الرئيسية » مقالات » انتخابات عام 2010 واعادة انتاج الطائفية السياسية في العراق

انتخابات عام 2010 واعادة انتاج الطائفية السياسية في العراق

الانتخابات عملية كبيرة تبدأ بخطوة،وتتبعها خطوات مترابطة نحو هدف كبير يتلخص في احترام ارادة الناخب،وتوفير الثقة بالنتائج!ولا تختزل القضية الديمقراطية بالاعمال الانتخابية.فالديمقراطية هي ثقافة التداول السلمي للسلطة،والاعتراف بالآخر ونبذ الاقصاء والتهميش،وضمان حقوق الانسان،والحريات الفردية والعامة،واستقلالية القضاء.والانتخابات الديمقراطية تشترطها تواجد قانون عصري للاحزاب ولمنظمات المجتمع المدني،توفر قانون للصحافة والاعلام،عدم التدخل الحكومي في العمل النقابي المهني،تحريم اشتراك القوى الطائفية والتي تمتلك الميليشيات ولها ارتباطات اقليمية ودولية،مشاركة ممثلي الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني في الرقابة على سير وسلامة الانتخابات،وكذلك الاشراف الدولي من قبل المنظمات المختصة التابعة للامم المتحدة.
• العمليات الانتخابية
الديمقراطية ليست نظاما جاهزا،بل تعبير عن صراع بين قوى اجتماعية ذات مصالح طبقية مختلفة وتوجهات فكرية متباينة.هكذا يتفاقم الصراع الذي يتمحور حول امتيازات السلطة والثروة،وشكل ومحتوى الدولة الجديدة،ووجهة مستقبل البلاد وتطورها الاجتماعي.بهذا المعنى فان اية عملية انتخابية تكون تجسيدا حقيقيا لهذا الصراع،في ظل تعاظم السخط الشعبي الناجم عن استعصاء الأزمات.والانتخابات الحرة هي احدى الصيغ الديمقراطية التي تتبعها المجتمعات المتمدنة والمتحضرة في العالم،انها ممارسة ديمقراطية تعبر عن حرية الفرد والمجتمع،وخاضعة اصلا لموازنات السياسة والاجتماع والاقتصاد والحراك الطبقي في بلادنا!الانتخابات هي ممارسة ديمقراطية وليست هي الديمقراطية نفسها،وكلما كانت نزيهة وحرة وشفافة تعكس مدى التطور والتقدم وارتفاع الوعي الوطني عند هذا الشعب الذي مارسها وتعكس درجة الديمقراطية التي يتعاطاها ويتمسك بها ابناء هذا البلد.
العمليات الانتخابية التي جرت لحد الآن ومنذ التاسع من نيسان لم تكن سوى استفتاءات محسومة النتائج لصالح تغطية الادعاءات الديمقراطية!لصالح من يريد للاغلبية الصامتة في بلادنا ان تبقى صامتة!وباتجاه تمرير حزمة من الاتفاقات والقرارات الاستراتيجية البعيدة المدى المتعلقة بان يكون العراق او لا يكون!..لماذا؟!..لان العمليات الانتخابية التنافسية،لم تجر وفق برامج انتخابية واضحة المعالم للقوائم المشاركة،بقدر ما اعتمدت على القدرات والامكانيات الخاصة،ومقدار ما تمتلكه قوى تلك القوائم من مصادر نفوذ وهيمنة على الشارع العراقي،وبالذات مراكز النفوذ الحكومية،والعشائرية،والدينية الطائفية والمليشياوية،على قاعدة من عدم تبلور المكون الاجتماعي للطبقات والشرائح الاجتماعية،والضعف الظاهر لمنظماتها المدنية والمهنية والنقابية..!
• المال السياسي والسخظ الشعبي
بالمحاصصة والمال السياسي والدعم الاميركي والاقليمي والمناصب الحكومية واعلام الدولة،تتشبث القوى السياسية المتنفذة بالسلطات القائمة،غير آبهة للسخط الواسع المنتشر بين الناس بسبب الأزمات المتفاقمة وضعف الأمن وتراجع الخدمات واتساع مديات الفقر والبطالة.وهي بذلك لا تستهدف خلط الاوراق واضعاف صوت المدافعين عن قضايا الناس وحاجاتهم وهمومهم والتستر على اخطاء الحكام وطريقة ادارتهم للبلاد فحسب،بل تمهد الطريق للانقلاب على الديمقراطية الناشئة وخنقها ونحرها ووأدها لانها مصدر قلق جدي لها قد تسحب البساط من تحتها متى نضجت الظروف السياسية والاجتمااقتصادية المؤاتية!وباستغلال المناصب الحكومية يجري القبول بتسطيح المواطن وتضليله وتحويله الى انسان نفعي وجسرا يمر عليه اصحاب الاهداف الانانية،مزوري ومفسدي الاخلاق والقوانين.ومع الشعارات العامة التي تصلح لكل زمان ومكان،يمر المرشحون الاشباح،هم ووثائقهم المزورة،تحت عبارة”الاقوياء الامناء”في فترة سبات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات.وتثير السلوكيات المقززة للقوى السياسية المتنفذة استدرار ولاء الناخبين واصواتهم غضب المواطنين وحنقهم واشمئزازهم من هذا الاستغفال للوعي الشعبي الذي يراد له ان يصدق هذه الاكاذيب والخداع الذي يظهر في المواسم الانتخابية عادة.
القوائم المتنفذة تدعو الى اقامة نظام اجتماعي وسياسي ديمقراطي عادل،ولكن لا احد منها،باستطاعته ان يخبرنا،كيف يمكن اقامة مثل هذا النظام،لان المصيبة لا احد منها،يعلم كيف ذلك!بالتدين ونشر الخرافات والبدع والتهريج واشاعة النواح وزرع القنوط في سلسلة العطل الدينية والشعائر الرديفة المتواصلة طيلة ايام السنة يمكن لها الولوج باقصر الطرق الى قلوب الرّعاع!بالفساد واللصوصية والرشاوي وانتهاك الحقوق والاعلام التضليلي يجري استغلال واستحمار الرعاع،ويسمن تجار البازار ورجال الدين،وتلجأ النخب السياسية المتنفذة الى استغلال تسييس الدين ومشاعر الانتماء الطائفي والقومي وعوز الناس ومآسيهم،لاستغلال الرعاع المستعدين للانقياد جراء التضليل والرشوة والترغيب.
• قانون انتخابي مجحف
وهاهي القوى السياسية المتنفذة تستغل مبدأ التوافق والحرص على العملية السياسية والتحذيرات من مخاطر الأزمة والتلويح بعودة البعثيين وقضايا كركوك والمهاجرين والتصريحات التي يدلون بها،لاغراض تمويه الصفقات المشبوهة وتمريرها،مثلما حصل مع قانون تعديل قانون انتخابات مجلس النواب المرقم 16 في 8/11/2009 والنقض في جلسة البرلمان يوم 19/11/2009،تعديلات مجحفة”المواد اولا وثالثا وخامسا”تتناقض مع مفهوم توسيع نطاق المشاركة والتمثيل،وفي مقدمتها قضية الاصوات الضائعة والمقاعد التعويضية وتمثيل المهجرين والمهاجرين،ولا تنسجم مع وضع ضوابط تضمن عدم وصول افراد غير مؤمنين بالديمقراطية الى البرلمان،ومنع الممارسة الدكتاتورية في ظل الديمقراطية البرلمانية”وهو امر محتمل الحدوث بعد انتخابات عام 2010″!
لقد ماطل مجلس النواب ومارس التسويف في التعامل مع قانون انتخابات مجلس النواب بهدف مواصلة العمل بصيغة القانون الحالي بكل سلبياته ونواقصه،لأنه يؤمن للكتل الكبيرة مكاسب انتخابية جلية،ويمدها بما يمكنها من استمرار هيمنتها وسطوتها على مجلس النواب،غير مكترثة بما تسببه ذلك من صعوبات وتعقيدات للعملية السياسية وارسائها على اسس سليمة والانطلاق بها نحو اقامة المؤسسات الديمقراطية.رافق ذلك تسويف ومماطلة وتلكؤ في اعداد مشروع قانون ديمقراطي عصري للاحزاب،يؤسس لعملها ودورها ويحول دون هيمنة السلطة عليها ويؤمن لها حرية النشاط السياسي السلمي ويرسي الحياة الحزبية وتعددها على اسس سليمة دستورية.
قانون انتخابات مجلس النواب بصيغته الراهنة،يعيد انتاج الطائفية السياسية،بما يتعارض مع مباديء الدستور الذي اقر بمساواة العراقيين بغض النظر عن آرائهم الفكرية والسياسية ومنحدراتهم الاجتماعية والطائفية والدينية والقومية،ويكرس مبدأ الغنيمة السياسية.ففي انتخابات مجالس المحافظات اوائل عام 2009 سرقت القوائم الفائزة مليونين وربع المليون صوت،اي اصوات قوة معارضة هائلة لا يستهان بها،وستتكرر السرقة في الانتخابات القادمة لمجلس النواب العراقي مع سبق الاصرار،وسط تضليل بائس يمارس بحق الشعب العراقي،لايصال من هم غير مؤهلين للوصول الى قبة البرلمان،يتحكمون بمصيره ومستقبله ومستقبل البلاد الجريحة.هل من المعقول ان يصوت ناخب لكيان سياسي معين ويذهب صوته في النهاية الى كيان آخر لم يصوت له وتحت غطاء قانوني؟
• الفساد الانتخابي ومقاولو الاصوات
يبدو ان الفساد الانتخابي،حاله حال كل اشكال الفساد،يتحول من ظاهرة الى نظام وطريقة للحياة في بلادنا،وآلية عمل سائدة.وهو يمتلك ثقافته التي تمنح التهور صفة الشجاعة واللؤم صفة الحصافة،وتزور كل المفاهيم والقيم وتعطيها معان جديدة فارغة،وتفرغ المصطلحات من كل مفهوم!ومع الفساد يلطم صاحب الحق على فمه كي لا ينطق بكلمة حق!ويهان ويحتقر العالم والمفكر،ويجل اصحاب المال ورجال الاعمال والتجار والمقاولون،ويتحول السارق والمختلس الى سبع وشاطر،ولا يجر الخجل من السلوك الخاطيء وممارسة كل فعل منحط بسبب كون الناس جميعا يفعلون هكذا!فساد في وضح النهار يثير الاستهجان والاستنكار،وهو اعتداء صارخ على جوهر الديمقراطية واغتصاب للاصوات،وشرعنة سرقة للقوائم الفائزة!
يتجسد الفساد الانتخابي بالانتهاكات الفاضحة وممارسة التهديد،اطلاق الوعود الكاذبة،واشاعة اجواء الخوف عبر اعمال القتل والاغتيال،وشراء الاصوات والولاءات بالمال السياسي والمال العام الذي يكون تأثيره عادة اقوى من آثام المذابح الطائفية،واخفاء مصادر التمويل،وتمزيق الملصقات والصور،وعدم حيادية وسائل اعلام الدولة واستخدام وسائل ومناصب الدولة ومؤسساتها،ومحاصرة”المنافسين”الآخرين بشتى الوسائل غير المشروعة،وقوانين الانتخابات الجائرة،وعدم تنظيم الحملات الانتخابية،وغياب قانون الاحزاب،وغياب البرامج المحلية،وتمرير المرشحين الاشباح،وفضيحة الشهادات المزورة،الاصرار على جعل المساجد والحسينيات منابر دعاية انتخابية.نعم،يقودون حملاتهم الانتخابية من مواقعهم الاولى في الدولة،ويقدمون المزايا والوعود لا لتحسين الوضع الاقتصادي لابناء شعبنا وتوفير الخدمات،وانما لشراء اصوات هذه العشيرة او تلك.طواقم اخرى من احزاب الاسلام السياسي توزع(البطانيات والموبايلات والدولارات والرشوات والامتيازات والتهديدات..الخ)لغرض شراء الاصوات الرخيصة مع الاستخفاف بكرامة الناس.ليست الوعود البراقة غير القابلة للتصديق،وشراء الاصوات،وعرض الوظائف،ورمي القسم،هي وحدها مثار استهزاء قطاعات واسعة من المواطنين وسخريتهم،بل ان الصرف الهائل على الحملات الانتخابية سواء بطبع مئات الآلاف من البوسترات،وتوزيع ملايين المنشورات،ونصب مئات الفلكسات والجداريات في اغلب الساحات والشوارع الداخلية للمحافظات وعلى طول الطرق الخارجية بين المحافظات من زاخو حتى الفاو،هي محط تساءل:من اين لهؤلاء السياسيين كل هذه الاموال؟يكفي ان نعتهم الناس بـ”النهابين”.ألم يتعظ المشرعون بما يرتكبوه من جرائم الفساد الانتخابية،وما حصل في انتخابات مجالس المحافظات بمصادرة مليونين وربع المليون،وألم يساهم التراجع في قانون الانتخابات وتضييق فسحة الديمقراطية الى احجام الناس من الذهاب الى مراكز الاقتراع؟
ويتجلى الفساد الانتخابي في ظاهرة مقاولي الاصوات وسماسرة الانتخابات التي برزت في انتخابات مجالس المحافظات الاخيرة،وبين هؤلاء من يتخصص بنقل الناخبين خلال فترة الدعاية والاقتراع بعد ان يتسلموا هبات مالية وهدايا عينية،وبعضهم اصحاب مضايف وملايات.وتصل عملية شراء اصوات الناخبين الى استغلال معاناة سكان الاحياء العشوائية عبر ايقاف تهديدهم بالترحيل ومساومتهم بوعود ضمان امتلاكهم اماكن سكن قانونية.ويقوم مقاولو الملصقات الذين ينشطون في فترة الدعاية الانتخابية بتشغيل الآلاف من ضحايا البطالة،ويؤدي هؤلاء الشباب المعوزون مهمة وضع الملصقات على جدران البنايات والحواجز الاسمنتية،او تمزيق ملصقات الخصوم السياسيين.ولا تجد القوى المتنفذة المتنافسة امامها سوى منهجية شراء الأصوات بالصفقات المباشرة وعبر المقاولين.
• انتعاش السم الطائفي من جديد
تتجسد اعادة انتاج الطائفية السياسية اليوم في جعل العراق عدة دوائر انتخابية،اي تجزئة العراق الى مناطق منعزلة ومنفصلة عن بعضها البعض،وتتعمق جذورها في كل منطقة انتخابية!وسينتج عن المقاطعات الانتخابية صراع عنيف بين المناطق اسوأ من الصراعات الطائفية.القوى السياسية المتنفذة تخطط لصراع طائفي ومناطقي طويل الامد بتصرفاتها الحمقاء غير المدروسة،بعد ان رهنت نفسها للطائفية السياسية والمصالح الضيقة وجهدت الى جعل الصراع يدور حول الكراسي والنفوذ والهيمنة وحسب!بالطبع ليس هناك من فرق بين القائمة المغلقة والقائمة المفتوحة،والدائرة الانتخابية الواحدة والدوائر الانتخابية،اذا كانت القائمة طائفية في جوهرها.ولا يعني حق الاختيار شيئا ان كان على الناخب ان ينتخب طائفيا دون آخر في اطار القائمة الواحدة
كيف يمكن مكافحة الطائفية السياسية والحكام يتزعمون احزاب سياسية قائمة على الطائفية السياسية،ليس في عضويتها اي عراقي منتسب الى دين او مذهب آخر،وائتلافات طائفية قديمة باسماء جديدة لتضليل المواطن؟وكل القيادات هي نفسها ويمكن تسميتها بالحرس القديم.كيف يمكن بناء المجتمع المدني الديمقراطي في العراق في ظل العشائرية وتنشيط العشائرية والأجواء العشائرية والدور المتزايد للمؤسسة الدينية؟كيف يمكن ممارسة الديمقراطية ودعوة الحكام الى الأخذ بالديمقراطية كأداة والابتعاد عنها كفلسفة؟كيف يمكن مكافحة الطائفية السياسية والدعوة الى التحالف مع قوى تتبنى الطائفية السياسية وولاية الفقيه علنا؟كيف يمكن ممارسة الديمقراطية في ظل التعاون الكثيف مع قوى البعث في الموصل،قوى قادت العراق الى الحضيض الذي عشنا فيه ولا يزال المجتمع لم يخرج من عواقبه،وبالضد من مصالح الشعبين العراقي والكردستاني؟كيف يمكن بناء المجتمع المدني الديمقراطي مع الخطب الانشائية الفضفاضة والتعامل الغير ودي مع المثقفين والعلماء والكفاءات العلمية والادباء والفنانين والتدخل السافر في شؤون النقابات والمؤسساتية المدنية؟!
هذه التساؤلات المشروعة يتبعها بالضرورة تساؤلات اخرى،متى يتم ضبط المال السياسي ويمنع التصرف بموارد الدولة ووسائلها في الحملات الانتخابية والتصرف بها وفق المصالح الانتخابية والحزبية،ومتى يكون المال العام للشأن العام؟متى يضمن الظهور المتكافئ للمتنافسين في وسائل الاعلام المملوكة للدولة؟متى يكون دور المؤسسات الأمنية دورا ايجابيا في العملية الانتخابية؟متى يفعل دور المؤسساتية المدنية لملاحقة تطبيق الوعود الانتخابية التي تطلقها القوائم المتنافسة،ومتى تنتهي فوضى سجل الناخبين؟متى يرى العراق مفوضية عليا مستقلة للانتخابات محايدة ومستقلة وتدين المزور دون وجل؟
تعتمد القوى الدينية على الأثر التاريخي المخزون في ذاكرة الطبقات المهشمة لتخاطبها وتجعلها تتوجه كما تريد هي،لا لانتشال ابناء هذه الطبقات بل استغلالهم في تحقيق مآربها ومصالحها.هذا ليس بمعزل عن الطائفية السياسية التي تعمل على تسسيس عفوية الجماهير بأي ثمن!غارقة في أوهام اساليب الجبر والقسر والتعسف مما يخلق التربة الخصبة لانتعاش الاصوليات الدينية والسلفية وجماعات التكفير والعنصرية!اعادة انتاج الطائفية السياسية كشف للمستور ووباء خطير يسمم الحياة السياسية ويتناقض مع الديمقراطية،ليقزم معنى الانتخابات ومدلولاتها ويحجم مبدأ المواطنة والمساواة بين المواطنين ويضر ببناء الوحدة الوطنية.
• النقض الرئاسي صحوة متأخرة
ومع ان نقض نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي لقانون الانتخابات عكس صحوة متأخرة لجهة رفع نسبة المقاعد الوطنية التعويضية والدعوة الى توزيع المقاعد المتبقية باعتماد طريقة الباقي الاقوى،الا ان مقررات جلسة البرلمان يوم 19/11/2009 كانت مخيبة للآمال بل ونكسة جديدة،لانها لم ترجع الى القانون الساري المفعول قبل تعديله،خصوصا جعله العراق دوائر انتخابية وليس دائرة واحدة.
مجلس النواب تسوده مظاهر التوتر السياسي داخله،ولم يوفق حتى اليوم لا في تثبيت دوره الرقابي كأعلى مجلس تشريعي في البلاد فحسب بل جرى على اجتراح النكسات تلو الاخرى،وهو بحاجة الى الصحوة السياسية لتفعيل دوره واعادة الهيبة للمجلس.وبات جليا للقاصي والداني ان المجلس مرتهن لكرادلته،ولا يتوقع منه اداء وانجازا اسرع واكبر،وسيبقى يأكل مايفت له زعماء كتله،ومسألة تمثيله للناخبين وممارسة صلاحياته موضع مساءلة وشك مادام مكبلا،ومالم يسعى الى فك رهنه.انعقد او انفض المجلس،الامر سيان،فالانظار والاسماع ترنو وتصغي الى اهل الحل والربط،الى توافق الزعماء الذين اختزلوا سلطة الشعب باربع او ثماني كتل،فاجتماعاتهم هي الاهم والاجدى من اجتماعات نواب الشعب.
العملية السياسية باتت محكومة بجدولها الزمني واسيرة له اكثر من كونها محكومة بالمعايير الديمقراطية التي بات من السهل انتهاكها والخروج عليها بسبب عدم وجود اطراف سياسية قادرة على حماية هذه المعايير والتأكد من سلامة تطبيقها من قبل ممثلي الشعب في مجلس النواب.شهوة السلطة والمال وفق مقولة صدام حسين”جئنا لنبقى”كانت اقوى من اي رادع وطني او وازع اخلاقي يمنع القوى السياسية المتنفذة من الاستحواذ على الاصوات التي رفضت مشروعهم،مما يتعارض مع اهم مبدأ من مبادئ الديمقراطية وهو مبدأ تداول السلطة.لقد استطاعت القوى المتنفذة على مدى سنوات حكمها ان تؤسس لها مواقع لا تستطيع التخلي عنها بسهولة،لما قام به كل هؤلاء من خروقات قانونية ومالية واشتراك كامل في الاعمال الارهابية،تؤدي بهم في حال انكشاف امرهم الى المثول امام العدالة،وأسسوا لامبراطوريات من الفساد والرذيلة،يتستر بعضهم على بعض،بحجة ضرورة استمرار العملية السياسية وعدم التراجع الى الخلف.
ضعف وتراجع الكتل المهيمنة على السلطة اليوم يعود بسبب فقدانها لمصداقيتها،ولم تفي بوعودها لابناء الشعب الذين صوتوا لها،وافتقادها للأهداف والبرامج والمشاريع الواضحة،بعد ان عرضت البلاد الى الكوارث السياسية المتلاحقة وتقاعست في حماية المواطنين ولم تكشف عن الجرائم الكبرى المرتكبة بحق الشعب ولم تقبض على مرتكبيها!كما تتفاقم الازمة الاجتمااقتصادية وتنحسر الخدمات العامة بأنواعها،وتتوسع مديات الفقر والبطالة ونقص الوقود والطاقة والفساد المالي والأداري ومصادرة الحقوق والحريات وعدم ضمانها..الخ.
كانت نسبة المشاركة في انتخابات مجالس المحافظات 39%،وستكون اقل من ذلك بكثير في الانتخابات البرلمانية القادمة بسبب السياسات الرعناء لما اصطلح عليه”الكتل الكبيرة”التي تستغل بساطة وطيبة ابناء الشعب،واهتزاز ثقة الناس بالحكومة والبرلمان والقوى السياسية.لقد حفلت الحملات الأنتخابية لمجالس المحافظات بأساليب قل نظيرها في مجال شراء الأصوات عبر توزيع العطايا العينية في مناطق يشكو اهلها من العوز والفقر والأهمال في تقديم ابسط مستلزمات الخدمات لها،واصبح موضوع هذه العطايا مادة للسخرية والتندر من تلك القوائم التي عجزت عن اقناع ناخبيها ببرامج ووعود انتخابية قابلة للتنفيذ عند الفوز.وتريد الكتل الكبيرة للملايين من ضحايا الامتيازات ان يسيروا معصوبي الاعين نحو صناديق الاقتراع،قطعانا ترقص على انغام كرنفالات السلطة وحبل سيركها،بينما يستمتع سدنة الامتيازات بمشاهد السيرك غير مبالين بمن سيسقط من الحبل مادامت الامتيازات مضمونة مصانة.وفي سياق هذا التدجين،يريد البعض مصافحة اليد المصابة بالجذام،يد البعث الصدامي الفاشي.
ان نزعة الاستبداد والرغبة بالسيطرة وتهميش الآخر وتجاوز ارادة الناخبين،لم تقف عند تشريع الاستحواذ على المقاعد الشاغرة في المحافظات،بل تعدت ذلك الى المقاعد التعويضية على المستوى الوطني،ولم تكتف بالانتهاكات والمخالفات الانتخابية وتقنيات التزوير والتضييق على الناخب وتزييف ارادته.المصلحة الوطنية العليا للبلاد تقتضي عدم الاندفاع وراء الاعتبارات الضيقة والمكاسب الآنية على حساب المسعى الحقيقي لبناء الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية كاملة السيادة والسير على طريق البناء والاعمار وتحقيق التنمية الاقتصادية – الاجتماعية المنشودة وترسيخ الممارسة الديمقراطية.كل ذلك يستلزم تبني قانون انتخابات عصري وحضاري وديمقراطي يقوم على تبني النظام النسبي والقائمة المفتوحة،وجعل العراق دائرة انتخابية واحدة تحقيقا لمصلحة الجميع وضمان لها،اي احترام صوت المواطن من اجل المشاركة وضد التهميش وشرعنة الاقصاء،ورفع الحيف عن الاصوات التي يتم الاستحواذ عليها بقوة القانون.كما يستلزم تثبيت العمل في كوتا تمثيل النساء بنسبة 25%على الاقل،ومراعاة تمثيل “الاقليات”بنســب معقولة وتثبيت عمر الناخب ب 18 عاما،وســن الترشيح لمجلس النواب ب 25 عاما!الى جانب اقرار قانون عصـري ينظم اجازة وعمل الاحزاب،وقانون ينظم عمليات صرف الاموال في الحملات الانتخابية،واجراء التعداد السكاني،وتثبيت البطاقة الشخصية الالكترونية،وعدم اعتماد البطاقة التموينية في الانتخاب!
الشعب العراقي في وادي والحكام في وادي آخر،والصراع يتفاقم بين القوى السياسية التي تؤمن بالديمقراطية والبناء الديمقراطي للدولة المدنية وبين القوى التي تريد تحويل السلطات الى مغانم ومراكز نفوذ وشبكات فساد مالي تكون حاضنة للارهاب والفاسدين والعودة الى لغة السلاح والدخان والانقلابات العسكرية!.

بغداد
27/11/2009