الرئيسية » مقالات » أبو محمود بين أوباما والبابا..!

أبو محمود بين أوباما والبابا..!

– حضرة الطبيب يمكن أن أدخن سيجارة أو نرجيلة أو سيجار؟
+ قلت لك مبارح أن الدخان يُزيد مرضك خطراً، ممنوع التدخين ولا “مصّة”، لماذا تسأل من جديد؟
– أملت أن يكون قد تمّ اليوم اكتشاف طبي جديد بهذا الخصوص.!

لا يوجد في هذا العالم إنسان غير مهم، لا يمكن الاعتراف بالفكرة التي تقول “أن كل إنسان يمكن تعويضه”، أعتقد أنه لكل شخص مكانته ومكانه ودوره وربما دورته ودائرته –المغلقة منها أو المفتوحة، وحتى الشحّاذ أو النصّاب أو المنصوب عليه أو لأجله، يعتبر أحد المساهمين في عملية دكاكين اقتصاد السوق، وفي هذا السوق السوقيّ كيف يمكن طرح السؤال؟!.
اتصال هاتفي من بين اتصالات لا عدد لها، اتصال واحد، والجواب، لا.!
ليس من شركة التأمينات، ولا من مكتب سفريات، ليس من ممثل مصرف يريد بيع خدماته البنكية، ولا من مكتب استطلاع للرأي حول درجة ونسبية إسلام باراك حسين أوباما، ليس من أجل التبرع لجمعية “يانصيب النضال الجهادي” ولا حتى للرد على تساؤل معلّق على رأس لسان نسيه أحد الأذكياء.
لا أعرف من هو، حتى الآن لا أعرف، رغم أنه عرّف عن نفسه، وأراد أن يقاسمني بمعلومات مهمة عن أشياء مهمة، أو ربما عن أشخاص يقومون بأعمال مهمة، وقد تكون مهمة أكثر مما أتوقع، وبلا شك أنها معلومات مهمة لنا نحن الاثنان – قالها وتابع حديثه: “يمكن أن نلتقي ولمدة حوالي نصف ساعة؟”.
في هذا العالم يصبح الإنسان حذراً بشكل آلي، وعندما يُفكّر الشخص أن بعض الذين يعرفهم وأكل وشرب معهم، أو كما يُقال “فيه خبز وملح” يتعاملون مع الأخلاق والمصداقية والشفافية ومع القيم بشكل عام من خلال نسبية إينشتاين وليس من خلال ملح لافوازييه، وبدون معرفة قانون التراكم، لذا يكون مفهوماً أكثر هذا السلوك الآلي لرد الفعل الغريزي.
قلت له، لا!. وبدون تفكير أقفلت التليفون. لم أعرف ماذا كان يريد، وربما لن أعرف.
استثناءٌ لا يُنسى. أنا لا أدير ظهري لبعض “الأصدقاء” –لأنني لا أثق بهذا البعض.!(حديث مسنود بحصوة)..

بعد هذه المقدمة الجدية الباردة التي لا علاقة لها بالسخرية، لأن الإنسان المهم أو ذو الهمة –وليس المهموم، لا تربطه بالسخرية سوى نتيجة أعماله والتي غالباً تكون بعيدة عن “المسخرة”، ويبقى يعتقد نفسه مهماً على أمل انحسار الحسرة. ما يحمله بريد النت الزاجل من أخبار ورسائل يقرأها الطالع والنازل، مهما تأخرت ستصل وتطرح كل شيء بلا خجل، حتى لا يبقى فاعل مبني للمجهول خلف الفعل، وسيجرّ الأمس بدون غطاء ويفرش غسيله أمام المستقبل..
وبعد ازدياد الحرارة في العلاقة مع “فرنسا ساركوزي” –التسمية استعرناها من هنا بعد استخدامها كتقليد مُتبّع في بعض الكروم والحدائق المعلقة التي تُديرها عائلة “العراب الصقلي، الباتشيني”، وكان الأخوة في الدين العثمانيين قد اخترعوا هذا المفهوم في القرون الخيرة لضيافتهم الخلافية في بلادنا التي أعطاهم الله حق حكمها وبتحكم مُحكم لهم ولذريتهم، وصارت المدن والقرى تُلّقب باسم واليها و”مالكها”، وحتى لا نُسمى بالكفر والزندقة لذا لا نقول الاحتلال العثماني، ولن نتطرق إلى السياسة كي لا نقوم بإضعاف وهن الأمة القوية والصلة بأعداء الوطن الذين نكره علاقتهم ولقاءهم وشمشمة ريحتهم …إلخ.
أعتقد أنه يجب الرجوع لموضوعنا المرتبط بكلمة “بَعدْ أو بُعِدْ” وقَبِلْ أو قُبَلْ”، وسبحان من أعطاه الله ويستاهل.. المهم، وبعد تغميق العلاقة الحارة وتفقيسها -ليس خيار وفقوس ومصالح أكثر غمقاً وحرارة مشتركة، وبعد ترجمة ميثاق حقوق الإنسان والعصافير والديوك للغة الفرنسية لقصر الإليزيه، وبعد انحسار البعد الرابع بعد البعد الثالث، -خصوصاً بعد مرور حوالي أربعة عقود على انطلاق الحركة التصحيحية المباركة والتي صححت “العصفورية” وخربطت حركة نيوتن، لأن حركتنا الصحيحة كتبت على كيس السكر كلمة “ملح” من أجل طرد الذباب عنه، وأكدت أن الذباب رغم طفيليته وسرعة تكاثره له دور في دورة حركة الحياة الدائرة، لاسيما الدواء الموجود تحت جناحه الأول لمقاومة إنفلونزا الخنازير وأولادهم. وبعد اكتشاف بعض اللحى الممشطة والمحنّاة وبعض الجباه “المزببة” وقنوات الصرف والنحو الصحيّ لجزيرة روبنسون –بعد اكتشافهم بطلان نظرية داروين “اليهودي”، وقبل معرفة أبعاد مكانة أبو محمود، وقبل بَعد آخر شيء يظهر في نهاية هذه الصفحة وبعد..
في هذا العالم الخالي من الأبعاد يصل رئيس شركة “خَلّوفرانس” السيد خلّوستاني، في زيارة إلى مركز الشركة السورية الفرنسية المتعددة الأبعاد المشتركة، والواقعة في ضواحي مدينة عَذرا غير البعيدة عن دمشق، -عَذرا لا علاقة لها بالعذارى والجنس-.
تحضيرات كبيرة سبقته، لافتات باللغتين العربية والفرنسية، من آيات الذكر الحكيم –الذِكِرْ بالكسر وليس بالحركة الواقفة-، أعلام وصور، صبايا غير محجبات -حتى الآن- على طول الصف حاملات كشاشات ذباب وعا بتهوّي للمعلم، مؤذن الشركة يدعو بطول العمر للرئيس وبقصف العمر للذي لا يدعو …إلخ.
ولحظة وصول رئيس الشركة وأول كلمة يقولها:
– لك وين أبو محمود الجهدواي؟ بدي اطمأن عليه..
تدور العيون في محاجرها 1970 درجة متسائلة ومستغربة بصمت. يركض رئيس القسم ومعه معاونوه من أجل إحضار السيد أبو محمود من مكتب دراسات مكانك راوح الاستيتية –وبالمناسبة رئيس القسم في الشركة هو نفسه مستشار أبو محمود-. ولحظة وصوله فوراً يرحب به رئيس الشركة بفرح منقطع النظير:
– أهلاً أبو محمود، بونجوغ، نوّغتنا.. سعادة أن أراك. أخي، المساء فيه عندنا حفلة حلوة بالبيت، راح إبعث السائق بالرولس رايس حتى ياخذك من شان نسهر سوى.
في اليوم التالي يتأخر أبو محمود عن العمل صباحاً، ويسأله رئيس القسم بفضول عن سبب التأخر، ويكون جوابه، بأنه أمضى أكثر الليل في حفلة رئيس الشركة، وشربوا شوية زيادة، لهذا السبب ما فاق بكير من النوم.
طبعاً يسكت رئيس القسم ويبلع ريقه مع بلعة من بطحة عرق إم سعدى..
بعد أسبوعين، يصل رئيس فرنسا الحرة في زيارة للشركة، وطبعاً تحضيرات ضخمة أكثر من الأولى، كل العاملات والعاملين الذين لا يزيد طول الواحد منهم عن 170 سم. وقفوا لاستقبال الضيف الكبير، ولحظة نزول الرئيس ساركوزي من سيارة المراسم يسأل فوراً عن أبو محمود:
– وين يمكن شوف أبو مهمود الجهداوي؟
ومن جديد تعجب على الوجوه، وآلاف الأسئلة الصامتة في العيون المتأرجحة حول اللافتات والصور، اختلاط الشهيق والزفير مع السعال –غير الديكي- من شدة الحيرة. وطبعاً يحضر أبو محمود باللباس المدني.
– أهلاً أبو مهمود، “شَالوم أليكوم”، كيف الصحة، شلونك؟ المساء عندنا حفلة في استانبول، آخر النهار ببعث الهليكوبتر من شان تاخذك، انشاء الله ما يكون عندك شيء شغلة ثانية.
وفي اليوم التالي يتأخر أبو محمود عن العمل، وطبعاً رئيس القسم -المستشار لم يتجرأ على سؤاله عن حفلة المساء. لكنه لا يستطيع السكوت بدون سؤاله عن كيفية معرفته لأشخاص مهمين جداً، ويرد أبو محمود أنه يعرف شخصياً حتى البابا والرئيس أوباما أيضاً.
يشحب لون رئيس القسم من شدة تعجبه ويفتح فاه وفيه تقف عَصاة التعجب متكئة على نقطتها، وتتعثر الكلمات بين ثغور أسنانه البيضاء وتغيب في الدخان الأبيض، وتتحملق عيناه غير مصدقة ما تسمعه أذناه، وتدور في رأسه صور الجداريات والمسيرات والتماثيل والتمثيل متضاربة مع نضارة سيقان الصبايا –يبلع ريقه من جديد، ويُحدّث نفسه كرئيس القسم وهو المستشار الأول لأبو محمود ويعرف عنه الكثير من الآخر للأول لكنه لم يكن يعرف كل هذا. ولإثبات ما يقوله أبو محمود ومحبة بمستشاره الأمين رئيس القسم، يقوم أبو محمود آخر النهار ويأخذه معه في طيارة لا يُعرف كيف استطاع أبو محمود تدبيرها، المهم يطيرا إلى الفاتيكان وطبعاً بدون نسيان جواز السفر–خصوصاً أن الرئيس أوباما أيضاً في زيارة للبابا مع الماما ميتشل-.
يقف أبو محمود ورئيس القسم في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان ويقول: انتظر هنا سبع دقائق، وأنا سأذهب إلى البابا ومن تلك الشرفة رقم 39–وأشار للغرب الفوقاني- سأظهر وسألوّح لك بيدي.. سبع دقائق فقط..
بعد سبع دقائق فعلاً يقف هناك أبو محمود على الشرفة بين أوباما والبابا. وفي هذه اللحظة ولشدة الدهشة يُغمى على المستشار رئيس القسم ويسقط على الأرض، وعند ذلك يتقدم سائح ياباني من بين مجموعة سياحية ويقوم بإجراء تنفس اصطناعي لرئيس القسم حتى يعود إلى وعيه وينهض واقفاً بصعوبة، ثم يسأله السائح الياباني مطمئناً عن صحته وعن سبب وقوعه والإغماء عليه، لكن رئيس القسم يرد بصعوبة ويُشير بيده إلى الشرفة:
– هل ترى ما أراه؟ هناك في الشرفة؟
ينظر السائح الياباني باتجاه الشرفة ويقول متسائلاً وبلهجة نصف قروية: ييييييي.. مين اللي واقفين هناك حول أبو محمود؟.

بودابست، 19 / 11 / 2009، .