الرئيسية » مقالات » تخوفات دولية تجاه العراق من الفراغ الدستوري المرتقب و تلميحات بدعم ائتلاف أبو ريشة و البولاني

تخوفات دولية تجاه العراق من الفراغ الدستوري المرتقب و تلميحات بدعم ائتلاف أبو ريشة و البولاني

المحلل السياسي

ذكرت شخصيات سياسية عراقية بارزة من صلب العملية السياسية و كذلك مقربة من السفارة الأمريكية في بغداد، أن هناك كلاماً تجاوز حدود الهمس عن نية الولايات المتحدة الأمريكية تغيير الخارطة السياسية في العراق و سحب البساط من تحت أقدام الأحزاب الإسلامية و العمل على فرش الأرضية المناسبة لشخصيات لها طابع توافقي يحظى بدعم جميع المكونات العراقية بصورة حقيقية و ليست شكلية، خاصة بين المكونين الرئيسين “الشيعي و السني” الذين خلفا في صراعهما خلال الفترة الماضية الكثير من الآثار السلبية على الساحة السياسية و الاجتماعية في عراق ما بعد 2003.
و كشف نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي من خلال نقضه لقانون الانتخابات المصادق عليه من قبل البرلمان العراقي عن البعض من غاطس الجبل الجليدي الذي لوحت به الإدارة الجمهورية برئاسة بوش الابن سابقاً، و المتمثل بتشكيل حكومة إنقاذ وطني بديلة عن حكومة السيد المالكي، إلا أن هذا الأمر أعيد الآن إنتاج السيناريو الجديد له من قبل الإدارة الديمقراطية الجديدة برئاسة أوباما!
و بعيداً عن أبعاد نقض الهاشمي لقانون الانتخابات و الآراء و التحليلات و وجهات النظر الفقهية و السياسية التي تقف مع قرار النقض أو بالضد منه، إلا أن الكتل المتنافسة فيما بينها على رئاسات العراق الثلاث و على كيفية توزيع الحقائب الوزارية و التي تحاول جاهدة كسب اكبر عدد ممكن من أصوات الناخبين، أدركت عدم قدرتها منفردة في تشكيل الحكومة القادمة، إلا بائتلافها مع كتلة كبيرة أو أكثر.

و أشارت المصادر إلى انه و بالرغم من أن حظوظ “الائتلاف الوطني العراقي” ‏و”ائتلاف دولة القانون” و”الحركة الوطنية العراقية” على رئاسة الحكومة المقبلة أكثر من غيره لتحقيق ذلك، إلا أن الجانب الأمريكي يفضل أن تكون الحكومة المقبلة برئاسة شخصية لم تجلس بَعد على كرسي رئاسة الوزراء، مرجحةً أن يكون وزير الداخلية الحالي جواد البولاني المؤتلف مع أبو ريشة و عدد من الأحزاب و الحركات الأخرى، هو الشخص المناسب لهذا المنصب، خاصة و أن الائتلافات الثلاثة قد خاضت تجربتها من خلال مسمياتها القديمة في إدارة الحكومات السابقة ممثلة بالدكتور علاوي و الدكتور الجعفري و السيد المالكي.
مشيرة في الوقت ذاته، إلى البيان المشترك الصادر عن السفير الأمريكي كريستوفر هيل و قائد القوات الأمريكية الجنرال رايموند اوديرنو، الذين قالا فيه في وقت سابق ” أن حل مشكلة كركوك يتم من خلال ‏العملية السياسية وليس من خلال قانون الانتخابات”، في إشارة واضحة إلى أن الأمريكان لديهم قولتهم التي ما زالت الأقوى على الساحة العراقية برغم التدخلات الإيرانية و الإقليمية الأخرى التي تحاول التأثير في رسم الخارطة السياسية لعراق ما بعد انتخابات 2010.
‏رئيس الوزراء نوري المالكي أدلى بدلوه هو الآخر من خلال تصريحات تعزز هذه الفكرة و تجذّر لها، حيث قال: “الحكومة المقبلة ستكون حكومة الحاصل على الأغلبية لتمثيل جميع المكونات ‏العراقية، وأن لا تكون مُشّكَلَة على أساس المقاعد و الأرقام”. ‏
و فيما يتعلق بوجهة نظر الجانب الأوربي، فأنها هي الأخرى باتت تقترب من وجهة نظر الجانب الأمريكي، فيما يتعلق بضرورة أن تحظى الحكومة العراقية المقبلة بمقبولية من قبل الشعب العراقي أولاً و الذي سيكون هو الأساس و كلمته لها الفصل بتفضيل جانب على آخر، و كذلك من المهم جداً أن ينظر العالم إلى عراق موحد متكاتف فيما بينه بعيداً عن الصراعات الطائفية التي ألقت بظلالها على المشهد العراقي طيلة السنوات التي تلت الاحتلال الأمريكي للعراق.

إلى ذلك، عقب المحلل السياسي في “مؤسسة اتجاهات حرة للإعلام و الثقافة الدولية” عن ذلك، بالقول: “أصبح من المُشكل التخلص من هيمنة التأثيرات الإقليمية و الدولية على المشهد السياسي في العراق”، موضحا “لقد بات من الراجح بوجود حلف و تفاهم “إيراني- قطري بمباركة أمريكية” يدعم أطرافا معينة في العراق مقابل حلف “سعودي- سوري- تركي” يسعى هو الآخر بالضغط بقوة لدعم أطراف أخرى يعول عليها في تغيير المعادلة السياسية في العراق و لا يخلو هو الآخر من مباركة الولايات المتحدة الأمريكية، المحرك الأكبر و الممسك بقوة بخيوط اللعبة في اغلب الأحيان”.
و أشار إلى أن “ائتلاف وحدة العراق” بدأ يجذب إليه الأنظار بقوة، و يسعى البولاني بحرص شديد و عملٍ دؤوب، إلى جذب الفرقاء في المذهب، ساعياً إلى تكوين تحالف عريض يخوض به الانتخابات المقبلة مدعوماً من قبل تيارات و أحزاب سياسية و عشائر و شخصيات أخرى نافذة داخل الساحة العراقية، و بات واضحاً أنه يحظى بدعم معظم الدول العربية، فضلاً إدارة أوباما الجديدة.
و فيما يتعلق بترجيح الدعم الأمريكي للبولاني و تفضيله على غيره في المرحلة المقبلة، أوضح المحلل السياسي قائلاً: “أن ما يميز البولاني عن غيره في هذه المرحلة يتمثل بتحركاته و خطواته التي لها مدلولاتها العفوية و مداعبته لمشاعر شرائح كثيرة في المجتمع العراقي من الذين أتعبتهم وعود السياسيين المستهلكة و التي أدار الشارع العراقي إليها ظهره و أشاح بوجهه عنها و المتمثلة بتحركاته و قربه من الرياضيين و الفانيين و الإعلاميين و المهاجرين و تركيزه على شريحة الشباب التي أخذ يكثف جهوده عليها بشكل واضح في حملته الانتخابية.
و قد أدركت الإدارة الأمريكية أن التغيير المرجو في العراق سيعتمد بصورة كبيرة على إرادة جيل الشباب بصورة خاصة، كونهم النسبة الأكبر من عدد الذين سيحق لهم التصويت في الانتخابات المقبلة و الأكثر تحمساً للذهاب إلى صناديق الاقتراع لحسم المعركة الانتخابية المقبلة، بعد الخيبات المتكررة للنساء و كبار السن التي ضاعت آمالهم مع الوعود السياسية التي جف ضرعها متناغمة مع الجفاف الذي أصاب الرافدين العظيمين”.

و أوضح المحلل السياسي لـ “اتجاهات حرة” قوله: “أن هناك توجهاً أمريكياً جديداً غذته شخصيات عراقية و إقليمية نافذة و قريبة من مصادر القرار الأمريكي، يفيد بضرورة الاعتماد على “عراقيي الداخل” في إدارة الحكومة المقبلة، بعد تجربة تكاد تكون فاشلة، لثلاث حكومات متعاقبة من قبل “عراقيي الخارج” الذين جاؤوا محملين بتوجسات و قناعات مفادها أن كل “أهل الداخل” هم “بعثيون”، طالما كانوا متأقلمين مع حكومة صدام حسين، فضلاً عن جهل معظم القادمين من أراضي المهجر الغربية و الدول المجاورة، بهموم العراقيين الحقيقية و تطلعاتهم، و ذلك بسبب الانقطاع في التواصل الذي كان صعباً و يكاد يكون مستحيلاً بفعل القوانين و الهيمنة الأمنية و الاستخبارية لأجهزة النظام السابق.
و من وجهة نظر أخرى يتبناها الكثير، فإن “عراقيي الخارج” هم القادمون على ظهر الدبابات الأمريكية المحتلة للعراق و أن سبب الدمار الذي حلّ بالبلاد كان بمساعدتهم و بتأثير مباشر و غير مباشر منهم، فضلاً عن اقتران فترة حكمهم بملفات الفساد الخطيرة التي لم يشهد العراق مثيلاً لها خلال فترة قياسية و قصيرة لهم في الحكم، إضافة إلى التهجير الطائفي و انعدام الخدمات.
و للتخلص من هذه الإشكالية، يبدو أن الإدارة الأمريكية باتت تفضل شخصية عراقية تحظى بمقبولية “أهل الداخل العراقي”، خاصة من قبل الجانب السني على اعتبار أن الجانب الشيعي مضمونة ولاءاته لشخصية شيعية مرشحة لرئاسة الوزراء، و ما دخول أبو ريشة مع البولاني في هذا الائتلاف إلا عبارة أن إشارة واضحة بضرورة أن تكون رموز الحكومة المقبلة في غالبيتها من “عراقيي الداخل” الذين تم تهميشهم في إدارة الدولة العراقية الجديدة، خاصة فيما يتعلق بكرسي رئاسة الوزراء الأكثر أغراءً، لرمزيته المتمثلة بالقوة التنفيذية الكبيرة المتضمنة سلطة القيادة العامة للقوات المسلحة.
و من هنا تتضح الدوافع التي تجعل البعض يشن حملات التشويه و التخوين و استهداف البولاني من قبل الحكومة الحالية و لماذا يكثر الهمس اليوم عن حكومة تصريف أعمال تشل فيها يد رئيس الوزراء المالكي عن إكمال اللعبة، و التطبيل الآن لحالة الفراغ دستوري المرتقب، بعد نقض الهاشمي لقانون الانتخابات، كما يتم الترويج و التهيئة في الوقت نفسه لـ”ائتلاف وحدة العراق لتشكيل الحكومة المقبلة و التي جاءت تصريحات أبو ريشة و البولاني صارخة و جلية و محملة برسائل و أشارات عدة، بقولهما من خلال تصريحات إعلامية متعاقبة “نحن عازمون على تشكيل الحكومة المقبلة في العراق”!