الرئيسية » مقالات » من ليبراليات الخاصة إلى الليبراليات الشعبية

من ليبراليات الخاصة إلى الليبراليات الشعبية

-1-
كانت الليبرالية في البدء واحدة، ولكنها مع تقدم الزمن وظهور عوامل تاريخية مختلفة أصبحت الليبرالية متعددة، شأنها شأن الأديان السماوية التي جاءت في البدء واحدة، ثم تعددت مع مرور الزمن وتشعبت.
إذن، هناك الآن عدة ليبراليات عربية، وليست ليبرالية عربية واحدة. نقول الليبراليات العربية، وليست الليبرالية العربية الواحدة ، لأن في العالم العربي أكثر من ليبرالية مختلفة. صحيح أن الليبرالية واحدة في البدء، وأركان الليبرالية الأساسية الخمسة هي:
1-الحرية الفردية الكاملة.
2- احترام حقوق الإنسان وإبراز قدرة الإنسان الفرد العقلية على حل مشاكل عصره.
3- المساواة بين كافة المواطنين بغض النظر عن الجنس أو اللون أو العقيدة.
4-الديمقراطية.
5-التسامح والاعتراف بالآخر وحريته في المعتقد.
أما التفاصيل الأخرى فهي تعود إلى ظروف وواقع وتاريخ كل بلد على حدة.
وهذه الليبراليات العربية لن تستطيع تحقيق وجود ثابت وكبير على الأرض في مؤسسات الدولة الدستورية، كمجلس النواب، أو مجلس الأمة، والقضاء، والإعلام، والجيش، ما لم تدرس دراسة كافية الإستراتيجية التي وضعتها الأحزاب الدينية/ السياسية في العالم العربي والإسلامي، والتي تم من خلالها اختراق صفوف العامة، وتحاول الاستفادة من هذه الإستراتيجية، بأن تضع لنفسها إستراتيجية جديدة خاصة، مستوحاة كذلك – وبشكل خاص – من إستراتيجية الحبيب بورقيبة التي نجحت نجاحاً كبيراً في تحويل تونس من مجتمع كهنوتي تقليدي إلى مجتمع ليبرالي عصري، ما زال قائماً، بعد نصف قرن من عمر هذه التجربة، وتحقق أهدافاً كبيرة. ولم تنته البورقيبية برحيل بورقيبة، كما انتهت الناصرية برحيل عبد الناصر.
-2-
إن استلهام الليبراليات العربية للإستراتيجية الليبرالية البورقيبية، هو خير حل لأزمة الليبراليات العربية. وقد أفصحت عن نجاح الإستراتيجية الليبرالية البورقيبية الباحثة التونسية زهيَّة جويرو، حين قالت: “إن الحراك الذي شهده المجتمع التونسي منذ الاستقلال، وأدى في مرحلة أولى إلى انحسار مجال فاعلية ]الإسلام الشعبي[، وانحسار مؤسساته وفقدانه عدداً من وظائفه، وفقدان منظومته الرمزية والطقوسية، لتتحول إلى شتات من الممارسات، بدت لنا محكومة بجملة من المتغيرات منها الاجتماعي والمستوى التعليمي والسن والجنس.” (“الإسلام الشعبي”، ص 126). ومما ساعد على نجاح الإستراتيجية الليبرالية البورقيبية “اختيار تونس لطريق التقدم عبر إقامة أوثق الصلات الاقتصادية منها، وبالذات مع الغرب لكي تتجنب تونس المآسي التي حلَّت بدول المشرق العربي، سواء على صعيد البناء الداخلي، أو التحالف الخارجي.” (أسعد عبد الرحمن، “الإنماء السياسي في التجربتين الناصرية والبورقيبية، ص82).
-3-
أما الليبراليات العربية، فعليها أن تقوم بعملية اختراق للطبقة الوسطى والعامة، كلٌ في بلده، ومراعاة لظروفه وواقعه على الأرض، وتحاول تحقيق هذا الاختراق من خلال:
1- الكف عن كتابة المفكرين الليبراليين لأنفسهم، أو للمريدين القلائل من حولهم، أو ما يُطلق عليهم “الخاصة” الذين أشار لهم ابن رشد (1126-1198)، ووجه لهم خطابه الفلسفي. وتغيير أسلوب ولغة الخطاب الليبرالي العام وتوجيهه للعامة، وليس للخاصة. فالليبراليات العربية، ليست فلسفة خالصة، لكي تكون للخاصة فقط، بقدر ما هي تطبيقات على أرض الواقع ويشارك في تطبيقها ملايين الناس من العامة. كما أن النخب الخاصة لا تحتاج إلى مثل هذا الخطاب، لأنها تعلمه مسبقاً، وتفهمه. ولكن العامة، هي التي بحاجة إلى أن تفهم، وتتعلم، وتعي، ما يدور حولها. والعامة اليوم بوجه عام، جاهزة لكي تسمع، وتقرأ الخطاب الليبرالي، بعد أن “لم يعد المقدس مقدساً دينياً محضاً. بل إن القيم التاريخية الحديثة كالتنمية، والحرية، وسائر حقوق الإنسان، أضحت موضوعاً من مواضيع المقدس. كما أصبح المقدس يتجلّى في تعابير فنية متنوعة، كالسينما وأبطالها، والموسيقى ورموزها. وبذلك اهتز الرأسمال الرمزي القديم ومناخه الأسطوري، ليُفسح المجال أمام أساطير جديدة، ذات أصل علماني جمهوري كما يقول محمد أركون.” (“الإسلام الشعبي”، ص 117). إذن، أصبحت الطريق سالكة الآن، وعلى هذا النحو، أمام الليبراليات العربية الشعبية لكي تتقدم من جمهورها. وفي ظني أنها ستلقى قبولاً محموداً، سيما وأن العامة كما قالت الباحثة التونسية زهيَّة جويرو، وقد أصبح لها مقدساً جديداً، من أركانه: الحرية، والمساواة، وحقوق الإنسان، وتلك هي بعض أركان الليبرالية أيضاً. وهو ما تُطلق الباحثة “دنيوة المقدس”؛ أي اقتراب المقدس من الدنيوي الحياتي المنفعي اليومي. وترى جويرو أن علامات الدنيوية هذه هي:
– تفكك التركيبة الطقوسية، التي كانت تشكل منظومة متكاملة، فأضحت شتاتاً من الممارسات الخاضعة لنسق الحياة العصرية.
– غلبة الدوافع الدنيوية على ما يمارسه الفرد من طقوس، كطلب الشفاء من مرض، أو النجاح في امتحان، أو ردِّ عين حاسدة، أو المشاركة في احتفال تغلب عليه الممارسات الدنيوية والاستهلاكية.
– تفكك “الإسلام الشعبي” (وهي خسارة كبيرة للأحزاب الدينية/السياسية، التي يمثل المسلمون الشعبيون لُحمتها وسداها) الذي مثَّل منظومة انتماء، لم يلبث أن تفكك نسيجه، تحت وقع محاولات التحديث والعلمنة التي رافقت مشروع بناء الدولة الوطنية. (“الإسلام الشعبي”، ص 118-119).
2- عدم إقحام تاريخ الليبرالية في العالم – وخاصة ليبرالية عصر التنوير الأوروبي – في الخطاب الليبرالي الجديد، تجنباً لتهمة التغريب التي ُترمى به الليبراليات العربية عادة، وتنفِّر العامة من الدعوة الليبرالية، حيث يتم ربط الليبرالية الغربية، بعهود الاستعمار الأوروبي للعالم العربي (1918-1971)، وبالقضية الفلسطينية، وبدعم إسرائيل، وبغزو العراق وأفغانستان، والسكوت الأمريكي والأوروبي عن بناء المزيد من المستعمرات اليهودية في الأراضي الفلسطينية، وفشل الإدارات الأمريكية المتعاقبة على الضغط على إسرائيل لقيام الدولة الفلسطينية المنشودة، رغم الوعود الأمريكية الكثيرة.
3- عدم خشية العامة أو سواد الناس الذين يؤدون طقوس “الدين الشعبي” من الأفكار الليبرالية. فالديني الشعبي “منفتح على أغلب الفئات الاجتماعية لأن القواعد فيه محدودة، وقابلة للخرق، خلافاً لصرامة قواعد العقيدة الرسمية ولثباتها وانغلاقها.” (“الإسلام الشعبي”، ص 125). ومن هنا يجب توجيه الخطاب الليبرالي للعامة وليس للخاصة، ومنهم معظم رجال الدين المنتفعين بالمظلة الدينية، وإضاعة الوقت والجهد في مماحكات لا طائل من ورائها مع هؤلاء الفقهاء المتزمتين، الذين يجب تركهم للزمن العالمي الليبرالي المتسارع، الذي تتقدم فيه الخطوات الليبرالية العربية ببطء شديد، نتيجة عدم التوجه بالخطاب الليبرالي للعامة، وإتباع “إستراتيجية الهمس الليبرالي” داخل قاعات الندوات المغلقة والمؤتمرات النخبوية فقط، وعدم إتباع الإستراتيجية الليبرالية البورقيبية الناجحة. أما التقدم الليبرالي العالمي السريع، فيتم الآن من خلال منجزات العصر الحضارية، وتحقيق العلم نجاحات مدهشة في كل يوم تقريباً. فالزمن في صالح الليبرالية، وليس العكس. بل إن الأحزاب الدينية/السياسية التقليدية، تخسر في كل يوم سهماً نتيجة “إعادة التفكير في موقع الإسلام من التشريع بمناسبة طرح قضايا الحكم ونظامه، والمرأة وأوضاعها، والقانون وعلاقته بالفقه الإسلامي.” (“الإسلام الشعبي”، ص 125).