلسفة ـ حفظت شيئاً وغابت عنك أشياءُ)” وإذا حدث ذلك حقا، فإنه يفسر لغير صالح السامرائي، إذ يعني ذلك تطاولاً وتحاملاً من طالب على استاذه واستهانة به، وهو فعل لا يليق بأحد، أنزّه السامرائي عن أن يقوم به، فإني أعرف خلقه النبيل الذي سمى ابنه به..
ويسألني السامرائي: ما هي الوقائع الخارقة التي صدرت عن محفوظ لتجعله في مصاف الأنبياء والقديسين والعظماء؟!، وهو يقصد قولي في عمودي: ” كان محفوظ يمتلك أخلاق أنبياء وصفات قديسين وعظمة رجال أثروا الحياة وأعطوها ومنحوا الناس أفضل ما لديهم”..
وأنا أجيبه عن سؤاله بأنه يوم كان يتسلم الأموال والمكافآت عن مقالاته، كان محفوظ أيضاً يتسلم مكافآت عن مقالات كان يكتبها فكان ينفقها كلها على الفقراء والمحتاجين، وكان بعض ذلك يجري على يدي، إذ كنت أوصل المبالغ إلى عائلات معدمة.. وهذه بعض أخلاق الأنبياء والقديسين.
ثم يتهمني السامرائي سامحه الله بـ (الغلو) حين ذكرت مزحة لي مع محفوظ في مجلس فاتحة وكان من كرم أخلاقه أن سكت عني وابتسم على الرغم من أنني وصفته بالناقة، واستثمر السامرائي هذه الحادثة ليعلمني والمسلمين قصة (القصواء) ناقة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، بوصفنا جميعاً لا نعرف هذه القصة ولا يعرفها محفوظ، فأسهب في شرح تفاصيلها..
وينتقل السامرائي إلى مرحلة تالية أشد مضاضة وإيلاما، حينما يزعم أن محفوظاً “عقب على أحد الباحثين بأن الذي بنى بغداد هو ملك فارس (يزدجرد) فعجتْ القاعة بالضحك!
وافتقدت التصفيق”، وذلك في عام 1997 في ندوة عن (تاريخ بغداد)، عقدت في قاعة الرباط. وإني أشهد الله أن محفوظاً الذي كان شديد الاعتزاز بعراقيته وعروبته، لم يقل ذلك يوماً، ونحن نقول للسامرائي: “قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين” فليأتنا بدليل واحد على ذلك، والحمد لله أن المعاصرين لمحفوظ مازالوا أحياءً يرزقون فليأت لنا بواحد منهم يشهد على صدق ما قال إذا لم يرغب بالبحث في كتب محفوظ ومقالاته المنشورة. ثم كيف يتأتى لمحفوظ عاشق بغداد وولدها البار وشيخها الذي كتب عن جمجمة العرب أن يقول ذلك، على فرض أنه قاله، فلماذا لم يقم عليه الناس قبل المسؤولين الذين نعرف طبيعة حزمهم حيال مثل هذه المزاعم سواء صدرت من محفوظ أم سواه؟!!
(ملاحظة صغيرة: كان حسين علي محفوظ عضو اللجنة العليا الخاصة في احتفالية يوم بغداد. فليراجع السيد السامرائي الكراسة التي حرر مقالتها الاولى، في تأصيل عروبة بغداد إسما وتاريخا).
ويوجه السامرائي خطابه لي، فيقول: “لقد صدمني عمودك في (الزمان) المعنون (أرجوكم.. لا احب الرثاء)، لأنه يخرج عن المألوف ويجنح إلى الغلو والمبالغة في مدح رجل كان يمتلك معلومات متواضعة، لذلك لم يعتمد المجمع العلمي العراقي كتاباته علمياً لافتقارها الأصالة والدقة، فضلاً على أن الرجل كان نرجسياً شديد الإعجاب بنفسه. سئل حكيم: ما البؤس؟ قال: إعجاب المرء بنفسه”.
وأطمئن السيد السامرائي إلى أني لم أقل كل ما عندي في محفوظ، ولو أنه تخلى عن تحامله غير المعلل، وأعاد مراجعة نفسه، لتحدث بأكثر مما تحدثت أنا عنه. أما قصة المجمع العلمي التي يتوكأ عليها السامرائي، فمحفوظ كان عضو المجمع العلمي في القاهرة وسواها، وأصحح له أن الرجل لم يرشح للمجمع العلمي العراقي، ليس لأن المجمع لم يعتمد كتاباته “علمياً لافتقارها الأصالة والدقة”، وذلك ما أورثه غصة كبيرة أن لا يكون عضو مجمع في بلاده التي يحب، في حين هو عضو مجامع في بلدان أخرى.
أما “نرجسيته” فقد كانت درعه التي يتقي بها هجمات الشانئين الجاحدين لفضله وعندما ذهب إلى لقاء ربه ذهب ذلك الدرع معه فتناوشته سهام الاحياء..
وأشكر السيد السامرائي أنه جعلني أعرف لأول مرة في حياتي أن (لكن) تنصب ما بعدها، وهذا تقصير من محفوظ فهو لم يعلمني أن (لكن) تنصب ما بعدها.
لقد حاول السيد السامرائي أن يرسم صورة كاريكاتيرية مضحكة لمحفوظ، وقد فاته أنه رسم هذه الصورة لكائن وهمي، عندما نفى عن محفوظ كل علم وكل فضل وكل مكرمة، وصورنا بأننا مخدوعون في الرجل، في حياته ومماته، بمن في ذلك آلآف البغداديين الذين تقاطروا من الكرخ والرصافة الذين حملوا على أكتافهم جنازته.. أو الذين ألقوا عليه تحية الوداع.. لو لم يملك محفوظ علما ولا منزلة فلماذا تلتئم ضفتا دجلة في يوم رحيله؟.
ولكني أتخيل محفوظاً في دار البقاء، الآن، وهو يدعو ربه: المغفرة لك يا عبد الجبار السامرائي.. وتلك واحدة من سجايا الأنبياء والقديسين.