الرئيسية » مقالات » هل هناك من يريد خلط الأوراق في الموقف من قانون الانتخابات؟

هل هناك من يريد خلط الأوراق في الموقف من قانون الانتخابات؟

من يتابع التصريحات التي تدلى في هذه الأيام في أجهزة الإعلام العراقية وفي القنوات الفضائية ومن يتحدث في مؤتمرات صحفية في مجلس النواب العراقي أو بعض المقالات التي تنشر يدرك أن هناك محاولة جادة لخلط الأوراق ومحاولة غير مسؤولة لتضييع القضايا الأساسية التي يطرحها منتقدو قانون الانتخابات الجديد الذي أقره مجلس النواب العراقي والمخالف للدستور العراقي ذاته ولأسس الديمقراطية في محاولة وضع المنتقدين كلهم في خانة واحدة, خانة الطائفية السياسية, وكان الداعين لها هم من أتباع المذهب السني أو من البعثيين القدامى أو من يريد الدفاع عن وصول البعثيين للسلطة والتي تتعانق مع حملة واسعة تريد البرهنة على خطر البعثيين الراهن. كما أن هناك رؤية استبدادية تريد اعتبار من ينتقد القانون أو يرفض التوقيع يمارس عملاً تخريبياً ضد العملية السياسية في العراق وأن من يؤيد هذا القانون, بمن فيهم الصدريون, هم المخلصون لهذا البلد المبتلى بالمحاصصة الطائفية والإثنية. علماً بأن القوائم التي تدعي الطلاق مع الطائفية السياسية, لم تتخلص منها حتى الآن رغم التطعيم النسبي لبعضها بأسماء أشخاص يعتبرون ضمن القوى المدنية أو العلمانية أو الديمقراطية.

لقد تغيرت سياسات ومواقف بعض الأشخاص, وهذا من حقهم ولا تهمنا أسباب هذا التغيير, ولكن لا يجوز لهم ما يلي:

** اعتبار من لم يغير رأيه بأشخاص معينين وقوائم معينة أنهم مخربون,

** ونسيان حقيقة أن هذا القانون غير ديمقراطي وغير عقلاني ويحتاج إلى إعادة نظر انطلاقاً من واقع العراق الراهن وما يحتاجه المجتمع حالياً.

المثل العراقي يقول: “قف معوجاً ولكن تحدث باستقامة”, فهل التزم البعض بهذه الحقيقة.

القانون يتضمن أخطاءً فادحةً لا بد من تأكيدها ثانية وقد صدرت حتى الآن أكثر من مذكرة تدعو إلى إعادة النظر بالقانون حتى قبل أن يرفض السيد طارق الهاشمي التوقيع على قرار رئاسة الجمهورية. لنتذكر معاً أن الحزب الشيوعي العراقي كان أول من سجل ملاحظاته الجادة والمسؤولة والصحيحة على القانون قبل أن ينطق الهاشمي بكلمة واحدة بهذا الصدد. كما كتب العشرات من الكتاب بهذا الصدد, وطرح الكثير من الكتاب موقفاً معارضا لقائمة التحالف الكردستاني حين أيدت تلك القائمة إصدار القانون في البرلمان, ثم وقف مجلس النواب الكردستاني ضد القانون في ضوء ملاحظات الكثير من الكتاب الديمقراطيين والتقدميين التي لم تنتبه لها قائمة التحالف الكردستاني قبل ذاك.

أدرك جيداً منجزات حكومة المالكي في مجال الأمن وهي مهمة لأنها قلصت موت العراقيات والعراقيين, ولكنها لم تستطع إيقافه طبعاً لأنها لم تحقق المصالحة الوطنية وفق أسس قويمة, إذ أن الأحد الدامي والأربعاء الدامي غير بعيدين عنا من حيث الزمن. والتحسن في مجال الأمن هي منقبة تحسب للمالكي وللجيش العراقي ومجالس الصحوة وتلك القوات الأمريكية الإضافية التي وصلت لدعم جهد قرار فرض القانون في العراق. ولكن هذا شيء والواقع العراقي عموماً شيء آخر وكلنا يدرك ذلك. ولهذا فليس إنصافاً مهاجمة من ينتقد الحكومة في سياساتها الأخرى التي لم تحقق الكثير لصالح تحسين أوضاع الجماهير الواسعة, ومنها مجال الخدمات العامة والحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية. ومن شعر بالانتعاش بعد زيارته لبغداد فهنيئاً له, ولكن لا يفترض فيه أن يعتقد بأن على كل من يزور العراق أن يعتقد بأن ما قاله مطابقاً لكل الحقيقة, في وقت كان هو في ضيافة وحماية الحكومة, رغم التحسن الأمني.

أريد أن أؤكد ثانية بأن هناك الكثير من النواقص في القانون الحالي, وأبرزها ما يلي:

2. القانون غير ديمقراطي إزاء القوميات وأتباع الديانات الأخرى من غير المسلمين ومن غير العرب والكُرد؛

3. والقانون غير ديمقراطي في الموقف من المواطنات والمواطنين في الخارج؛

4. وغير ديمقراطي من حيث عدد المقاعد التعويضية بالنسبة للقوائم والأشخاص الذين لا يحققون المتوسط العراقي في عدد الأصوات المطلوبة؛

5 وغير ديمقراطي في زيادة سكان محافظات بعينها كالموصل وإبقاء محافظات أخرى دون تغيير في سكانها مثل السليمانية وأربيل ودهوك الكردستانية وكأن لا ولادات فيها ولا نمو سكاني, في حين كانت المحافظات الأخرى ومنها الموصل قد أعطيت نسبة نمو 15 %, مما سيزيد من مقاعدها في المجلس دون وجه حق!

5 وغير ديمقراطي في رفضه اعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة, إذ بها تضيع الكثير من أصوات الناخبين الممنوحة للقوائم أو للمرشحين؛

6 وغير ديمقراطي في فرص الإعلام التي تمنح للقوائم المختلفة؛

7. وغير ديمقراطي بالنسبة للأموال التي تسخر لخوض المعركة الانتخابية بين القوائم الكادحة وقوائم الأغنياء والمتخمين بالأموال أو الذين يتلقون المساعدة المالية السخية من دول الجوار “الشقيقة والصديقة!”.



لقد وجه رئيس البرلمان الثقافي العراقي في المهجر الأستاذ الدكتور تيسير الآلوسي مثلاً مذكرة إلى رئاسة الجمهورية والمحكمة الدستورية في العراق طالب فيها, ومعه مجموعة من المنظمات العراقية, نقض القانون وإعادته إلى مجلس الناس لإجراء تغييرات فيه في ضوء الدستور العراقي. وبسبب أهمية هذه المذكرة نورد الجزء الأساسي منها فيما يلي:

“إنَّنا في البرلمان الثقافي العراقي في المهجر ومعنا عدد من المنظمات العراقية التي وقعت هذه الشكوى؛ ومن منطلق الواجب الوطني المؤمّل نتقدم إليكم في المحكمة الدستورية كيما تتفضلوا بالفصل في حقنا باسم الملايين من عراقيي المهجر في طلب تعديل المادتين الأولى والثالثة بما يكفل حق مواطني العراق بالمساواة التي كفلها الدستور الأمر الذي يفرض التزام القوانين الصادرة بنصوص الدستور وروحه.. وفي ضوء ذلك ندعو محكمتكم الموقرة بردّ القانون المشار إليه في المادة المخصوصة لعدم دستوريته، ولأنّ إجراء الانتخابات في ظل قانون غير دستوري يأتي بنتائج لا تقف عند التعارض والدستور العراقي حسب بل يأتي بنتائج مخلة بتمثيل العراقيين ويحيق بملايين منهم بالظلم وبالاعتداء على حقوقهم الثابتة ويهدد السلم الأهلي ومستقبل النظام الدستوري الديموقراطي الفديرالي في العراق..

ونحن هنا نحيلكم إلى أنَّ القانون الذي جرى تمريره في البرلمان العراقي قد تمَّ بخلاف الحوارات وأشكال النصح والمشورة القانونية سواء من عدد من السادة أعضاء المجلس أم من محكمتكم الموقرة في إجابة استشارية سابقة أم من ممثلي منظمات المجتمع المدني وأحزاب سياسية ومن مسؤولين مكلفين بحماية الدستور ومصالح الجمهور. وجميع هذه الآراء اتفقت على تعارض المادتين الأولى والثالثة من القانون مع مبدأ مساواة العراقيين كافة أمام القانون ونص المادة يتعارض ومواد الدستور بالإشارة إلى المواد 14 و46 و 49 و 65 منه..

لقد طاول القانون مكونات شعبية تطلعت للمساواة والإنصاف بعد سنوات التهجير القسري والنفي والإبعاد، فخصم من نسبتهم الحقيقية أكثر من ثلثي المقاعد التي يستحقونها، كما فرض نظاما انتخابيا مختلفا وحرمهم من حق اختيار الشخصيات التي يرونها ممثلة لهم باستخدام القائمة المغلقة في التصويت بخلاف قرار استخدام القائمة المفتوحة وطنيا (في الداخل)..

وفضلا عن ذلك فقد فرض قسرا إحصاءات مشكوك فيها وغير متفق على تفاصيل استخدامها بما أفضى لاعتماد معايير وأسس تقدير التغيرات السكانية بطريقة متباينة مختلفة بما أخلّ في تحديد مقاعد المحافظات بطريقة عادلة ممتلكة للصدقية والدقة.. بالإشارة هنا إلى مضاعفة المقاعد لمحافظة نينوى على سبيل المثال والتراجع (النسبي) لمحافظات إقليم كوردستان.

وبالإشارة هنا إلى حقوق المكونات العراقية المسماة تهميشا واعتداء قانونيا وإنسانيا بـِـ (الأقليات) يعزز قانون الانتخابات الجديد موقفه في توكيد التهميش متغافلا عن نصوص الدستور الذي أكد (أصلا) واجب استكمال الهيأة التشريعية التي تدعو إلى تكوين البرلمان من مجلس نواب ومجلس اتحادي . فحسب الباب الثالث من الدستور العراقي وفي الفصل الأول تحديدا من هذا الباب، تنص المادة (48) على أنّه “تتكون السلطة التشريعية الاتحادية من مجلس النواب ومجلس الاتحاد. ويُشار في أولاً إلى مجلس النواب فتذكر المادة (49)
على أنه يتكون “من عدد من الأعضاء بنسبة مقعد واحد لكل مائة ألف نسمة من نفوس العراق يمثلون الشعب العراقي بأكمله، …”. وهذا ما نقضته المادة أولا من القانون ما يجعل القانون غير دستوري وواجب التعديل لتوفير دستورية القانون والتزامه بسمو الدستور وبنصوصه وقواعده الثابتة.

وبشأن تمثيل المكونات العراقية بعيدا عن التهميش والمحددات في [مقاعد الكوتا] ، تنص المادة (65) على ما يأتي:

“يتم إنشاء مجلسٍ تشريعي يُدعى بـ (مجلس الاتحاد ) يضم ممثلين عن الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في أقليم، وينظم تكوينه، وشروط العضوية فيه، واختصاصاته، وكل ما يتعلق به، بقانونٍ يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب.”

إنَّ هذا تحديدا هو الغطاء الدستوري القانوني لتمثيل المكونات من المجموعات القومية والدينية بجميع المناطق والأقاليم والمحافظات العراقية تمثيلا عادلا بما يخرجها من الكوتا المحدودة والتهميشية، ولأن مجلس النواب قد تأخر عن سن القانون الذي يتيح استكمال الهيأة التشريعية ويضمن حقوق المكونات فإن الواجب عليه إتاحة توفير حجم تمثيل نسبي يماثل الحجم النوعي الحقيقي لهذه المكونات، وهو ما لم يحصل بحجم المقاعد الثمانية التي تمّ تعيينها وهو ما لم يحصل أيضا بسبب تشكيل الأحزاب والتحالفات الكبرى على أساس عرقي وأو طائفي ما استبعد المكونات العراقية الأخرى عبر المنافذ الطبيعية وطنيا، وأقصاها فعليا عن التمثيل في مجلس النواب فضلا عن عدم وجود مجلس الاتحاد ما يحرمها من التمثيل الصائب بالمخالفة مع نصوص الدستور بالخصوص، سواء بشأن المساواة أم بشأن التآخي والعدل وتعزيز التفاعل بين المكونات وطنيا.. فضلا عن التعارض مع الطبيعة الفديرالية التعددية التي أقرها الدستور وعن استئثار جهة واحتكارها السلطات بخلاف مبدأ الديموقراطية التي ثبتها الدستور العراقي الدائم.

وإذا ما نظرنا إلى الظروف العامة التي قضت بنظام الكوتا للنساء العراقيات اللواتي يمثلن أكثر من نصف المجتمع على وفق الإحصاءات الرسمية، فإنَّ هذا النظام (الكوتا) يستلب حقوق المكونات العراقية بخلاف نصوص الدستور وروحه وبخلاف الإحصاءات الرسمية المعنية..

وبناء على ما تقدم، نؤكد مجددا عدم دستورية القانون الصادر عن مجلس النواب وواجب ردِّه للتعديل في البنود والمواد المشار إليها، بقرار من محكمتكم الموقرة على أساس الصلاحيات الدستورية المتوافرة بمهام محكمتكم؛ من جهة للتوجيه بالتعديل الملزِم بما يتضمن إعادة حقوق عراقيي المهجر ومن جهة أخرى بما يتضمن تعديل نسب تمثيل المكونات العراقية بطريقة منصفة مع التوصية بسقف زمني لتشريع قانون مجلس الاتحاد لا يتجاوز منتصف الدورة التشريعية التالية للخلل الدستوري القانوني الصريح في استمرار عمل مجلس النواب منفردا في تمثيل الهيأة التشريعية المنصوص عليها في المادة 65.

وسيبقى إجراء الانتخابات بنصف الهيأة التشريعية وتمرير القوانين مناقضا لحقوق الشعب العراقي في تمثيله الكامل وغير المنقوص في هيأة تشريعية تعبر عن مكوناته وتركيبته المدنية المعاصرة التي لا تعبر عنها تشكيلات ما قبل الدولة الحديثة من تلك التي تعتمد التشظية والتشطير والتقسيم بخلاف روح الدستور في وحدة العراق الفديرالي الديموقراطي وشعبه وصدقية ظهور تمثيل مكوناته كافة في جميع السلطات الاتحادية…”.


إنَّ إجراء الانتخابات بظل هكذا قانون وبأقلية ضئيلة من الناخبين لن يبقى بحدود الإجراء الشكلي السلبي، ولكنه سيفضي إلى تداعيات أخطر من عزوف الناخب عن التصويت وتشكيل مجلس نواب بتمثيل مختلف عليه وإنما أيضا تبقى الهيأة التشريعية ذاتها منقوصة التركيب بالمخالفة والمواد الدستورية المشار إليها في مذكرتنا التفصيلية هذه.

ومن هنا فإنّنا ندعو سيادتكم وأعضاء المحكمة الاتحادية الموقرين لرد القانون مع التوصية بالتعديلات الدستورية الواجبة وصياغته بما يكفل الانسجام مع الدستور والصدقية والإتيان بتمثيل حقيقي سليم للتعددية والتنوع وما ينسجم وتركيبة المجتمع العراقي المدنية المعاصرة وما يعزز من مسيرة عراق ديموقراطي تعددي فديرالي..

آملين أن يجري هذا مع احترام لتوقيت إجراء الانتخابات في موعدها المقرر بالاعتماد على حسم القرار في محكمتكم وتوجيه المفوضية المعنية بالانتخابات لاستكمال الإجراءات التفصيلية وبما يمنع التذرع (السياسي) غير القانوني وغير الدستوري باحتمال الفراغ الدستوري إذا ما جرى تعديل القانون وهو التذرع الذي يريد فرض تمرير ما هو غير دستوري لأربع سنوات أخرى فيما يحذر من فراغ دستوري غير وارد إذا ما صدر قرار المحكمة الدستورية الاتحادية بالطرق القانونية والآليات المعروفة لديكم والمنصوص عليها دستوريا..”. (مقتطف طويل من نص المذكرة الموجهة في 16/11/2009 إلى رئاسة الجمهورية والمحكمة الدستورية العراقية).

21/11/2009 كاظم حبيب