الرئيسية » مقالات » المشهد السياسي العراقي في ظل طموحات المالكي المترنحه

المشهد السياسي العراقي في ظل طموحات المالكي المترنحه

في البداية لابد لي من الإشارة الى انني من المؤيدين لحكومة الوحدة الوطنية في العراق ومن الداعمين للتوجهات الإصلاحية لها ومن الداعمين للنجاحات التي حققتها هذه الحكومة ورئيسها وطبعا من الناقدين لحالات الفشل التي اعترتها، وان الآراء والتحليلات السياسية التي التي اعبر عنها انما هي آراء تمثلني شخصيا ولا تمثل أي شخص او جهة اخرى، حيث اني اعتمد في صياغة آرائي وتحليلي للواقع السياسي على رؤيتي الشخصية ومقاربتي الشخصية للواقع وقرائتي الخاصة للاحداث المتوقعة في ضوء معطيات الواقع ومستجداته، ومن هنا فلقد قرأت المشهد السياسي العراقي الحالي على النحو الاتي، لقد ظن الكثير من المراقبين ان فوز قائمة ائتلاف دولة القانون في انتخابات مجالس المحاظت العراقية ما هو الا مقدمة لفوز المالكي في الانتخابات التبرلمانية القادمة، الا اني لم اكن لاتفق مع هذه الرؤية والتي لا تعبر عن قراءة واقعية للدستور العراقي وقانون الانتخابات واللذين صيغا بطريقة تجعل من العسير ان يكون هناك منتصر واحد في اية انتخابات برلمانية عراقية. ان مما لا شك فيه هو ان المالكي حقق نتائج ايجابية عند شن حملته العسكرية على المليشيات الطائفية وهو امر ساعده الى حد بعيد في اعادة فرض هيبة الدولة ولو جزئياً، وكان هذا هو العامل الرئيس في رفع شعبية المالكي وتحقيقه لنتائج ملفته في الانتخابات المحلية،، الا انه وبالرغم من هذه النتائج الا ان المالكي اضطر بسبب طبيعة الدستور العراقي وتنظيم عملية ادارة المحافظات الى التحالف والتنسيق مع بقية المكونات السياسية في المحافظات.. الامر الذي جعل تلك المحافظات عمليا لا تخضع لسيطرة مطلقة منه. واذا تركنا الانتخابات المحلية ونتائجها سنلاحظ ان تدهورا كبيرا في شعبية المالكي قد حدث في الشهور المنصرمة بسبب عودة الانفلات الامني وعودة المليشيات الى الشارع العراقي والعجز الحكومي المتزايد عن تحقيق نتائج في ملف الخدمات بالاضافة الى الفضائح المتتالية التي عصفت بحكومة المالكي واهمها قضية وزير التجارة السابق المختلس عبد الفلاح السوداني وعملية بسط الحماية عليه بل وعملية طمس قضية اختلاسه وتمييعها والتي اضرت كثيرا بصورة المالكي وسمعته ناهيك عن الشريط الذي تم تسريبه من جهه مقربة من المجلس الاعلى والمتضمن لحفلة سكر وعربدة وغواني كان ابطالها اخو وزير التجارة السابق والناطق باسمه وثلة من المسؤولين الحكوميين التابعين للمالكي.. وكان بامكان المالكي ان يحول هذه الفضيحة الى نصر سياسي له لو انه تعامل بصرامة مع الموضوع بدلا ان يلجأ الى اسلوب الطمس والتمييع لغلق هذه القضية، حيث ان هذا الاسلوب ايضا ادى الى تدني شعبيته بوصفه راعي لمجموعة من المفسدين المختلسين…. وربما ان الامر الذي اثر كثيرا وادى الى تراجع شعبية المالكي هي عدم وضوح الرؤيا التي يتسم بها في موضوع المصالحة الوطنية، فرغم ان الرجل حمل لواء هذه المصالحة الا انه لم يستطع ان يكون رؤيا واضحة عن طبيعة اطراف هذه المصالحة، فبين فتح حوار مع بعثثين سابقين الى مهاجمة البعثيين والتوعد بهم الى حملات امنية ضدهم وبين حوار مع ضباط سابقين الى حملات امنية ضدهم… فالى حد هذه اللحظة لم يستطع المالكي تحديد اطراف المصالحة،،، فالسؤال الذي كان يرغب العراقيون في ان يسمعوا الاجابة عليه من المالكي من هم اطراف المصالحة؟؟؟ فللمصالحة طرفين طرف حكومي وطرف غير حكومي، فالطرف الحكومي معلوم ولكن الطرف الغير حكومي لحد هذه اللحظة مجهول، وشعر البعثيين الذين لم تلطخ ايدهم بدماء العراقيين، شعار مطاط لا يؤدي الى نتيجة فمن هم هؤلاء البعثيين؟؟؟؟؟ لم يجب لا المالكي ولا المقربين منه عن هذا التساؤل؟؟؟ ثم ان هناك مفاوضات سرية تتم بين الامريكيين وجهات من البعثيين تتسرب انباء عنها بين الفينة والاخرى، وعندها فقط يتراكض فريق المالكي لفتح حوار مع جهات بعثية ما يلبث ان يتلاشى بصورة غريبة بدون اية نتائج او تعليق يفهم العراقيين الى اين يسير المالكي بالمصالحة الوطنية. اذن افتقاد الرؤيا الواضحة بشأن المصالحة والتناقض بين فريق المالكي حولها بل وعدم تكوين موقف حكومي واحد تجاهها، فلتنجح اية مصالحة يجب ان يكون هناك موقف موحد بين اطراف الحكومة العراقية وهذا ما لا نراه فالاختلاف في هذا الموضوع سمة اساسية الامر الذي يجعل اي جهد في هذا الجانب عقيم. وفي نقطة اخرى اراها عاملا رئيسا ادى الى تضعضع ائتلاف دولة القانون هو الخلاف الذي نشأ بين المالكي ووزير داخليته جواد البولاني بسبب ما يراه المالكي من طموح غير مشروع للبولاني بالظهور على كونه بديل مقبول للعراقيين في حالة فشل المالكي في الحصول على الدعم البرلماني اللازم لتشكيل الحكومة المقبلة، فالبولاني حقق ايضا شعبية لا يستهان بها ويملك نفوذا ممتازا بين منتسبي الشرطة الذين يروب عددهم على نصف مليون منتسب وهذا بالتأكيد سينعكس على عوائلهم مما يشكل للبولاني قاعدة انتخابية مهمة تشكلت على حساب المالكي،، والامر الذي ضاعف من خسائر المالكي هو الخلاف الذي نشب بينه وبين مجلس الصحوة التي يسيطر عليها الشيخ احمد ابو ريشة فلم يستطع المالكي رأب الصدع بل يبدو ان الخلاف توسع الى درجة ان قرر ابو ريشة التحالف مع البولاني منافس المالكي وهو تحالف سبب خسائر مزدوجة للمالكي من ناحية خسارته لنسبة كبيرة من منتسبي الداخلية من جانب ومن جانب اخر خسارته للمقاعد البرلمانية التي سيحوز عليها ابو ريشة في انبار والتي كان المالكي يعول عليها بوصفها خرقا للطائفية الموصوم بها حزب الدعوة واولا وكعامل حاسم في عملية الضغط على الائتلاف العراقي للخضوع وقبول تولية المالكي لولاية ثانية. وبجانب كل تلك الخسارات تعرضت علاقة المالكي وحزب الدعوة بالحليف الكردي الى هزة عنيفه بسبب الاختلاف في الرؤى في مواضيع شتى، وعمقت مغازلة المالكي للمعرض الكردي نوشيروان مصطفى من هذا الصدع الذي حدث مع التحالف الكردستاني.. اذن وسط مجموعة من الخسائر المتلاحقة يقف المالكي الذي يصبو نحو ولاية ثانية عاجزا حتى عن التحالف مع حلفاء الامس من الائتلاف الشيعي والذين وافقوا على الائتلاف معه ولكن مع رفض مطلق لتوليه رئاسة الحكومة المقبلة ومطالب اخرى من بينها اعطاءه حصة لا تتجاوز 25% من قائمة الائتلاف في مسعى لتحجيمه، اذن حتى التحالف مع حلفاء الامس بدا عسيرا على الرجل الامر الذي جعله يترك هذه الفكرة في الوقت الحالي.. رغم ان الائتلاف الشيعي سيبقى من المكونات الاساسية للبرلمان القادم الا ان المالكي يأمل في ان يحصل على نتائج قوية في الانتخابات القادمة تضعه في موقف افضلية للتحالف مع حلفاء الامس.. ولكن هذا الامل يصطدم امام التحالف القوي وربما الغير متوقع بين اياد علاوي وصالح المطلك والذي شكل من وجهة نظر مكونيه تحالفا حقيقيا ضد الطائفية السياسية، ومهما كانت صدقية هذه الطرح، الا ان تحالف الرجلين ادى الى نشزء قوة سياسية علمانية يحسب لها حساب كبير فلاياد علاوي مناصريه في المناطق الشيعية والسنية وستتعزز حظوظه بمؤيدي المطلك في المناطق السنية تحديدا.. ناهيك عن ان هذا التحالف مرشحلان يكون اقوى بكثير اذا ما تحالف ولو لاحقا مع الحلفين الجديدين البولاني وابو ريشة وهو امر قد يكون اقرب الى الواقع من حيث قرب توجهات الاخيرين مع توجهات علاوي والمطلك..ناهيك عن مسعى الذي يبذله علاوي والمطلك في التقرب من الكيانات السياسية الاخرى وحتى الصغيرة منها للحصول على توافق سياسي يضمن لعلاوي رئاسة الحكومة المقبلة، وهو توجه يدعمه الى حد بعيد التحالف الكردستاني بعد الهزات العنيفة التي تعرضت لها علاقته بالمالكي، المالكي الذي توترت علاقته الى حد بعيد بالتحالف الكردستاني ووصل الامر حتى للتعرض لرئيس الجمهورية الطالباني سواء من خلال نشر ميزانية الرئاسة بوصفها تمثل عبئا على كاهل الدولة او من خلال تصريح المقربين من المالكي بان منصب رئيس الجمهورية القادم لن يكون للطالباني.. اذن خلاف يصعب الى حد بعيد رأب الصدع فيه.. وامام كل هذه الخلافات والخسائر التي تعرض لها المالكي يترنح طموحه السياسي من انفلات الوضع الامني في بغداد خصوصا وفي مواجهة العائد بقوة للميدان السياسي المحنك اياد علاوي، ولعل هذا الترنح هو ما يفسر هجمات المالكي الكلامية الاخيرة على قائمة علاوي والمطلك، والمظاهرة المنظمة سلفا التي حدثت في الديوانية للتعرض لمقرات منافسيه وحملة الاعتقالات التي طالت نشطاء تابعين لعلاوي والمطلك،، والاهم هذا الترنح هو ما يفسر نزعة المالكي الاخيرة والتي وصلت الى حد المبالغة بالتخويف من عودة البعثيين.. واتهام منافسيه بكونهم يمهدون لهذا الموضوع.. وطبعا هو تصرف سياسي مفهوم ومتوقع ان يحدث في ظل صراع سياسي متفجر للاختلال المفاجئ لميزان القوى لمصلحة غريمه علاوي.. ولعل الايام المقبلة مرشحه لمزيد من التصعيد فامام كل ترنح لطموحات المالكي سيحدث هيجان سياسي له ولمناصريه وسينعكس ذلك على الشارع العراقي وهو ما سيفرز مزيدا من القتل والتفجيرات والاعتقالات.. ويبقى ان الامل الوحيد للعراقيين هو ان تمر الانتخابات بسلام وان يظهر من بين ركامها شخصية عراقية قيادية وطنية تتجاوز الطائفية وقادرة على ان تعيد اللحمة الوطنية لابناء البلد الواحد الذي مزقته صراعات الساسيين ومن يلبسون عباءة السياسة وهم غير اهل لها…. واذا ما تأتى ذلك عندئذ فقط ممكن ان تتحقق مصالحة حقيقية في العراق فالمصالحة لا يمكن ان يحققها رئيس حكومة مختلف مع نفسه ومع الاخرين… وطبعا ان هذا الامل سيبقى رهينا بالتوافقات السياسية والتي هي من ستحدد شخصية رئيس الوزراء المقبل،، ناهيك عن الدور الامريكي المؤثر والذي سيحدد في النهاية من هو رئيس الحكومة العراقية المقبلة، فأي انتصار انتخابي سيتحول الى حبر على ورق اذا لم يرض الحليف الأمريكي عنه اذ ان القوة الأمريكية مازالت تحمل في يدها الاوراق المؤثرة في اللعبة السياسية العراقية وهي قادرة على تحويل مجرى أي انتخابات ونتائجها لصالح الطرف الذي تؤيده عن طريق الضغط على الاطراف السياسية التي ستكون في مجملها الاغلبية التي يحتاجها أي رئيس وزراء مقبل للعراق،، لذا فان الوعي بطبيعة الوضع السياسي العراقي لا يكفي لقراءة المستقبل السياسي العراقي المرهون بقرار اللاعب الامريكي الفاعل في الساحة السياسية العراقية، وهنا يجب ان نبدأ في قراءة المواقف الأمريكية للاجابة عن التساؤل الذي ربما يكون الاهم من الانتخابات العراقية وهو هي الشخصية العراقية التي يفضلها الأمريكيين لقيادة الحكومة العراقية المقبلة؟؟؟؟؟ هذا التساؤل ربما اون الإجابة عليه لم يحن بعد، اذ يستلزم الامر المزيد من الصبر والتأني لقراءة توجهات اللحظة الأخيرة لدى القيادة الأمريكية لاعطاء جواب يقترب من الموقف والرؤيا الأمريكية للحكومة العراقية الخامسة التي ستشكل في ظل السيطرة السياسية والعسكرية الأمريكية على العراق الجديد والذي سيبقى للاعب الأمريكي دور الأساس على الأقل خلال المدى المنظور في تحديد من يجلس على عرش بغداد.