الرئيسية » مقالات » الدوران في فلك المحاصصة..!

الدوران في فلك المحاصصة..!

وهكذا إختتم مجلس النواب العراقي هذا اليوم المصادف 23/11/09 جلسته الإعتيادية ليعلن من جديد إقراره لقانون تعديل قانون الإنتخابات رقم 16/لسنة 2005 بعد النقض الذي تعرض له القانون من قبل مجلس الرئاسة لأيام خلت..!


البشرى التي زفها السيد النائب بهاء الأعرجي ولا أدري لمن.. ولماذا..، لم أجد لها محلآً في المكان.. حيث كل شيء ظل كما جاء في النقض الرئاسي، وإكتشفت من خلال مناقشات السادة النواب، أن نقض الأستاذ الهاشمي نائب رئيس الجمهورية، قد شمل المادة الثالثة/الفقرة الرابعة من القانون أيضاً ولم يقتصر على المادة الأولى منه فقط..!


ظهر السيد الأعرجي رئيس اللجنة القانونية وكأنه مجلس نواب آخر، وبدى تعامله مع المناقشات وتداخلات السادة النواب بعيدا كلياً عن الآلية المعهودة لجلسات المجلس وكيفية التعامل مع القوانين المنقوضة، والتعديلات التي إقترحتها اللجنة القانونية كانت بعيدة كل البعد عن جوهر ومضمون النقض الذي إنصب على المادة الأولى من القانون ولم تأخذ بها، رغم أن ما تقدمت به اللجنة من إتفاقها مع النقض الرئاسي، كان يبدو أشبه بالمنطقي ، ولكنه في الحقيقة كان مجرد قبول شكلي بالنقض، أضاع محتوى النقض ومضمونه، وجرى الإلتفاف عليه بطريقة تبدو ذكية، ولكنها في الحقيقة مفضوحة، فالتعديلات التي جاءت بها اللجنة والتي كان السيد النائب الأعرجي في غاية الحماس لتمريرها، لم تقدم أي تعديل يتوائم مع مقترحات السيد نائب رئيس الجمهورية في نقضه المذكور، فجاء التعديل منصباً على القانون نفسه بإجراء مجرد تحويرات في أصل المادة الأولى من القانون، وهذا أمر غريب، وقد تم القيام بها لمصلحة طرف معين كان أصلا من المعارضين للمادة الأولى في شكلها السابق للتعديل الجديد لهذا اليوم وعلى حساب أطراف أخرى، وهكذا تم ما يسمى بالتوافق، الذي في جوهره لا يصب في مصلحة من حرر من أجله النقض نفسه.. وهنا تبدو رائحة فضيحة الإلتفاف على النقض تزكم الأنوف، ومن شاهد جلسة البرلمان بإمكانه أن يلحظ الطريقة التي تعامل وتصرف بها رئيس اللجنة القانونية لتمرير تلك التعديلات الصورية لأصل المادة الأولى من القانون، وفي هذا خرق لآلية التعامل مع القوانين المنقوضة..!


إن ما يميز جلسة مجلس النواب لهذا اليوم، هو ذلك التمحور والتركز والتخندق الذي ظهر بادياً بكل وضوح على موقف الكتل الرئيسة الكبيرة في البرلمان، وكيف أن هذه الكتل مستعدة لتغيير مواقفها متى ما ظهر التغيير يصب في مصلحتها حتى لو كان ذلك يتعارض مع مبدأ الديمقراطية، الذي تدعيه رياءً مثل تلك القوى، ولعل إقرار تعديل قانون الإنتخابات بالطريقة التي جرى بها اليوم لا يمكن تفسيره بطريقة أخرى، وما يقال عن “الديمقراطية”، لايعني لدى مثل تلك الكتل، غير أنها وسيلة يمكن الركون اليها حينما يساعد ذلك على تحقيق المصالح الضيقة الخاصة. وهكذا كان الإصطفاف الجديد للقوى الكبيرة هذا اليوم ليكشف مدى عمق تأثير نهج “المحاصصة” في الإنحراف عن مبدأ الديمقراطية، وهكذا كرست هذه القوى اليوم مقولة كيف أن القوائم الكبرى تأكل القوائم الصغيرة، فجاءت تعديلات اليوم أسوأ من النص الأصلي في القانون، وموضوع تعديلات اليوم التي أقرها مجلس النواب، تتعارض كلياً مع آلية التعامل مع النقض، حيث جاءت التعديلات على القانون نفسه، وهذا يتطلب تشريعاً جديداً، ولم تأت على أصل النقض وهذا خلل دستوري ..!

وما جاء بنقض المجلس لنقض السيد نائب رئيس الجمهورية، حول ما جاء بالمادة الثالثة/ الفقرة الرابعة، من القانون، فإنه يأتي تأكيداً لما أشرت اليه فيما تقدم، ولست بصدد تكرار الحديث حول هذا الأمر، فمثل ذلك ما سبق وتحدثت عنه فيما مضى في مقالتي الموسومة (قانون الإنتخابات والمسؤولية التأريخية..!)(*) ..!

وليس أمام المرء مع ما توصلت اليه حالة الصراع الحقيقية حول قانون الإنتخابات التي تدور في الساحة السياسية العراقية حالياً إلا التأكيد وبإصرار على أهمية التمسك بالثوابت الديمقراطية للعملية السياسية، وخاصة وفي الظروف الراهنة، حيث يعتبر تشريع قانون ديمقراطي للإنتخابات البرلمانية لجميع العراقيين، المفتاح الرئيس والطريق القويم لبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة والمتحضرة، ولعل من الدلائل المميزة لمثل هذا الموقف الإيجابي، هو موقف النائب السيد حميد مجيد موسى السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي في تحفظه السديد والجريء على مشروعات التعديلات التي جاءت بها اللجنة القانونية للبرلمان هذا اليوم..!