الرئيسية » مقالات » الحوثيون خونة ام ضحايا ام مجرد ظاهرة؟

الحوثيون خونة ام ضحايا ام مجرد ظاهرة؟

باقات القات توضع جانبا، وجمال الطبيعة في شمال اليمن يختنق بدخان البنادق، الا ان الازمة اكبر من ذلك بكثير، وما يجري هناك ليس مجرد صراع طائفي. بل هو نتاج خلل تاريخي ومرحلة انتقالية يمر بها العالم العربي تنذر بانهيار منظومة القيم (اجتماعية ودينية) السائدة لاكثر من 14 قرنا، وما يزال نقدها الى اليوم يعد من المحرمات.
الحوثيون وغيرهم من الاقليات الطائفية والعرقية والقبلية التي يزخر بها العالم العربي اكتشفت الظلم الذي تعيشه، بعد ان تعرفت على مستوى الحريات الدينية والثقافية للاقليات المماثلة التي تعيش في الغرب.
وفي المقابل فان الحكومات العربية غير مؤهلة بعد لاحترام هذه الحريات والخصوصيات وتعتبر الاحادية الموروثة من عهد بداوة ما قبل الاسلام احدى ابرز مقدساتها، والتنوع الاثني والطائفي يعتبر نقطة ضعف في المجتمع.
فما الذي يجري؟ اقليات مستعدة لرفع السلاح للمطالبة بحقوق تعتقد انها حق مقدس للانسان في القرن الواحد والعشرين، مقابلها حكومات لا تتوانى عن استخدام كل طاقاتها الحربية من مدفعية وطيران وتعئبة عامة لضرب المسحلين.
والحوثيون (غلاة الزيديين الذي يشكلون حوالي ثلث سكان اليمن الـ 23 مليون) ليسوا وحدهم، فقد بدأت مطاليب الاقليات تجتاح كل الدول العربية تقريبا، وبرزت الصراعات على اشكال مختلفة، بعضها حرب تمرد كما في السودان (الجنوب، دارفور)، او موجات شد طائفي كما في العراق، مصر، او صراع ثقافات (موريتانيا، الجزائر..)، بالاضافة الى الشد القبلي والمناطقي الذي يوشك على الانفجار، ولن تكون السعودية وسوريا والمغرب في مأمن منه.
والمشكلة تزداد تعقيدا بمرور الايام، فالاقتصاد الرأسمالي الذي قطعا شوطا في التطور في الكثير من بقاع الارض، ومنها مناطق مجاورة جدا للعالم العربي، قد اوجد منظومة قيم جديدة تعتمد على احترام حقوق الانسان، وتجرم التمييز مهما كان اساسه كاللون والثقافة والجنس، وتعطي قداسة لم تكن مستساغة للفرد.
والنظام الرأسمالي في مراحله المتطورة هذه بحاجة الى دولة المواطنة، التي يتمتع فيها الفرد بكيانه المقدس ليكون قادرا على الاستهلاك، وليستطيع رأس المال امتصاص اقصى ما يمكن واستغلال اخر قطرة ريع، حتى ان حقوق الانسان تكتسب كل هذه الاهمية لجدواها الاقتصادية اكثر منها لقيمتها الانسانية المجردة.
والحال هذه فان رأس المال زاحف الى العالم العربي، الذي يعتبر سوقا بكرا لم تكتشف بعد، ومعمل تصنيع للمنتجات المكلفة بشريا، فان دولة المواطنة واحترام حقوق الانسان وعدم التمييز بين الاثنيات والمذاهب والقبائل التي يتشكل منها نسيج المجتمع العربي هو حاجة اقتصادية ملحة فضلا عن كونها سمة من سمات التطور الحضاري الانساني الطابع.
الا ان العالم العربي يواجه صعوبات كبيرة في التأقلم مع ثقافة القرن الواحد والعشرين لاسباب ثلاثة.
اولها الخزين الثقافي الهائل التي يحتفض به التاريخ العربي ويعتبر السمة الاولى من سمات الهوية العربية المميزة، كالشعر والقصص والملاحم التي ماتزال تمثل سقف التظور الحضاري العربي، وكل هذا الخزين بدوي المنشأ، يدعو لصهر الفرد في مصلحة القبيلة ويحارب التنوع على اساس انه ضعف ويقدس قيمة الاحادية في الانتماء مما يتعارض اساسا مع احترام الخصوصيات المذهبية والقومية.
وثانيهما الدين، والاسلام يلتزم بالنصوص، بحرفية حادة، لا تتيح المجال للمناورة والتأقلم مع المستجدات، وقد يعتبره البعض جزء من الموروث الثقافي الذي يعتبر الاستغناء عنه هو التخلي عن الهوية.
وثالث الاسباب هو التخلف الاقتصادي، وعدم مواكبة المرحلة الرأسمالية المتطورة، فالكثير من المناطق لم تتحرر بعد من سطلة الاقطاع التي اصبحت جزءا من التاريخ في اوربا.
فهل تستطيع الاقليات كسر كل هذه الحواجز، وان تطلب الامر بالسلاح، والمعونات من العالم المتطور الذي يهمه امر تسريع وتيرة النمو في البلدان العربية؟
ام تستطيع الانظمة ان تبني اسوارا حول مجتمعاتها لصيانة الهوية، والنظام السائد الذي يتيح لها البقاء في السلطة، مقابل كل هذا التطور التكنولوجي الذي بات يوصل المعلومة الى اقصى قرية عن طريق الستلايت والانترنيت؟
ام هل ستبرز حركات تورية تقود المجتمعات العربية الى المرحلة الجديدة؟ وهذا يتطلب درجة من الوعي والنضح الاجتماعي؟
ان لم يحصل هذا فان المزيد من “الفتن” ستندلع بالتدريج، على شاكلة الحركة الحوثية، وربما سينتهي هذا المخاض التاريخي بولادة عالم عربي جديد ابعد ما يكون عن العروبة.