الرئيسية » شؤون كوردستانية » احتفالية تكريم الراحل المناضل والمفكر الكوردي ناجي عقراوي

احتفالية تكريم الراحل المناضل والمفكر الكوردي ناجي عقراوي

بدعوة من وزارة الثقافة في حكومة اقليم كوردستان في العراق حل تيسير خالد ، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ، ضيفا على حكومة الاقليم للمشاركة في احتفالية تكريم الراحل المناضل والمفكر الكوردي ناجي ئاكريي ( عقراوي ) في الفترة بين 28-30 تشرين أول الماضي . وقد القى كلمة بهذه المناسبة كما قام بحضور وزير الثقافة السيد فلك الدين كاكائي وعدد من المثقفين الكورد والعرب واسرة الفقيد وحشد من الأهالي بازاحة الستار عن نصب الراحل الكبير في بلدته ئاكري ( عقره ) . في ما يلي الكلمة التي القاها تيسير خالد في مدرج وزارة الثقافة في هذه المناسبة :

يسعدني ان أكون معكم اليوم وأن انقل لكم تحيات الأخ الرئيس محمود عباس والاخوة اعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وتحيات الرفيق نايف حواتمه الامين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ، وان اشارككم في احتفالية احياء ذكرى الراحل الكبير ، الكاتب والمفكر ، الناقد والمناضل ناجي العقراوي ، الذي فارق احباءه واصدقاءه ومريديه قبل عام وبضعة اشهر ، تاركا لابناء قومه في كردستان ولابناء شعبه في العراق ذكرى عطره ، كرمز من رموز الثقافة ورموز النضال الوطني التحرري والاجتماعي الانساني التقدمي ، ليس في كردستان والعراق وحسب بل وفي فضاء الثقافة والنضال على المستوى الاوسع والارحب.
الاخوات والأخوة
الرفيقات والرفاق
حين بلغني خبر رحيل المناضل ناجي صبري عقراوي ، قلت ما قاله غيري واخص بالذكر منهم الاستاذ الفاضل عبد الاله الصائغ ، كل منا قال المعنى نفسه وان اختلفت الكلمات . الاستاذ الكبير عبد الاله الصائغ قال : أخيرا قرر ناجي أن يستريح ولكن لا تصدقوا أن ناجي قد مات ، ومتى مات الجبل بحق السماء ، فعبر التاريخ لم يمت الكوردي جبل ولم يحمل جبل على تابوت ، وبنفس المعنى كتبت لذويه ومحبيه في حينه ، لقد رحل ناجي عقراوي ، ولكنه باق في ذاكرة شعبه .
رحل ولم يمت ، فالموت حالة تتلاشى فيها الصورة من الذاكرة ، وهناك فينا من يمضي بعيدا ، بعيدا دون أن يحتل حيزا في صورة حياة تتجدد باستمرار .
فنحن نولد ونتجدد في رحلة لم نتعرف بعد على بدايتها إلا في الاساطير ونقف على امتداد العمر في محطات انتظار قد تطول وقد تقصر ، وقليلون هم الذين يعبرون من محطة الى اخرى وتتواصل صورهم في ذاكرتنا ، وناجي عقراوي هو من اولئك ، الذين يتركون الصورة حية في ذاكرة شعبهم ، وهذا هو معنى لقائنا اليوم ومعنى هذه الاحتفالية .
حين بلغني أن لجنة الوفاء للمناضل الراحل ناجي عقراوي تعد له احتفالية في أربيل وتلقيت الدعوة للمشاركة فيها لم أتردد في ذلك رغم المشاغل الكثيرة والمهمات الكبيرة المطروحة على جدول الاعمال . صحيح انني لم اعرف ناجي عقراوي معرفة مباشرة ، غير انني تعرفت عليه من خلال كتاباته ومواقفه ومن خلال علاقة انسانية ربطتني بأبناء شعبه منذ سنوات طويلة يوم كنا في ميدان العلم وفي ميدان النضال . ناجي عقراوي هو ابن بار لشعب عظيم ، ودفعتني معاناته الطويلة مع الاضطهاد والظلم الى التعاطف والتضامن معه كشعب يستحق الحياة ويستحق ان يتمتع بحريته وبشخصيته الوطنية المستقلة ، وازدادت العلاقة تطورا مع الايام عندما التقيت اعدادا من ابناء هذا الشعب العظيم في ميادين النضال والكفاح المشترك في الجنوب اللبناني ، وفي بيروت الحصار . مناضلون ذوي عزيمة ، كنت انظر في وجوههم انذاك وارى فيهم احفاد الناصر صلاح الدين . اذن ليس غريباً ان اكون اليوم بينكم اشارككم هذه الاحتفالية ، خاصة وهي تقام في ذكرى رحيل فارس كوردي قدم الكثير وهو يدافع عن حقوق شعبه في العدل والمساواة في الحقوق السياسية والثقافية والهوية الوطنية ، بمواقف تتجاوز حدود كوردستان وحدود العراق وتعبرها في اتجاه فلسطين لتؤكد البعد الانساني في الحضور التاريخي لشعبه ودوره الحضاري .
ناجي عقراوي كان ذلك الانسان ، الذي رفع راية النضال ضد سياسات القمع والقهر لشعبه الكوردي ، ولم يفقد البوصلة في التمييز بين الحاكم وبين المواطن ، وهكذا استمر وفيا لمبادئه ، وفيا لكوردستان وللعراق يؤمن بتنوعه وبأن العراق يغدو بدون هذا التنوع صحراء قاحلة ، كما قال ذات يوم المطران ميشيل قصارجي . حرصه على حقوق الكورد في التعبير عن هويتهم الوطنية ، بالطريقة التي يختارونها ، تلازم باستمرار مع حرصه على العلاقات الاخوية بينهم وبين العرب وجميع مكونات الشعب العراقي ، ومن موقعه هذا قرأت له يقول : ” يجب التفكير بصوت عال . ليعبر جميع العراقيين عن تطلعاتهم وان يعمل الجميع معا للدفاع عن هذه التطلعات الانسانية والاجتماعية والسياسية لتفعيل الثقافات والافكار في المجتمع العراقي ولترسيخ الديمقراطية والحريات العامة في عراق الغد ، واقصاء الذين ينظرون الى الاخرين نظرة عنصرية ” . وقرأت له كذلك يقول : ” الكورد ليسوا بندقية للايجار ” ، وقرأت له يقول : ” حين ادافع عن الكورد ، ادافع بنفس القوة عن العرب والتركمان والاشوريين وغيرهم ” ، الى ان حطت رحاله في فلسطين . فقد قرأت له وعرفت عنه كذلك تعاطفه مع أبناء فلسطين . كتب ذات مرة يقول : ” بالقرب من بساتننا كانت تعيش عائلة اسحق موردخاي ، وزير الدفاع الاسرائيلي السابق ، وكان زميل طفوله قبل هجرة عائلته الى فلسطين ، وحين حدثت منه تجاوزات على الفلسطينيين ، هاجمته ، لانني اؤمن بأن الحقيقة هي واحدة لا تتجزأ “.
الراحل الكبير ناجي عقراوي لم يكن كاتبا او صحفيا وحسب ، بل كان سياسيا من مستوى رفيع ، كان يحذر من الانخراط في لعبة الصراع على المصالح ، عندما تديرها قوى كبرى ، ومن هنا جاء قوله : ” الكورد ليسوا بندقية للايجار ” ، وكان يرى في ضعف العراق وفي الصراعات المذهبية والطائفية الكامنة على أرضه مدخلاً لتدخل القوى الاقليمية في شؤونه الداخلية ، وكان يرى في ذلك اقصر الطرق للدخول في حروب اهلية مدمرة لا تعود بالنفع على العرب والكورد ومكونات الشعب العراقي الاخرى . يبدو في مواقفه السياسية قوميا كورديا ، ولكنه كان يحرص في الوقت نفسه على رفع راية الولاء للعراق وطنا لجميع ابنائه . لم تكن نزعته القومية موجهة ضد الداخل العراقي بقدر ما كانت موجهة ضد الاطماع في ارض كوردستان والعراق وفي ثرواته . هل كان ناجي عقراوي يغالي في هذه المواقف ، دعوا التاريخ يحكم له أو يحكم عليه ، ويبقى موقفه على كل حال موقفا يستحق الاحترام والتقدير ، مثلما يستحق الاحترام والتقدير كذلك هذا الترابط بين همومه السياسية القومية والوطنية واهتمامه بمعاناة المواطنين الفقراء والكادحين ، قرأت له يستشهد بعمر بن الخطاب في امتداد نزعة انتماء حضاري انساني يقول : ” جمع الخليفة عمر بن الخطاب ولاته ، وسأل احدهم : ماذا تفعل اذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ فاجابه الوالي : اقطع يده . فرد عليه عمر قائلاً : اذن فلتعلم انه اذا جاءني منهم جائع أو عاطل فسوف يقطع عمر يدك يا هذا ” ناجي عقراوي لا يستشهد هنا بعمر بن الخطاب لمجرد الاستشهاد ، بل انه بذلك كان يحاول تحديد طبيعة نظام الحكم ، الذي يحلم به ووظيفة الحاكم ، ويدعو الى عدالة اجتماعية في نظام يضع العقوبات في ادنى سلم الاهتمامات والاولويات .

الأخوات والأخوة
الرفيقات والرفاق
اسمحوا لي ان أختم بكلمات حول الأوضاع الفلسطينية والتحديات التي يواجهها الشعب الفلسطيني . تعلمون انه تم التوقيع على اتفاقيات مرحلية بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة اسرائيل في العام 1993 والاعوام التي تلت ، وقد كانت اتفاقيات ظالمة وجائرة . تلك الاتفاقيات كانت لأجل وكان ينبغي وفق هذه الاتفاقيات ان يتم التوصل الى تسوية دائمة لقضايا الوضع النهائي بدءا بالقدس والمستوطنات مرورا بالحدود والترتيبات الامنية ومصادر المياه وانتهاء بقضية اللاجئين الفلسطينيين في العام 1999 . نحن الان في العام 2009 ولم يتم التوصل الى حلول لأي من القضايا ، التي كانت مطروحة على جدول أعمال مفاوضات الوضع الدائم . لم تتقدم جهود التسوية ، بل على العكس من ذلك ، فقد ازدادت تعقيدا ، فاسرائيل تمارس سياسة تهويد وتطهير عرقي في القدس وتتوسع في البناء الاستيطاني وتضاعف اعداد المستوطنين وتبني جدار فصل عنصري في عمق الضفة الغربية وتحديدا فوق خزانات المياه الجوفية الفلسطينية وتشن الحروب وترتكب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية بدءا من ” حرب السور الواقي ” أو ” حرب سلامة المستوطنات ” في العام 2002،2003 وانتهاء بالحرب على قطاع غزه نهاية العام الماضي وبداية هذا العام ، وهي جرائم حرب موصوفة حددها بتفاصيلها تقرير القاضي ريتشارد غولدستون ، الذي اوفدته الامم المتحدة على رأس بعثة دولية للتحقيق في مجريات الحرب على قطاع غزه . وقد مارست اسرائيل هذه السياسة بدعم واسع من الادارة الاميركية الراحلة برئاسة جورج بوش ، التي اشاعت سياستها فوضى غير بناءه في المنطقة .
رحلت تلك الادارة وجاءت ادارة اميركية جديدة برئاسة باراك اوباما ، وعلقت شعوب المنطقة آمالاً على احتمال ان تقدم الادارة الجديدة على مراجعة جوهرية في التعاطي مع الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي ، فتنتقل من سياسة ادارة الازمة في هذا الصراع الى سياسة وضع الحلول بتسوية تقوم على اساس دولتين تعيشان جنبا الى جنب وعلى اساس حل عادل لقضية اللاجئين وفق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة ومبادرة السلام العربية .
الادارة الجديدة لم تصمد أمام الامتحان ، فأخذت تتراجع عن المواقف المعلنة وخاصة تلك التي عبر عنها الرئيس باراك اوباما في خطابه الى العالمين العربي والاسلامي في جامعة القاهرة في حزيران الماضي ، وبدأت تنحني امام التعنت الاسرائيلي والسياسة العدوانية التوسعية لحكومة اسرائيل ، وتسعى الى تسويق تسويات تعفي اسرائيل من التزاماتها بدءا من الوقف الشامل للنشاطات الاستيطانية في القدس وسائر محافظات الضفة الغربية ومن التزاماتها المحددة في خطة خارطة الطريق الدولية من خلال شطب المرحلتين الاولى والثالثة للخطة والدخول في ترتيبات تسوية من خلال المرحلة الثانية وبما يؤذي الى ” الدولة ذات الحدود المؤقتة ” ، والتي هي عمليا دويلة معازل وبتعبير أوضح محمية معازل تحت الرقابة والسيطرة والسيادة الاسرائيلية ، تكون محصلة لمفاوضات بدون مرجعية سياسية وقانونية تتحكم في مداخلها ومخارجها سياسة اسرائيل واطماعها العدوانية التوسعية ، وهو ما ترفضه بشكل واضح وحازم القيادة الفلسطينية .
أخيرا أدرك انكم تشاطروننا القلق على الاوضاع الداخلية في الساحة الفلسطينية وحالة الانقسام ، التي ترتبت على الانقلاب الذي قادته حماس في قطاع غزه في حزيران من العام 2007 . هذا الانقسام يقدم خدمة مجانية لدولة اسرائيل وسياستها العدوانية التوسعية . نحن حريصون على وضع حد لهذا الانقسام وعلى استعادة الوحدة الوطنية ووحدة النظام السياسي الفلسطيني ، ونأمل أن يكون المرسوم ، الذي اصدره الرئيس محمود عباس قبل أيام باجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة مطلع العام القادم مدخل لانهاء هذا الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية ، فنحن شعب لا يملك من عناصر القوة ما هو أثمن من وحدته الوطنية في مواجهة سياسة دولة اسرائيل ومن اجل تعزيز الصمود ومواصلة الكفاح بأمل الوصول الى تسوية سياسية شاملة ومتوازنة للصراع على أساس قرارات الشرعية الدولية توفر الامن والاستقرار لجميع شعوب ودول المنطقة بما فيها دولة فلسطين وعاصمتها القدس وتصون حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى ديارهم .

اختم بالتعبير عن شكري لكم ، وامتناني لدعوتكم الكريمة وحسن استقبالكم وضيافتكم وبالتعبير عن التقدير لمثقفيكم ومناضليكم ، وأخص بالذكر الراحل الكبير ناجي عقراوي ، الذي اتاحت لي مناسبة احتفالية تكريمة زيارة بلدكم الجميل وشعبكم الصديق .