الرئيسية » مقالات » ديمقراطية الخورمژ !

ديمقراطية الخورمژ !

ليس أغرب من الديمقراطية في بلادنا ـ عزيزي القاريء ـ فهي ديمقراطية “خورمژ”!، اما ما هو هذا الخورمژ ـ بالزاء المعجمة ـ فصبرك عليّ وساقولها لك، بعد ان أحكي لك عن تلك العجوز العراقية التي سألوها عن رأيها بأهمية الديمقراطية من بعد سقوط الصنم ، فسألت ـ المسكينة ـ بدورها : “وما هي الديمقراطية؟” ، فقالوا لها: “يعني ان يكون عندك رئيس جمهورية ورئيس وزراء ومجلس نواب كل اربع سنوات ” ، قالت ـ العجوزـ وبكل براءة : “والله ولا احسن منها ، لكن لو يجعلوها كل سنتين حتى الناس تحوسم وتفرهد وتستفيد “!. هذه طبعا نكتة ـ عزيزي القاريء ـ ولكنها تعبر عن اشياء عديدة، ومنها واقع الفساد الذي غرق فيه عراقنا بسبب من ديمقراطية الخورمژ التي يعيش ابناء شعبنا في ظلها ويتلقى نتائجها الكارثية!
كان يقال لنا ان سبب تلكؤ عمل مجلس النواب العراقي بسبب رئيسه ، فتغيّر الرجل ، لكن الامور ظلت على حالها، وظل مجلس النواب مكانا مثاليا للخلاف ـ وليس الأختلاف ! ـ والصراع الحزبي والطائفي والاثني والمناكدة وفتل الشوارب ومناورات كسر العظم ، كل ذلك ـ عزيزي القاريء ـ يحدث بأسم الشعب ولكن واقع الامر بعيدا عن هموم ابناء شعبنا الحقيقية وحاجاتهم ومتطلباتهم الضرورية. لم تكن جلسات مجلس نوابنا الديمقراطي ناجحة ومميزة وحاسمة وسريعة إلا عند التصويت على القرارات التي تهم مصالح وامتيازات النواب الخورمژ ، الذين رواتبهم لا تشبه رواتب اي نائب ديمقراطي في العالم ، هذا من غير التكاليف المدفوعة من مال الشعب للنواب الافاضل في مواسم الحج المتكررة وزيارة عوائلهم خارج العراق ورحلات الترويح عن النفس بسبب جهد العمل !! ومن انجازات مجلس نوابنا الموقر كانت الجلسة الخاطفة والمتميزة التي بموجبها صار النواب وعوائلهم يحملون جوازات سفر دبلوماسية لمدة عشر سنوات!
في الدول المتحضرة التي تعيش الديمقراطية الحقيقية وتمارسها مثلما تنص عليها قوانين البلد ، تكون وسائل الاعلام سلطة رابعة حقيقية تملك امكانيات الرقابة للاطاحة بأي مسؤول ـ مهما كبر ! ـ اذا خرق قوانين البلاد ، وفيما اذا ثبت استغلاله لموقعه الرسمي لغايات شخصية ، وفي عراقنا بحت اصوات اعلاميينا من الصراخ والتلويح بقصص الفساد “الديمقراطي” ، فلم يتلق البعض منهم جواباً سوى السباب والشتائم ، وتلقى البعض الاخر الإهانات مصحوبة بالضرب بأعقاب البنادق ومنهم من تلقى التهديد بالقتل .
المتفائلون يقولون : “اصبروا علينا ، نحن بلد ورث تركة ثقيلة من نظام ديكتاتوري فاسد”، وهذه ـ عزيزي القاريء ـ حفظناها وفهمناها جيدا، فنحن نعرف بأننا بلد عشنا بدون تقاليد ديمقراطية من عقود طويلة ، فلم نعرف سوى مجالس قيادة الثورات التي راح يأكل بعضها البعض وبالتالي اكلت الرخاء والسلام في بلدنا وما تبقى من بوادر ثوابت حضارية ظهرت مع نشوء الدولة العراقية . نحن الان نعيش في ظل مرحلة عدم احترام الثوابت والقوانين من قبل ممثلي الشعب انفسهم ، ولا يعني ما نقوله ان نواب الشعب لا يعرفون ما هي الديمقراطية ، استغفر الله انهم يعرفوها جيدا ويفهموها بشكل ممتاز لانهم ـ وبأمتيازـ نواب الخورمژ ، وخورمژ ـ عزيزي القاريء ـ هي كلمة كردية ، لشيء لا وجود له في الطبيعة ، اشتقها المواطن الكردي للأستخفاف بمن يركبه الطمع ويريد ان يستحوذ بأنانية على كل شيء حلو ، وهي مركبة من كلمة “خورما” الكردية وتعني التمر وكلمة “مێوژ” الكردية وتعني زبيب، فنوابنا يطلبون الخورمژ، ويتقاتلون ويستأسدون لاجله بمختلف السبل والوسائل، ولكن ليس لاجل الشعب الذي صوت لهم وجاء بهم الى قبة البرلمان ، والمطلوب منه اعادة انتخابهم من جديد ، بل لاجل مصالحهم الشخصية وامتيازاتهم أولا وتاليا !، وعلينا ان نذكر ان نوابنا المحترمين ينسون ان الخورمژ الذي يطلبونه ، والذي يستحيل وجوده ، هو عند الناس من جانب اخر يعني الفشل في نهاية المطاف ، أي انهم سيخرجون من المولد بلا زبيب وبلا تمر وبلا خورمژ !
وسنلتقي !

* عن المدى البغدادية العدد (1665) الخميس 26/11/2009 ــ صفحة أراء وافكار