الرئيسية » شؤون كوردستانية » السيد أحمد أبو ريشة والقضية الكردية

السيد أحمد أبو ريشة والقضية الكردية

قطعت القضية الكردية في العراق شوطاً طيباً على طريق الحل الصحيح في إطار الدولة العراقية, بعد أن عاني الشعب الكُردي بشكل خاص وبقية أبناء وبنات الشعب العراقي من القوميات الأخرى محاولات تصفية القضية الكردية بقوة السلاح والتي انتهت لا بالفشل الذريع فحسب, بل وسقوط كل النظم التي حاولت التصدي لحقوق الشعب الكردي المشروعة, إضافة إلى مئات ألوف الضحايا الغالية والخسائر المالية والحضارية. فمنذ أن تحرر إقليم كُردستان العراق من هيمنة وسطوة البعث الفاشي والدكتاتورية الغاشمة في نهاية النصف الثاني من العام 1991 وتسلم السلطة من جانب القوى الكردستانية وانتخاب البرلمان الكردستاني الذي أقر الفيدرالية الكردستانية في إطار الدولة العراقية, وبعد سقوط النظام العدواني في بغداد, جرى تكريس هذا الحل الصحيح في الدستور العراقي الذي صوت له غالبية الشعب العراقي ثم إقرار ذلك من جانب البرلمان العراقي في العام 2005, رغم الطبيعة التي نعرفها عن هذا البرلمان..

ولا شك في أن تنشأ مشكلات ملموسة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم بصدد الكثير من القضايا المهمة والثانوية بالارتباط مع عدة حقائق, منها:

** إن العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم حديثة العهد والتجربة قليلة في سبل التعامل والتعاون والتكامل, وهي تحتاج إلى فترة غير قصيرة من الزمن وتراكم الخبرة.

** عدم وجود قوانين تحكم هذه العلاقة بالملموس في ضوء الدستور العراقي والتي كان يفترض وضعها من قبل البرلمان العراقي.

** وجود مشكلات معقد واختلاف في وجهات النظر بشأنها, ومنها قضايا كركوك وخانقين وغيرها, أو عقود النفط أو الميزانية …الخ التي تستوجب المزيد من الصبر والهدوء في معالجتها لصالح العراق الديمقراطي الاتحادي وبعيداً عن أجواء التهديد والوعيد وجعجعة السلاح.

** دور دول الجوار في تشديد الاختلاف والخلاف والسعي لتحويله إلى صراع فنزاع يأكل الأخضر بسعر اليابس في كل العراق.

في الآونة الأخيرة بدأت بعض القوى السياسية العراقية, وبدعم إقليمي ملموس تشكك بهذا الحل السليم وتطرح نهجاً لا يختلف بأي حال عن نهج صدام حسين ورهطه ولا عن نهج القوى القومية الشوفينية التي فشلت في فرض حلولها السابقة على الشعب الكردي خصوصاً والشعب العراقي عموماً من خلال التصريحات التي تعبر عن رفضها للحل الذي توصل إليه الشعب العراقي. فآخر التصريحات التي أدلى بها رئيس مجلس صحوة الأنبار السيد أحمد أبو ريشة تشير إلى هذا النهج القديم الجديد الخطير الذي يمكن أن يدفع بأوضاع العراق إلى متاهات جديدة وعواقب وخيمة على الجميع. فقد ذكر في تصريحاته ما يلي:

“إن الأكراد استفادوا من الصراع السني الشيعي لصالحهم، فمنذ الستينات وهم ضد العراق الموحد، ولهذا قاتلهم النظام السابق، الذي أضطر للتنازل عن جزء من أرض العراق لإيران مقابل إيقاف الدعم للأكراد (ضمن اتفاقية الجزائر عام (1975)، ثم ألغى النظام السابق الاتفاقية مع إيران ودخلنا حربا معها، والأكراد لم يكونوا معنا بالحرب وأنا كنت ضابطا في الجيش العراقي حينها.” ثم يواصل حديثه فيقول:

أن «الأكراد يطالبوننا اليوم بكركوك، وهم لهم إقليم وحكومة وميزانية تبلغ 17 في المائة من مجمل التخصيص العام، وهذا ناتج عن الخلاف ما بين الشيعة والسنة، هذه لا تسمى سياسة بل هي مهزلة واستغلال ظرف صعب نمر به». وأضاف «نحن نقول لهم إذا لا ترغبوا بنا خذوا محافظاتكم الثلاث واذهبوا ولا تشجعوا الخلاف بيننا، يمكن أن نعمل تحالفا قويا بين الشيعة والسنة ونشكل الحكومة ونخرج الأكراد ويبقى العراق إما 18 محافظة أو 15». ويتألف إقليم كردستان العراق من ثلاث محافظات هي أربيل والسليمانية ودهوك”.

وقال أبو ريشة إن «رئيس الوزراء نوري المالكي لم يتفاوض مع الأكراد نهائيا، ويمكن القول إنه كان الأشد عليهم من غيره، وقال لهم أما انتم مع العراق الواحد أو لا»، واستطرد قائلا «لم يعد هناك الآن شيء اسمه أقاليم فهذه الفكرة تبناها الائتلاف العراقي الموحد (يتألف من القوى الشيعية)، وألان هو أول من شكل تحالف وطني الآن وهكذا بقية الكتل كلها شكلت تحالفات وطنية، كما أن أهل الجنوب رفضوا الفكرة برمتها وصوتوا على عدم قبولها بشكل رسمي بإشراف الأمم المتحدة، إذا هو مشروع فاشل ولا يمكن تحقيقه”. راجع: شبكة دولة القانون, أخذ النص بتاريخ 18/11/2009).

ماذا يتضمن هذا النص الذي طرحه السيد أحمد أبو ريشة؟ يمكن تلخيص أفكاره بالنقاط التالية:

1. إن الأكراد كانوا ضد وحدة العراق, تماماً كما كان يدعي صدام حسين ذلك وكل القوى العربية الشوفينية المتطرفة التي وجدت في مطالب الكُرد العادلة تقويضاً لوحدة العراق لكي تستطيع تعبئة الناس العرب في العراق والعالم العربي ضد الشعب الكردي ومناضليه. إن هذا الطرح يذكرنا بمحاولات نعت كل من يطالب بحقوقه القومية المشروعة بأنه يريد تدمير وحدة العراق, في حين أن السياسات الشوفينية التي يريد أحمد أبو ريشة العودة إليها وممارستها هي التي تسببت في تدمير العراق وهي التي يمكن أن تتسبب مجدداً في تدمير العراق إن تسنى له العودة بالعراق إلى الوراء, كما يحلم بذلك, وهي أضغاث أحلام وكابوس مزعج.

2. وأنهم السبب في عقد اتفاقية الخيانة بين النظام ألصدامي وإيران في الجزائر. هذا ادعاء وترديد لإدعاءات النظام ألصدامي, في حين كان عليه أن يدرك بأن رفض مطالب الشعب الكردي ومحاولة الالتفاف على الحكم الذاتي حينذاك ومحاولة اغتيال ملا مصطفى البارزاني …الخ, إضافة إلى الذهنية العسكرية والفاشية والتوسعية وجنون العظمة لدى “القائد الضرورة!” صدام حسين, هي التي كانت ضمن الأسباب الأساسية وراء ما حصل في العراق حينذاك وعقد تلك الاتفاقية المذلة مع شاه إيران من أجل ضرب وتصفية الحركة الكردية التحررية المسلحة والتي عادت من جديد بعد فترة وجيزة لأنها قضية مشروعة وعادلة.

3. وأن الحرب التي خاضها النظام كانت بسبب فسخ الاتفاقية من طرف واحد وخاض الحرب من أجلها. إن السيد أبو ريشة لا زال يحن للماضي ألصدامي الذي لن يعود حيث كان ضابطاً في الجيش العراقي, ولا زال يرى إن الحرب ضد إيران كانت سليمة وعادلة وليست مجنونة وجريمة بشعة أرتكبها النظام العراقي حينذاك والتي ولدت بدورها حروباً أخرى أكثر إجراماً وجنونا, ومنها غزو الكويت, في حين أن الشعب العراقي بأكثريته قد أدان تلك الحرب المجنونة وبقية الحروب العدوانية التي شنها النظام العراقي في الداخل والخارج. وبسبب تلك الحروب فقد العراق جزءاً جديداً من أراضيه في ما عدا تلك التي أهداها للغير.

4. وأن الأكراد لم يكونوا معنا في الحرب, بل كانوا ضدنا. إن هذا القول يتفق مع المشهد البعثي ألصدامي الذي قام بعمليات مجازر الأنفال وحلبچة بحجة أن الكُرد وقفوا مع إيران في الحرب العراقية – الإيرانية. رغم أنه لم يذكر ذلك صراحة, ولكن في خلفية تفكيره تكمن هذه الفكرة ألصدّامية.

5. ثم يعود السيد أبو ريشة لينكر وجود إقليم كردستان القائم رسمياً ووفق الدستور العراقي ويريد إلغاء ما هو قائم, والغريب بالأمر أنه يدعي بأن اللقاء الكردي الشيعي هو الذي منح الكُرد إقليماً, ولم يدرك بأن إقليم كردستان العراق ووجود الكُرد في هذه المنطقة هو أقدم بكثير من وجودنا نحن العرب, وأبو ريشة عربي أيضاً, في هذه المنطقة أولاً, وأن فيدرالية إقليم كردستان نهضت في العام 1992 ولم تكن الأحزاب السياسية الشيعية في الحكم بل في المعارضة وكان صدام المدعي بأنه سني على رأس الحكم, وهو الغريب والدخيل على أتباع هذا المذهب ثانياً, وأن الاتفاق بين كل قوى المعارضة العراقية بمن فيهم القوى السياسية السنية قبل سقوط النظام وفي فترة النضال ضده كانوا قد اتفقوا على الاعتراف بالفيدرالية في إقليم كردستان ثالثاً, وكان ذلك قبل وصول القوى الراهنة إلى الحكم. فما دخل التحالف الشيعي – الكردي في هذه القضية؟ التحالف الشيعي الكردي له دخل في موضوع فيدرالية الجنوب كجزء من الفيدراليات عموماً, أي كان موقف هذا التحالف لصالح فيدرالية الجنوب التي كان يسعى إلى إقامتها المجلس الإسلامي الأعلى والتي رفضها الشعب العراقي بأغلبيته, ولكن الشعب لم يرفض فيدرالية كردستان التي هي لشعب كردي غير الشعب العربي ولقوميات أخرى تسكن كردستان العراق, الكلدان والآشوريين والتركمان وجمهرة غير قليلة من العرب أيضاً, ضمن إقليم كردستاني يشكل مع الإقليم العربي الجمهورية العراقية الاتحادية. إن هذا هو جزء أصيل من حق الشعوب في تقرير مصيرها ومن حق الشعب الكردي أن يقرر ذلك دون وصابة من أحد ولا حتى من رئيس مجلس صحوة الأنبار السيد أبو ريشة.

6. إن أحمد أبو ريشة يدعو إلى اتفاق ووحدة بين الشيعة والسنة لا لغرض تحقيق الوحدة العراقية, بل من أجل الوقوف بوجه الشعب الكردي, وبالتالي فهو يدعو عملياً إلى التقسيم أو إلى حرب جديدة ضد الكُرد حين تتحقق وحدة السنة والشيعة! إن هذه الفكرة هي من أسوأ الأفكار التي يمكن أن ترد على الطائفيين, فكرة أن يتحدوا لا لغرض خير وسليم بل من أجل الوقوف بوجه مكون آخر من مكونات الشعب العراقي الأصيلة. إنه الجنون بعينه, إنها المأساة والمهزلة في آن واحد في عراق اليوم, كما كانت في عراق صدام حسين من حيث استمرا وجود وفعل الفكر القومي الشوفيني.

7. علينا أن ندعو إلى إلغاء الفكر الطائفي السياسي وليس إلغاء وجود المذاهب, فالأخيرة حق مشروع وتعبير عن حركة الفكر المتنوع, وعلينا أن ندعو إلى وحدة الشعب العراقي بكل قومياته وأديانه ومذاهبه, ولكن ليس من أجل اتفاق بين طرفين سياسيين طائفيين ضد طرف ثالث هو الشعب الكردي.

8. ثم يقترح أبو ريشة على الكُرد أن يغادروا العراق إن رفضوا الحل الذي يريد فرضه على الكُرد. ومن هنا يتبين لنا من هو الانفصالي الفعلي, ليس الكُرد هم الانفصاليون, بل من يدعو إلى فصل الكُرد عن العراق, في حين أن الكُرد قد اقروا الفيدرالية في إطار الدولة العراقية الواحدة الموحدة.

9. أما بصدد كركوك فقد كتب السيد أحمد أبو ريشة في ا آب/أغسطس 2009 يدعو إلى حل القضية لصالح الجميع وبالطرق السلمية وبعيداً عن السلاح, وكان التصريح سليماً وعقلانياً. ولكنه عاد في 17/11/2009 ليهدد الكُرد بالويل والثبور حين تعود الوحدة بين الشيعة والسنة وبطريقة تختلف كلية عن مقترحه بحل المسألة سلمياً, وه حل غير سليم وغير عقلاني في كل الأحوال, إذ هو يعرف كما يعرف غيره أن هناك أسساً قد أُقرت دستورياً لمعالجة القضية, وبغض النظر عن موقف كل منا بشأنها. وبالتالي يفترض أن يبقى الحل سلمي تفاوضي وديمقراطي وبعيداً كل البعد عن القوة والتهديد والإثارة الفجة التي مارسها أحمد أبو ريشة في تصريحاته الأخيرة.

10. ويشير أبو ريشة إلى أن السيد رئيس الوزراء رفض التفاوض مع القيادة الكردية ورحب بهذا الموقف الشديد الذي لم يقفه غيره, [ونسى هنا ماقف صدام حسين وعلي حسن المجيد وغيرهما], إن كان ما قاله صحيحاً فرئيس الوزراء كان مخطئاً بهذا الموقف, إذ ليس هناك من عاقل يرفض التفاوض, والبديل لا يكون غير تفاقم الصراع والنزاع وما إلى ذلك. وما كان من حقه أن يتحدث عن لسان رئيس الوزراء بأي حال, إذ أن الأخير كان قد اجتمع مع رئيس الإقليم في كردستان وتباحثا بشأن القضايا المعلقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وأبديا رغبة في حل المشكلات وفق أسس سليمة ودستورية, رغم التلكؤ في ذلك.

إن حل قضية كركوك يفترض أن يستند إلى الدستور وأن يعالج بحكمة من قبل كافة الأطراف, خاصة وان مستقبل العراق مشترك بين جميع قومياته ولأمد طويل حقاً.

11. وفي هذا المقال يسعى أبو ريشة, الضابط السابق في الجيش العراقي, إلى الدفاع عن حق البعثيين في المشاركة في الانتخابات واعتبار أن البعث كان يضم ستة ملايين عراقية وعراقي. من حق كل العراقيات والعراقيين أياً كان رأيهم الفكري والسياسي أن يمارسوا حقهم في الانتخابات, وهو حق مطلق لا يمكن أن يتنكر له أحد. ولكن أبو ريشة يحاول بهذا الطرح ان يضع نفسه محامياً عن البعثيين ليتقرب إلى الحلفاء السابقين ليمنحوه أصواتهم, خاصة وأنه حاول أن يكون شوفينياً مثلهم في تلك التصريحات التي أدلى بها أخيراً. يضاف إلى ذلك أن الرقم الذي قدمه لنا غير صحيح ومبالغ به, إذ أن البعثيين قد اتفقوا هم على أن حزبهم ضم بين 2-3 مليون إنسان في أوج فترة فرضهم العضوية بالقوة على الناس. وسعيه للمبالغة بعدد البعثيين يهدف إلى كسب أصواتهم له ولكي يحصل على 160 مقعداً بقوة البعثيين كما ادعى في تلك التصريحات.

نسى السيد أبو ريشة أن حزب البعث قد فقد دوره في الفترة الأخيرة من وجود صدام حسين في الحكم وأن كثرة كبيرة من الأعضاء والمؤيدين المجبرين كانت قد انسحبت بعيداً عن المشاركة حتى في الاجتماعات السياسية البعثية.

يتمنى الإنسان على أحمد أبو ريشة, الذي ساهم مع الجيش العراقي والقوات الأمريكية في دحر قوى القاعدة, أن يعيد النظر بمواقفه إزاء الشعب الكردي, وأن يمعن النظر بتاريخ العلاقات بين الحكومات العراقية المتعاقبة والشعب الكردي والعواقب التي جرها الموقف الشوفيني العربي والدكتاتورية الغاشمة إزاء الشعب الكردي, إلا إذا كان يريد للحكومة العراقية القادمة أن تكون عاقبتها مثل عواقب الحكومات السابقة التي تنكرت لحقوق الشعب الكردي العادلة والمشروعة.

20/11/2009 كاظم حبيب