الرئيسية » شؤون كوردستانية » الهجرة القسرية للكورد السوفيت

الهجرة القسرية للكورد السوفيت

مرة أخرى نجد أنفسنا أمام أحد الكوارث التي ألمت بالإنسان الكوردي. هذه المرة ليست ضمن حدود كوردستان؛ إنما على بعد 6000 كم منها وفي دولة كازاخستان – تحديداً في جنوبها – في محافظة شمكينت الواقعة على حدود دولة اوزبكستان. تم الكشف عن هذه المقبرة الجماعية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. ذكرنا في بحوث سابقة عن الهجرات القسرية التي لحقت بأبناء الشعب الكوردي في دولة العمال والفلاحين الإنسانية؛ حيث كانت هناك ثلاث هجرات جرت على التوالي في الأعوام التالية: 1937 وهي الأولى – و في 1946 كانت الثانية والأخيرة يمكن اعتبارها اختيارية؛ حيث حدثت في 1989م.

ضمت هذه المقبرة المكتشفة حديثا رفات أبناء الهجرة القسرية الأولى. ودلت الأبحاث على أنها الأولى من نوعها في ظل النظام الشيوعي بحق المهجرين قسرا من الكورد آنذاك. كانت الدعاية الشيوعية وقتها توهمنا بتمتع القوميات المضطَهَدة بكامل حقوقها وأن النظام أي النظام الشيوعي هنا هو المثل الأعلى في هذا المجال. لكن، على ما يبدو، كان الشعب الكوردي مستثنى منه. لقد ذاق هذا الشعب كل أنواع الظلم والاضطهاد في معقل الشيوعية ذاتها. حيث هجر من أرضه وأبيد أبناءه وشتت من بقي حيا من بعد الإبادة. عندما نطلع على أوضاع الكرد أينما وجدوا نلمس أن ما قاله أرشاك عن الكرد لم يكن جذافا؛ حيث يقول: ” لا توجد قومية قد ظلمت مثلما ظلمت القومية الكردية في نهاية القرن التاسع عشر”.

من أين جاء الكورد إلى أسيا الوسطى؟
لماذا تقبرهم الدولة الشيوعية في مقبرة جماعية؟

كما ذكرت سابقاً في مقالتي عن كورد كازاخستان.
من المعروف أن جزءا من كردستان وقع ضمن الأراضي السوفيتية. هذا الجزء حُسِبَ على المناطق المسماة بالقفقاس؛ حيث تحده كل من أرمينيا وجورجيا وأذربيجان. وهو أراض تبلغ مساحتاها أكثر من خمسين ألف كليومتر مربع. فيما مضى اشتغل أهلها بالتجارة والزراعة ورعي المواشي، كما برز منهم العلماء والمفكرين والمربين، بمختصر الحديث كان الكورد في ذلك الجزء كأي شعب آخر من شعوب روسيا القيصرية.

بعد نجاح الثورة البلشفية في روسيا جرى تنظيم وترتيب آخر لشعوب الإمبراطورية ومن ضمنها كان النظر إلى وضع الشعب الكردي القاطن على أرضه هناك. فتم اقتراح مشروع الإعلان عن كردستان الحمراء في عهد لينين. وبالفعل بدأ بالمشروع وتم تعين المناطق التابعة لها، غير أنها ذهب ضحية الاتفاق الموقع بين جوزيف ستالين والحكومة الكمالية في تركيا. فبموجب تلك الاتفاقية تم القضاء بشكل تدريجي على كردستان الحمراء. لم يقف مفعول تلك الاتفاقية بسحب الاعتراف عنها فحسب، بل عملت على تهجير الكرد من أراضيهم قسرا، حتى يفقدوا حقهم الشرعي في ملكية تلك الأراضي. فحدث أن كانت أول هجرة قسرية في عام 1937م، وكانوا يطلقون على أبناء وأحفاد أولئك المهجرين وقتها بالمهجرين قسرا.

عندما نستمع إلى معاناتهم أثناء الهجرة نجدهم قد شحنوا في عربات القطارات المخصصة للمواشي، ولم يكن هناك تميز بينهم وبين المواشي المشحونة معهم من حيث التعامل. فكانوا هم والمواشي نزلاء في عربة واحدة، إن دل هذا على شيء؛ إنما يدل أن أولئك الكرد قد اعتبروا مواشي لا أكثر في ظل الستالينية. هجروا في فصل الشتاء؛ حيث الثلوج والصقيع القاتل، مات العديد منهم أثناء عملية الشحن. لم يكن معلوما للمشحنين إلى أين يُشحنون، والأمرّ من هذا أنهم لم يبلغوا عن موتاهم أثناء الشحن من أجل دفنهم، لكون السلطات الستالينية كانت ستلقى بجثثهم في الأنهار أو في العراء على الثلج لتكون غذاء للذئاب والوحوش، وهذا ما يخالف العقيدة الدينية والأعراف والتقاليد الكوردية. هذه الحالة النفسية التي رافقت المشحنين كانت أشد قسوة عليهم. يقولون: هل يملك المرء صوابه عندما يرى عزيزا عليه قد فارق الحياة أمام ناظريه ولا يستطيع دفنه بما يلق به، والأسوأ منه أن يرى جثته تتفسخ أمام ناظريه وتزكم رائحتها أنفه. يقولون هذا والدموع تنهمر من أعينهم وتتغير ألوان وجوههم. حقا إنها لمأساة لا يتصورها بني البشر.

بعد وصولهم إلى صحراء آسيا الوسطى، و تحديداً في بقعة أرض تدعى كاسكه بولاك، وفيما بعد سميت بقرية كاسكة بولاك، التي كانت خالية تماماً من البشر، يتذكرون ذلك بأنها كانت أرضا صحراوية مقفرة تغطيها الثلوج. بعد وصولنا بيوم جلبوا لنا بعضا من الخيم. فكانت كل خيمة لعشرة أشخاص لم تكن واقية ضد البرد. (تصوروا!) كان الأطفال والنساء يسكنون معا؛ بينما الرجال في خيم منفصلة، هكذا تفرقت العائلات وتحولت إلى مجموعات أطفال ونساء لوحدهم والرجال لوحدهمً. يروي لنا الأكاديمي نادير كريموفيتش ناديروف: كنت صغيراً آنذاك ولم أتجاوز الخمس سنوات فكنت اسكن مع والدتي في الخيمة ومع نساء وأطفال آخرين. عندما حل الربيع بنينا بعضا من البيوت من اللبن. بعدها بدأنا نشعر بدفء الحرارة وصار آثار الحزن والألم تتلاشى شيئا فشيئا عن ملامح وجهنا.

في إحدى ليالي شهر نيسان وصلت إلى تجمعنا السكني سيارات عسكرية فاختبأ رجالنا في الوديان خوفا منهم، غير أنهم أعلمونا بأن مجيئهم هو بأمر من القيادة في موسكو وسببه هو أخذ كل من بلغ الثامنة عشر وما فوق إلى الخامسة والستين من الرجال لتشغليهم في شتى الأعمال، فزغردت النساء وتهللنا نحن الأطفال بهذا النبأ السار مقلدين أمهاتنا. عندما بدأوا بفرز الرجال للعمل لاحظنا أنهم يضمون من هم أقل سنا من الثامنة عشر إلى المفرزين، ولكننا لم نتوقع أي شيء آنذاك، هكذا تم فرز ستين فردا وركّبوهم تلك السيارات ومضوا بهم، في حين كنا نستبشر بأن يعودوا إلينا بالمال بما يساعدنا في عيشنا هنا، حصل أنهم لم يعودوا إلى هذه اللحظة. هكذا يتمت حكومة العمال والفلاحين العائلات الكوردية المهجرة قسرا. فهذه الجريمة البشعة وصمة عار في جبين الشيوعية. تبين فيما بعد أن عدد الكرد الذين تم قتلهم أثناء تلك الهجرة قد تجاوز مائتي شخص.

المقابر الجماعية:

منذ انهيار الإمبراطورية الشيوعية نكتشف يوما بعد آخر المقابر الجماعية ونتفاجأ بجرائم أجرت بحق شعوبها لم تكن بالحسبان.

كان كل شعوب الإمبراطورية ملكا مشاعا للحزب الواحد ولقيادته في موسكو، تتصرف بهم كما تشاء دون رقيب أو حسيب. تبين بعد انهيار هذه القوة الباطشة بالإنسان أنها كانت تستهدف القوميات الصغرى بشكل خاص من أجل القضاء عليها.

لم تقتصر الإبادات الجماعية على الشعب الكوردي فحسب، بل تعدته إلى القوميات الصغيرة الأخرى أكثر من غيرها. ربما كان نصيب الكورد أكبر من غيرهم من القوميات، ولكن يبقى: أن الإبادة كانت مبرمجة من أجل محو وإزالة هذه القوميات من الوجود في دولة العمال والفلاحين.

كشف إعلام روسيا الفدرالية في الآونة الأخيرة عن تورط بعض القياديين السوفيت في أعمال التجسس والخيانة للدولة والحزب معا. على سبيل المثال لا الحصر بثت القناة الروسية (ORT) فيلما وثائقيا بتاريخ18/5/2009م عن تورط الرفيق بيريا الساعد الأيمن للرفيق جوزيف ستالين في عملية تجسس لصالح بريطانيا العظمى. وهذا غيض من فيض فيما يفاجئنا به ذلك الإعلام بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عن تلك الحقبة التي، على ما يبدو، كانت مظلمة بكل ما في الكلمة من معنى، على الأقل للقوميات الصغيرة كالشعب الكوردي مثالا لا حصرا. وفيما مضى إبان فترة البريسترويكا نشرت وسائل الإعلام وقتها عن عدد ضحايا حرب العالمية الثانية بأن الرقم المعلن عنه مبالغ فيه، لقد أضيف إليه عدد ضحايا الستالينية مستهدفا تخفيض عدد من لاقوا حتفهم على يد ستالين، لكي يبدو مقبولا في نظر الرأي العام العالمي والمحلي (حسب منشورات فترة بريسترويكا).

بمراجعة حالة وطبيعة القوميات الصغيرة نقع في حيرة ودهشة كبيرتين، حيث لم تكن هذه القوميات عدوانية أو معارضة للنظام أو قوية تهدد دولة العمال والفلاحين. كانت مسالمة مطيعة وملتزمة بما يصدر عن القيادة في موسكو، فالإبادة التي طالتهم من دون مبرر ما هي أسبابها وما الغاية منها، يبقى لغزا محيرا لنا. عندما نتساءل ما الفائدة من إبادتها في دولة وضعت القوانين فيها للحفاظ على القوميات مها صغرت. لا نجد جوابا شافيا، حين نسأل لصالح من كانت إزالتهم ضرورية، لا يسعنا الإجابة عليه أيضا.

حسب مصادر كورد السوفيت قبل الإبادة الجماعية للكرد كان عددهم يتجاوز المليون بكثير. أظهرت إحصائيات عام 1979م أن عدد الكرد في جميع أنحاء الاتحاد السوفيتي بلغ مائة وستة عشر ألف شخص.
قارنوا بين العددين تجدون أن عدد الكورد قد انخفض بما يزيد عن مليون شخص والباقي يبدو رقما قزما أمام السابق. أين ذهب المليون؟ أين رفاتهم؟ كيف أبيدوا؟ لماذا أبيدوا؟ لصالح من كانت إبادتهم بهذا الكم الهائل؟ لماذا يباد الكورد في هذه الدول؟ هل عارض أولئك الكرد الرفيق جوزيف ستالين حتى يخفض عددهم ما فوق مليون إلى مائة ألف ونيف؟ إنها مسألة بحاجة إلى البحث والتمحيص. فإبادة الكورد في هذه الدول، لاسيما في الاتحاد السوفيتي مسألة جديرة بالاهتمام والبحث في دقائقها وتفاصيلها.

كيف اكتشفت المقبرة الجماعية في كازاخستان؟
دعت الحاجة عام 1964م إلى بناء مجمع سكني على أرض تلك المقبرة والتي كانت عبارة عن حديقة عادية لا يدري عنها الناس شيئا. أثناء البدء بالحفر ظهرت رفات بشرية؛ مما دعا العمال إلى وقف العمل؛ حيث تبين أنها مقبرة جماعية غير معلن عنها. بعد إعلام القيادة السوفيتية في موسكو بالنبأ تم وقف البناء وأعيدت إلى سابق وضعها كحديقة. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي تم نبش الحديقة فوجدت أن عدد الضحايا يتجاوز المئات، فقررت إدارة المدينة بناء متحف في الحديقة وإقامة تمثال معبر للضحايا؛ وذلك تخليدا لذكراهم. ثبت أن عدد ضحايا الكورد في تلك المقبرة يبلغ حوالي خمس وعشرين ضحية.

شيء عن حديقة الأطفال كين باباي
يرتاد اليوم هذا المتحف والمقبرة الجماعية (الحديقة) بالمئات. فأصبحت الآن معلما من معالم المدينة. تدعى هذه الحديقة اليوم بحديقة كين باباي وكان إنشاؤها إثر اكتشاف الرفات وخصصت مؤخرا للأطفال. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أقيم نصبا تذكاريا للضحايا؛ وذلك عام 1996م وفي عام 2003م تم بناء المتحف فيها. هذه الحديقة التي يرتادها الزائر والقاطن على حد سواء للاطلاع على جرائم الأممية البلشفية، وبشكل خاص الأطفال لكي يتذكروا في المستقبل عما قامت به الستالينية بحق الإنسان والإنسانية؛ حتى يرسخوا في ذاكرتهم وينموا في نفوسهم وهم صغار كره القتل وإراقة الدماء.

أسئلة محيرة
أنا شخصيا أرى أن تقليص عدد الكورد من رقم يزيد عن مليون ونيف إلى مائة ألف ونيف في دولة نادت على مر عقود من الزمن بمساواة الإنسان وحقوق القوميات وبالأممية جديرة بالاهتمام من قبل جميع الكورد وأينما كانوا. إذا أهملنا هذا دون البحث في أسبابه والتدقيق في حيثياته لأخذ الحيطة في المستقبل كضمان للأجيال القادمة، سنكون قد أدرنا ظهرنا للعدو في جبهة القتال.

هذه الإبادة بالذات لها مدلول غير مدلول الإبادات في تركيا الكمالية ولا في عراق صدام ولا في إيران الشاه والخميني. فهذه الدولة الأممية قد أبادت ما يزيد عن مليون كوردي لا يدع مجالا للشك أن في الأمر شيء مهم يستوجب اكتشافه ومعرفة دواعيه.

عندما نُقتل على يد الكماليين نعلم أنهم يريدون بذلك زيادة رقعة أرضهم لصالح بني جنسهم؛ وكذلك العربي والفارسي؛ بينما ما هي مصلحة إمبراطورية متعددة القوميات والأعراق والأجناس في قتل كورد هم كغيرهم من القوميات المنضوية تحت لوائها.

فالأسئلة المطروحة في هذه الحالة: لمصلحة من نُقتل بهذا العدد الهائل؟ لماذا يُقتل الكورد ويُباد من دون أن يكون لديهم مطمع في السلطة أو عداء ضد أيديولوجية معينة في دولة الأممية؟ لم يكن الكورد على في ذلك المستوى حتى يكونوا أداة بيد الدول المجاروة لاستخدامهم في هدم الأممية؟ كان الجوار ممن اقتسم أرض الكورد. كما لا يتبادر إلى الذهن أن تخدم دولة الأممية مآرب مقتسمي كوردستان لإبادة الكورد؛ حيث تلك الدول كانت في المعسكر المعادي للأممية ودرع الغرب الرأسمالي لمنع انتقال العدوى إلى أصدقائه ومن ثم إليه.

لا أحب أن أطيل الحديث وأكثر من الأسئلة وهي كثيرة تتلاطم أمواجها في مخيلتي؛ وإنما أدعو الجميع إلى التمعن والتفكير فيما أصابنا في هذا الجزء من أرضنا والذي ضاع من دون رجعة.

الدكتور محمد أحمد برازي
كازاخستان –ألمأتأ