الرئيسية » مقالات » لماذا تُستَهدف الثقافة وحرية الإبداع..؟!

لماذا تُستَهدف الثقافة وحرية الإبداع..؟!

الثقافة إبداع، والإبداع حرية، والحرية ضرورة ، ومن يضع القيود على الإبداع، إنما يحيله الى عبودية، فمهما أَضْفَتْ أية حكومةُ ما على وزارتها للثقافة من مسميات، فهي لا تخرج من شباكِ مراقبتها، ولا ترغب إلا بمن يعزف في جوقتها، أو يصفق لجلالتها، ويرفع من معالي موظفيها؛ فلا إبداع بلا حرية، ولا حرية مع الرقابة..!

اية حكومة ملزمة برعاية الثقافة، والرعاية هنا تعني إبتدائاً، الرعاية المادية والمعنوية، والدولة من خلال الحكومة، هي من بيدها مقاليد بيت المال، ورعاية الثقافة لا تعني المِلكية، فالدولة راعية للثقافة وليست مالكاً لها، أما المالك الحقيقي والشرعي للثقافة فهم أصحابها الحقيقيون، من مبدعي ومنتجي الثقافة، الذين يمتلكون كامل الحق في تأسيس منظماتهم المهنية التي وحدها من ترعى شؤونهم وتسهر على مصالحهم، وتمثل الحلقة الشرعية الرابطة مع الدولة، في متابعة تلك الشؤون..!

فوزارة الثقافة الحكومية، والأصح أن تدعى ب(وزارة الرعاية الثقافية)، إرتباطاً بهذا المفهموم، لا يمكن أن تكون منتجاً للثقافة، ودورها يمكن أن تقوم به أية وزارة خدمية أخرى، كوزارة المالية، أو وزارة (رعاية) منظمات المجتمع المدني .. ورغم خطط أية حكومة ما، بتنصيب من لهم صلة بالثقافة، من بعض المثقفين أو من الأكاديميين على رأس الوزارة، فهذا لا يضفي على الوزارة، سمةَ منتجٍ للثقافة، بقدر ما تظل تلك الوزارة، عبارة عن هيئة حكومية إدارية تهتم برعاية الشؤون الثقافية في البلاد على وجه التحديد، ولكن أغلبية الحكومات إعتادت على تجيير صفة الثقافة لصالحها، وإفترضت سلفاً، بأن جمهرة المثقفين هم مجرد جنود في عسكرها، فليس غريباً على سبيل المثال؛ أن يعتلي منصة مهرجان ثقافي أي مسؤول من وزارة “الثقافة الحكومية”، ويعلن إمتعاضه من ممثلي هيئة ثقافية ما على سبيل المثال، ك (الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق)، وهي أحدى منظمات المجتمع المدني، ويصفهم ب”الدينوصورات”، أو يرتأي “إجتثاثهم” من الوسط الثقافي، لعدم تجاوبهم كما يبدو مع تطلعات ذلك المسؤول في الوزارة..!؟ (*) (*)

الغريب في الأمر، أن تتحول حالة “التبني للمُنْتَج الثقافي” من قبل الجهات الرسمية، الى سيفٍ مسلطٍ على رقاب المثقفين الأحرار، وأن تتحول وتستغل “المهرجانات الثقافية” التي تقيمها الحكومة، الى دواوين لمدح الحكام، وتمجيد السلطة، كسابق العهد، وإن نعود مجدداً الى توليد ثقافة التابعية السياسية الحزبية، وهي تطل علينا برأسها من جديد، والى خطاب التهديد والوعيد..!

وقد تصاعدت خلال الفترة الماضية على صعيد الإعلام، حملة” رُوِجَ لها بحميةٍ وإهتمامٍ من قبل العاملين في الوسط “الثقافي” الرسمي والإعلامي الحكومي، ووظِفت لها أقلام وفضائيات؛ حملةُ تمجيدٍ وتهويلٍ وتعويلٍ على مبادرة السيد رئيس الوزراء، المعلن عنها في 27/8/2008 عن تشكيل ما يسمى ب ” المجلس الأعلى للثقافة”، على غرار ما لدينا في العراق من المسميات المماثلة لأعالي المجالس الحكومية، وقد إقترنت بعد ذلك، بما أعلن عنه من مبادرة مماثلة قادها الوكيل الأقدم لوزارة الثقافة، والتي سماها ب “المصالحة الثقافية” بين مثقفي الداخل والخارج، وقد مثل ذلك نشاطاً حكومياً ملفتاً للنظر في المجال الثقافي، لم يسبق له نظير..!؟

ولكن ومن الجانب الثاني للأمر، وإن دلل هذا النشاط على ما للثقافة نفسها، من أهمية تأثيرية ومعنوية على الوسط الجماهيري وما للمثقفين عموماً من دور بالغ الأهمية في تنوير المجتمع، مما يدفع تلقائياً بأية حكومة كانت، وخاصة الحكومات ذات الطابع الحزبي الشمولي، الإنتباه الى هذه الخاصية، وبالتالي إيلائها إهتماماً إستثنائياً وتخصيص كل ما يمكن تخصيصه من جهدٍ مادي وبشري ومعنوي، في أن تضع تحت إشرافها كل مؤسسات الثقافة الموجودة في البلاد، وتحاول إحتواء الطاقات الإبداعية للمثقفين بشتى الوسائل والطرق المتاحة، بما فيها محاولة تنصيب تابعيها من بعض المثقفين، في المراكز النقابية ومؤسسات المجتمع المدني الخاصة بنخب المثقفين، وإستغلال إمكانات الدولة وأجهزتها لإنجاح مشروع الهيمنة الحكومية على منابع الثقافة في البلاد، وإحتكار روافدها ضمن مختلف الصيغ والتشكيلات والمسميات؛ وتلعب مثل تلك المحاولات أهمية خاصة وإستثنائية حينما تقترن بمناسبات ذات طابع دعائي، مثل الدعاية الإنتخابية على سبيل المثال لا الحصر..!؟

فإنه وعلى سبيل المثال أيضاً، ومن غريب المفاجئات، وفي ظل الفجيعة التي دهمت الوسط الثقافي العراقي ، بفقدانه المبدع المثقف الشهيد كامل شياع، المستشار الثقافي لوزارة الثقافة العراقية برصاص مافيا القتل والجريمة ولأيام لا تزيد على عدد أصابع الكف الواحد، أن أعلن رسمياً عن الدعوة الى تأسيس ” المجلس الأعلى للثقافة”، ولا كأن من طالته رصاصات الغدر كان أحد رجال الثقافة العراقيين المرموقين، وأحد رجال وزارة الثقافة العراقية ورمزاً من رموزها الديمقراطيين المعروفين؛ فجاء الإعلان في وقت كان يفترض فيه أن تلهب الحكومة فيه الأرض تحت أقدام القتلة المجرمين وتقلب الأرض بحثاً عنهم وعمن يقف ورائهم، فمر الحدث كخبر عادي وكأي أخبار القتل اليومية التي إعتادها العراقيون كل يوم، فلم تولِ الحكومةُ ولا الوزارة المعنية “الثقافة”، أي أهمية تذكر لمغزى الجريمة ومدلولاتها السياسية والمعنوية على الوسط الثقافي، وحتى في مؤتمره مع بعض المثقفين، ودماء الضحية لما تجف بعد، لم يشر السيد رئيس الوزراء للجريمة أو إستنكارها، في وقت لم تتوقف فيه الإدانات للجريمة، من كل صوب وحدب، بما فيها هيئة الأمم المتحدة..!؟(**)

فإذا لم تكن مناسبة مثل تلك، وقد جمعت ثلة من المثقفين مع السيد رئيس الوزراء وفي وقت لم يبرد فيه بعد دم الضحية، حافزاً على الشجب والإستنكار وإظهار كل ما يقرأ منه الإصرار على كشف الجريمة ودوافعها ومن يقف ورائها، فبأي معنى ياترى، سيقرأ المرء مدلولات ما يعنيه الإعلان عن ما يسمى “المجلس الأعلى للثقافة” بعد ذلك..؟؟ وكيف تفسر حالة الصمت التي أطبقت على الحكومة..؟؟! وما هو سر عدم الإكتراث الذي جوبهت به الجريمة من قبل المسؤولين..؟؟! ولماذا لم يعلن شيء عن ما توصل اليه التحقيق..؟؟! ولماذا ولحد اليوم لم يعلن عن هوية القتلة وتقديمهم الى القضاء..؟؟!

مع كل هذه الأسئلة التي مضى عليها ما يزيد عن عام، وما سبقها غير قليل، يكرر السؤال نفسه من جديد، وفي حالة ترتبط في جوهرها مع حالة الثقافة من قريب أو بعيد، لتتمحور زيادة لما تقدم، حول إستهداف رسل الثقافة الآخرين، من رجال الصحافة والإعلام، في مسلسل دموي لم ينته بعد، وكان آخر ضحاياه الإعلامي الشجاع الشهم عماد العبادي، لتقف صارخة نفس الأسئلة ذاتها، حيرى لمن توجه الإتهام، والى أي مدى تتحمل الجهات الحكومية مسؤوليتها في كشف الحقيقة..!؟

سؤال دائم، سبق أن وجهناه، ونعود لتوجيهه من جديد..!!؟ (***)

___________________________________________________________

(*)

http://www.iraqiwritersunion.com/modules.php?name=News&file=article&sid=11310

(*) http://www.elaph.com/ElaphWeb/Culture/2008/6/338043.htm

(**) http://www.pmo.iq

(***) http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/27kml.htm