الرئيسية » مقالات » قانون الإنتخابات والمسؤولية التأريخية..!

قانون الإنتخابات والمسؤولية التأريخية..!

المادة/49 من الدستور:


اولاً :ـ يتكون مجلس النواب من عدد

من الاعضاء بنسبة مقعد واحد لكل

مائة ألف نسمة من نفوس العراق

يمثلون الشعب العراقي بأكمله،

يتم انتخابهم بطريق الاقتراع

العام السري المباشر،ويراعى

تمثيل سائر مكونات الشعب فيه.


بصريح العبارة يؤكد النص الدستوري أعلاه على مبدأ المساواة بين العراقيين حيثما كانوا، وينطبق ذلك على وجه الخصوص بالتمثيل النيابي، حيث حدد الدستور نسبة معينة للتمثيل لكل مقعد نيابي، وهي عبارة عن مقعد واحد لكل 100 الف نسمة من العراقيين، وقد جاء النص بهذا الشأن مطلقاً دون قيود محددة، مما يفهم منه أن التمثيل النسبي أعلاه يحدده فقط عدد العراقيين المتواجدين في المكان والزمان المعينين، وهم جميعاً سواسية في التمتع بهذا الحق الدستوري، حيثما وجدوا، سواء في داخل العراق أو خارجه.

ومن هنا كما يبدو جاء النقض الرئاسي للمادة الأولى من قانون الإنتخابات المعدل رقم/16 لسنة/2005 والذي أقره مجلس النواب في جلسته بتأريخ 8/11/2009 ، معتمداً على نص المادة الدستورية أعلاه. فالخلاف ينحصر أساساً بين ما قرره مجلس النواب في المادة الأولى من القانون بإحتساب نسبة 5% للعراقيين في الخارج مما لم يكن متوافقاً مع ما يراه النقض الرئاسي لنائب رئيس الجمهورية الأستاذ طارق الهاشمي والذي هو قيد المناقشة والتصويت عليه يوم السبت القادم 21/11/2009 في مجلس النواب.

فالخلاف بين ما إستند عليه النقض الرئاسي من حقائق موضوعية، وبين ما قرره مجلس النواب من نسبة لا تتوافق مع الحقيقة، واضح للعيان، والواقع نفسه يؤكد حقيقة غمط حقوق أعداد كبيرة من العراقيين في الخارج، لأسباب دفعتهم للنزوح الى خارج البلاد، وليس بعيداً عن ذلك أن بعض السياسيين وأعداداً من أعضاء مجلس النواب ممن تعرضوا الى مثل تلك الأسباب يدركون هذه الحقيقة، وبالتالي فإن وجه الغرابة يأتي من تمسك بعض الكتل البرلمانية ممن تقف وراء تشريع نص المادة الأولى من قانون الإنتخابات بموقفها، مع علمها التام بأن في تحديد نسبة 5% للمقاعد التعويضية، ليس فقط يشكل غبناً صارخاً لعراقيي الخارج حسب، بل يمثل خرقاً حقيقياً لنص المادة/49 أولاً /من الدستور، الذي إعتبر المعيار الصحيح لتحديد التمثيل النسبي لعدد المقاعد النيابية يعتمد على عدد العراقيين الموجودين في المكان والزمان المعينين، ولم يفرق بين عراقيي الداخل أو الخارج، ولا أظن بأن مجلس النواب أوالمفوضية العليا المستقلة للإنتخابات غائب عنهما إحصائيات الأمم المتحدة والمفوضية الدولية لللاجئين عن أعداد العراقيين في دول اللجوء والهجرة..!

وليست المادة الأولى لقانون الإنتخابات وحدها من تشكل مثلبة في القانون نفسه، مما دفعت بنائب رئيس الجمهورية الأستاذ الهاشمي، إستخدام حقه الدستوري في النقض لها وإعادة القانون الى مجلس النواب حسب، بل ومن الغرابة بمكان، أن لا تسلط الأضواء على مثلبة أخرى لا تقل خطورة من المادة الأولى على العملية الإنتخابية ولها من التداعيات السلبية على مستقبل الحياة السياسية في العراق، ما يقف حجر عثرة في طريق الديمقراطية التي تنشدها العملية السياسية كما يعلن عنها ليل نهار، وهي تمثل إجتهاداً لا دستورياً أقدم عليه مجلس النواب والمفوضية العليا المستقلة للإنتخابات، والمقصود بها نص المادة الثالثة/ رابعاً التي:[[ تمنح المقاعد الشاغرة للقوائم الفائزة التي حصلت على عدد من المقاعد بحسب نسبة ما حصلت عليه من الأصوات.]] دون وجه حق وخلافاً لإرادة الناخبين، ولروح النص الدستوري الذي ساوى بين العراقيين..!؟

فهل غاب عن أصحاب الفخامة السادة أعضاء مجلس الرئاسة والسادة المحترمين أعضاء مجلس النواب، بأن الشعب العراقي ليس فقط “مكونات” عرقية ودينية وطائفية مذهبية؛ وأنه ليس جديد مع العملية الإنتخابية أو أنها بالنسبة له بنت يومها، فهو شعب عريق في الحضارة والمدنية، رغم كل ما قاساه من أنظمة الجور والإستبداد..

إن الشعب العراقي ليس فقط تلك “المكونات” حسب، بل هو نسيج من الأفكار والعقائد السياسية والإجتماعية المختلفة، التي تمتد طولاً وعرضاً في عمق تلك “المكونات” ، وهذ النسيج المختلط من تلك الأفكار والعقائد، هو من يعطي الهوية السياسية الحقيقية والمعبرة عن مصالح الناس بطبقاتهم وأطيافهم المختلفة للبلاد، بعيداً عن أي تعصب إثني أو ديني، وهو من يشكل اللوحة السياسية في الوطن الواحد. وهو حقاً من يشكل القاعدة الأساسية للتمثيل الإنتخابي الى البرلمان لأنه إنعكاس حقيقي لمبدأ (المواطنة) الحقة، الذي لا يفرق بين العرق والدين والمذهب، فالجميع متساوون أمام القانون، والجميع من يصون الدستور والقانون حقوقهم العرقية والدينية بدون تمييز..!

فتشريع المادة الثالثة في فقرتها الرابعة من القانون، إنما جاء تجسيداً لتغليب الكتل السياسية الكبيرة المبنية على الأساس الديني – الطائفي والعرقي، ومنحها حقاً مفترضاً بالتجاوز على أصوات القوائم السياسية الصغيرة والتي لم تبنى على الأساس الديني والعرقي، بإعتبارها قوائم منتصرة، دون أن يوضح السادة المشرعون في مجلس النواب الدليل الدستوري لهذا الكرم الحاتمي بمنح المقاعد الشاغرة للقوائم الفائزة، أم أنه موقف لا يصب إلا في تكريس مبدأ الطائفية السياسية، ووليده “المحاصصة” القاتلة للديمقراطية، مهما تعددت أسمائها وتجلياته بما فيها ما يسمى حديثاً ب “المشاركة” الجديدة..!؟

أليس من العدل أن يصون قانون الإنتخابات حقوق القوائم الصغيرة المبنية على أساس الخيار المدني الحضاري الديمقراطي، شكلاً ومضموناً، بمنح المقاعد الشاغرة لهذه القوائم وهي صاحبة الأصوات الحقيقية، لمعرفته سلفاً بأن هذه القوائم رغم مشاركتها بالعملية الإنتخابية فإنها ومن العبث القول بإنها قادرة على منافسة القوائم الكبيرة المبنية على أساس الدين والمذهب والعرق، في عراق لا يزال يخيم عليه الإحتلال، ولم تكتمل سيادته بعد، وقد كرس بناؤه السياسي والإجتماعي بعد الإحتلال، على أسس من التقسيم الطائفي – المذهبي والأثني، وعلى ضوء ذلك تمكنت تلك القوائم من إحتلال مساحة واسعة في الرقعة الجغرافية – السكنية، وهذا أيضاً ما يضعها في تناقض مع مبدأ الديمقراطية..!؟

أوليس من العدل والحق أيضاً وجرياً مع روح الدستور ، أن تُشمل إستثناء، تلك القوائم الصغيرة والتي لم تحقق العتبة الإنتخابية، بالحق في إعتبار العراق دائرة إنتخابية واحدة وذلك ضماناً لحقوق المواطنين العراقيين السياسية ممن لن يصوتوا للقوائم ذات البناء الديني الطائفي – المذهبي أو البناء العرقي، لأن يصوتوا اليها ليشعروا حقاً بأن العملية الإنتخابية تسير في الطريق الذي ينهج بإتجاه الديمقراطية المنشودة، وأن يطمأنوا بأن أصواتهم سوف لن تذهب سدى، وسوف تجد لها مكاناً بين مقاعد مجلس النواب القادم، وأن لا تكتشف أخيراً بأن أصواتهم الإنتخابية قد إستحوذ عليها الآخرون من أعضاء القوائم الكبيرة، دون رضا منهم، وبسبب من إرادة القانون..!؟؟

فهل حقاً سيثبت السادة أعضاء مجلس النواب وأصحاب الفخامة أعضاء مجلس الرئاسة بأنهم حقاً ينشدون تحقيق قانون للإنتخابات يتسم بكل ما جاءت به الأسباب الموجبة التي سطروها في متن القانون والتي تؤكد في تلك الأسباب على:



الأسباب الموجبة:

[[ لغرض إجراء انتخابات حرة وديمقراطية ونزيهة في العراق وبغية الارتقاء بهذه الانتخابات إلى المستوى المطلوب وفق المعايير الدولية المعتمدة والمطالب الشعبية، شرع هذا القانون.]] (1)

ومع كل ما تقدم تظل المسؤولية التأريخية هي الحكم والمؤشر والدليل على جدية وصدقية المسار الذي إعتمدته العملية السياسية بعد عام/2003 ، والعملية الإنتخابية أحد أركانها الأساسية، وفي جميع الأحوال تظل الكرة في ملعب الناخب العراقي، الذي عرفت عنه النباهة وبأنه لا يلدغ من جحر مرتين ..!؟

__________________________________________________

(1) قانون تعديل قانون الإنتخابات رقم 16 لسنة 2005