الرئيسية » مقالات » المتحاصصون يُجبَرون على إحتساء ؛الديمقراطية؛ ساخنة!؟

المتحاصصون يُجبَرون على إحتساء ؛الديمقراطية؛ ساخنة!؟

عندما اكتشف علماء الطبيعة أن ( السوائل تأخذ شكل الأوعية التي تسكب فيها)..لم يخطر في بالهم أن السلطويون ووعاظهم ومؤدلجي مدارس إستئثارهم..سيجعلون من المفاهيم التي تُنَظِّم الفكر والممارسة السياسية مجرد سوائل ” عصيدة ” تأخذ شكل الاوعية السلطوية التي تَستَرِطُها اوتُسكَب فيها!
وبموجب تحول المفاهيم السياسية الى سوائل في ـ ثقافة ـ المستبدين فان السلطويون ينحنون أمام عواصف التاريخ التغييرية التي تعكس الميل العام التطويري الذي يميز المجتمعات العاقلة ..
ويُجهِض هؤلاء السلطيون ـ عادة ـ مضامين وغايات تلك المفاهيم الارتقائية كـ ( الحرية . الوطنية .السيادة . التنمية . التغيير . التعددية .الدستور. الانتخابات .الحياة الحزبية .التداول السلمي.التوافقية السياسية .المجتمع المدني.الرأي والرأي الآخر.وووو.. الديمقراطية ) ويطحنون قشورها في جوف أجهزتهم العقائدية الصلبة..لتستحيل الى سوائل قذرة تهضمها أنظمتهم المستبدة ـ او أحزابهم وحركاتهم الشمولية اللاديمقراطية ـ وتأخذ شكل ومقاسات وإتجاهات تلك الأواني السلطوية المُستطرقة!
ليشاركوا بها في مهرجانات الأنخاب بكؤوس من ذات ” لون الشراب ” المُسَوَّق في وسائل الإعلام الذي يدعو له صاحب المشروع الاستلابي الدولي!
…………..
في خمسينات القرن الماضي ونهاية الحرب الكونية الثانية..تفجرت الحرب الباردة باسم ـ الحرية ـ ..
وـ الحرية ـ مفاهيم وليست مفهوم واحد..
فـ ـ الحرية ـ المسكوبة في أوعية النظام الرأسمالي العالمي تعني ( التحرر من خطرالشيوعية )..
و ـ الحرية ـ المسكوبة في أوعية الحكومة السوفييتية تعني التحرر من هيمنة الولايات المتحدة وحلفائها..
وـ الحرية ـ المسكوبة في أوعية ” الأنظمة الوطنية!” تعني التحرر من سلطة الشعب على القادة ـ الوطنيين !ـ الدكتاتوريين المستبدين!
فأهدَر هذا الصراع الاستنزافي على مدى مايقرب من نصف قرن من تاريخ البشرية أرواح ملايين الناس وتريليونات الدولارات وخَلَّفَ قارات تتمرغ بالبؤس والإستبداد والتخلف المادي والفكري والسياسي!
وانقسم العالم الى معسكرين والدول الى كتلتين والفكر السياسي الى ثقافتين والأنظمة الى تيارين (مستبدين):
الأول يدعم الانظمة الدكتاتورية الشمولة المتحالفة مع الغرب بدعوى الخوف من الشيوعية ..
والآخر يدعم الأنظمة الدكتاتورية الشمولية ـ الوطنية! ـ بدعوى مواجهة الاستعمار والصهيونية!
وأنتجت الحرب الباردة أنظمة شمولية مستبدة مرتبطة بالنظام الرأسمالي العالمي وأخرى مدعومة من الحكومة السوفييتية..
وكليهما مسخ ـ الحرية ـ وهَجَّن ـ الديمقراطية ـ وسكبهما في أوعيته الشمولية الدكتاتورية ..
فأتخذت أشكالها التي تكرس سلطة الاستبداد..
ولاتزال بعض الشعوب لليوم تعاني من بعض الديناصورات الحاكمة من كلا المعسكرين !..
وهم القدوة السيئة لبعض أُمراء الطوائف والأعراق في بلادنا!
………………..
في ستينات القرن الماضي عندما عصفت في عالمنا مفاهيم ـ الاشتراكية ـ وإمتدت الى كل بقاع الأرض المقهورة..تلقفها المستبدون الدكتاتوريون واحتووا اندفاعها وسكبوها في أوعية استبدادهم..
فرفعوا شعارات ـ الإشتراكية القومية..والإشتراكية الإسلامية ..والإشتراكية البوليفارية..والإشتراكية الوطنية..والإشتراكية الأفريقية..والإشتراكية اللاتينية..والإشتراكية العربية..والإشتراكية الذاتية..الخ..
لإحتواء تلك ـ العاصفة ـ وتدجينها وإعتصارها وسكب سوائلها كصبغة لطلاء أنظمة الاستبداد بلون ـ الإشتراكية ـ البرّاق!
حتى إن :
دولة العقيد القذافي صارت ومازالت ” الإشتراكية العظمى “..
ومستنقع البؤس في صومال زياد بري..كان “جمهورية إشتراكية “..
ومقابر الملايين في كمبوديا كانت باسم ” الإشتراكية “!!!
…………………
وفي السبعينات عندما هبت رياح ـ الكفاح المسلح والمقاومة !!ـ وصار العديد من تلك المنظمات تُفصح عن نفسها بإعلانات دموية في شوارع المدن..وإلتف حولها خلق كثير من المناصرين والمشجعين المتحمسين الشباب..تبنى ذات السلطويون نهج إحتضان تلك المنظمات والتآخي معها وتهجينها وتحويلها الى سوائل تأخذ شكل أنظمتهم ليستغلوها في صراعهم مع خصومهم الداخليين والإقليميين والدوليين..الى يومنا هذا!
………………
واليوم حيث تصول في أحشاء العراق دبابات ” الديمقراطية ” الامريكية ..لابد من إجتراع هذا السم القاتل للمستبدين!
مما اضطرهم( حكاما وأحزابا وتيارات وحركات وأفراد ) للاستعانة بـ ـ المعصرة ـ التي يتوارثها الشموليون المستبدون..لإقحام الديمقراطية فيها وطحنها وإعتصارها لتحويلها الى ـ عصيدة ـ لسكبها في أحشاء تلك الأنظمة والأحزاب والحركات والتيارات الإستئثارية لتلويثها وجعلها جزءاً من ـ ثقافتها التفردية الشمولية ـ وطلاءاً يُسوِّقُها في بورصة المشروع الامريكي ـ المدعي ـ بـ:
دمقرطة البلدان المستبدة المارقة وتَمدين المجتمعات المتخلفة المنتجة للإرهاب!..
إن تجارب الشعوب المريرة مع المستبدين من كل الأصناف والألوان ..تؤكد :
أن الديمقراطية ليست سائلا يسكب في الاوعية الحجرية ليأخذ نمط وطبيعة الأنظمة الشمولية المستبدة التي يسكب فيها..كما هي الحال في جميع البلدان الشمولية المستبدة التي أضطرتها رياح ـ التغيير ـ الى قبول عقار الديمقراطية السائلة وتهجينها وفق مسالك دروب الاستبداد الشمولي المعتمة المتفشي فيها!
لكن تلك الفِريَّة لن تنطلي على الشعوب الى الأبد!
لأن منتجيها الذين اعتادوا الاستبداد بلا حدود..لايستطيعون المطاولة بها لأنها ستضيِّق انفاسهم..وسينبذونها بممارساتهم في العلن !
تلك ” الديمقراطية ” التي فرضتها اليوم تيارات العولمة المقننة كشكل من أشكال حرية انتقال: رؤوس الاموال والسلع والقوى المُنتجة للربح .. في أسواق القارات الخمس وصولا للسوق العالمية الإحتكارية الموحدة!
دون التخلي عن مبدأ ـ حماية مصالح الرأسمال العالمي على حساب حرية الفرد وحقوق الشعوب ـ الذي تتمسك به دولة الإحتكارات وتعزز دور الأنظمة الشمولية وتبرر نهجها المعادي للديمقراطية بقدر خدمتها لمصالح دولة الإحتكارات الدولية..
فدولة الشركات الكونية لايعنيها من يتربع على هذا العرش او ذاك في هذه الجمهورية او تلك المملكة بقدر مايعنيها ..التزام ذلك الحاكم ونظامه بحماية مصالح تلك الشركات:
في 13 يناير 1986 عندما انفجرت الأحداث الدامية بين الإخوة الأعداء في عدن التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من المواطنين الأبرياء وذَبَح فيها الأخ أخيه وفقدت اليمن نخبة من أفضل أبنائها ( حيث إحترق في جوف مدرعة عسكرية السياسي والشاعر عبد الفتاح اسماعيل عندما كان برفقة علي سالم البيض الذي فر لاجئا من المحرقة الى سلطنة عمان حتى يومنا هذا!)..بسبب طفح النهج الإستئثاري القبلي على حياة الفرد والمجتمع وإنعدام النهج الديمقراطي في حياة الحزب الإشتراكي والدولة الناشئة التي يقودها..
كتب زبيغنيو بريجنسكي ـ مستشار الامن القومي الامريكي آنذاك ـ في مقال له:
يجب أن لايكون اهتمامنا بمن سيقود السلطة في عدن؟..عبد الفتاح اسماعيل أم علي ناصر محمد؟..بل حتى كارل ماركس..بقدر حرصنا على التزام الحاكم هناك بحرية ملاحة أساطيلنا وتجارتنا في مضيق باب المندب !!
واليوم تمسك الآلة العسكرية والسياسية الامريكية بمصير العراق..ويتوهم بعض تجار السياسة بأن بضائعهم رائجة في السوق الأمريكية وسلع غيرهم كاسدة!
ويبتنون لأنفسهم صروحا من الرمل في دروب السيل المضطرم وراء الأُفق!
ويحجون الى واشنطن لاستجداء رضاها عنهم كامراء لهذه الطائفة او ذاك العرق..
فيما يتجذر الإنسان العراقي بوطنه النازف ويتطلع الى الغد بعيون أخيه العراقي المُبتلي معه بالمحنة والمشارك معه في تفكيك المفخخات التي زرعها الطائفيون والعرقيون في جسد الوطن وحاضر ومستقبل الانسان..
ويرفع باعة المواقف السياسية المتجولون أنخاب الديمقراطية السائلة مع صقور الحرب ولصوص البترول..
ويلتزمون بأدب جم بالوصفة الإنقاذية التي دبجها لهم “حكماء” المشافي السياسية الأمريكية لمعاجة مضاعفات انفلونزا خنازير السلطة:
• جرعة “ديمقراطية” ساخنة بعد كل نوبة إستبداد بحق فقراء الوطن!
• جرعة “ديمقراطية” ساخنة بعد كل حملة نهب لثروات الشعب!
• جرعة “ديمقراطية” ساخنة بعد كل فخ إبتزاز للخصوم السياسيين!
• جرعة “ديمقراطية” ساخنة قبل كل تواطئ مع الطامعين بثروات الشعب وسيادة الوطن!
• جرعة “ديمقراطية” ساخنة عند كل جولة إذعان للاجنبي!
• جرعة “ديمقراطية” باردة قبل كل ترويج إعلامي لعدالة ونزاهة الفئة المستبدة الفاسدة!
لكنهم يغفلون أن هذه الحقبة الزمنية الحالية تشهد :
• تعفن دولة الطوائف والأعراق في العراق..
• تخلخل جبهة ـ صقور الحرب في واشنطن ـ من خلال اعتراف امريكا بفشل نهج الحرب على الإرهاب!
• تعمق تناقضات النظام العربي الحليف لأمريكا واهتزاز أركانه ( شيخوخة الأنظمة العربية وفقدانها لقدرة التعايش مع الحاضر )
• طفح قيح الأنظمة المستبدة في المنطقة المتسترة بالدين اوالطائفة اوالقومية.
• انفضاح بعض مستورها من ساحات الإعدام الى ساحات الإعلام!
• تفاقم التخلف والفساد في مجتمعنا نتيجة المحاصصة!
• تنامي الوعي لدى الفرد والمجتمع بمصالحهم كمواطنين حتى داخل اكثر الحركات الطائفية والعرقية تطرفا وتخلفا!
………….
في مقدمة روايته ” الحرب والسلم” يقول الروائي الروسي ديستويفسكي :
إذا كان لنا أن نقول شكرا للحرب فلأنها علمتنا معنى السلام!
ونحن نقول :
اذا كان لنا أن نقول شكرا للإحتلال فلأنه أجبر خصوم الديمقراطية ـ المتحاصصين ـ على اجتراعها ساخنة في أوج التخمة!