الرئيسية » مقالات » الشروط اللازمة لاحترام إرادة الشعب المغربي…

الشروط اللازمة لاحترام إرادة الشعب المغربي…

1) قد يقول قائل : لماذا يتم التركيز على الشروط ؟ فنقول له بأن علمية التحليل العلمي الملموس للواقع الملموس تقتضي قيام شروط معينة لوجود ظاهرة معينة. و القرءان الكريم نفسه اعتمد في تنزيل آياته و سوره شيئا اصطلح على تسميته ب”أسباب النزول”. و لذلك، فأي تحليل لا يستهدف استحضار الشروط الذاتية و الموضوعية يصير تحليلا غير علمي لأنه سيكون فاقدا للمعطيات و الأسس الضرورية.

و لذلك فاستحضارنا للشروط الموضوعية لاحترام إرادة الشعب المغربي ضرورية حتى نتبين، لماذا لا تحترم هذه الإرادة أو لماذا تحترم ؟

2) فما هي الشروط التي تحكم كون الطبقة الحاكمة لا تحترم إرادة الشعب المغربي ؟

إن عدم احترام إرادة الشعب المغربي لم يأت هكذا، و برغبة ذاتية صرفة كما يذهب إلى ذلك المحللون المثاليون، بل إن الطبقة الحاكمة نفسها إذا أرادت أن تحترم إرادة الشعب في الانتخابات المختلفة حتى تظهر و كأنها تمارس الديمقراطية فإنها لا تستطيع ذلك، ما لم تعمل على إنضاج الشروط الموضوعية اللازمة لذلك، لأن الشرط الذاتي وحده غير كاف.

و من أهم الشروط الملازمة لعدم احترام إرادة الشعب المغربي خلال عقود النصف الثاني من القرن العشرين، حيث نجد :

أ‌- الطبيعة المخزنية للإدارة المغربية، و في جميع قطاعاتها و التي تدعي أنها هي التي تفهم كل شيء، و أنها هي التي تصنع البشر و تعده، و تفهمه، و توجهه، و تسعى إلى رعايته من بداية حياته إلى نهايتها. و بالتالي فحياة الناس رهينة بقيام المؤسسة المخزنية بدورها كاملا في هذا الاتجاه.

ب‌- الطبيعة الاستبدادية للطبقة الحاكمة التي تأتي بطريقة غير مشروعة من مصادر غير مشروعة. كالامتيازات، و التهريب و الاتجار في المخدرات، و الوصولية، و الانتهازية، و استغلال النفوذ، و السطو على موارد الجماعات المحلية و غيرها. بالإضافة إلى إتيان العديد من البورجوازيين من أصول إقطاعية.


ج- قيام معظم الاجتماعي الاجتماعي على الريع، لدرجة أن مئات الآلاف من الأسر تعيش على دخل لا تبذل فيه أي مجهود يذكر. و هو ما يعني سيادة التواكل في المجتمع، و التعود على الاستفادة من عمل الغير بدون حق يذكر، بسبب عودة ملكية العقارات إلى أشخاص معينين، يملكون من العقارات ما لا يحتاجون إليه.

د- قيام الاقتصاد الوطني الصناعي و التجاري و الزراعي و البنكي على التبعية للمؤسسات المالية الدولية، و وقوع معظمه تحت طائلة الشركات العابرة للقارات، و كون بورجوازيتنا قائمة على الوساطة بين الرأسمال العالمي و الرأسمال الوطني، مما يجعل الاستغلال الاقتصادي للمغاربة مضاعفا.

ه- قيام أحزاب إدارية على المقاسات التي تحددها الطبقة الحاكمة، و تعمل على تنفيذها الإدارة المخزنية حتى تصير هذه الأحزاب من افضل الوسائل التي تمكن من إفساد الحياة السياسية في المغرب و بوسائل مختلفة، و في مقدمتها قيام المنتمين إلى هذه الأحزاب بإفساد العملية الانتخابية بإشاعة شراء ضمائر الناخبين، و جعلها جزءا من العملية الانتخابية التي تتحول إلى ما اسميه شخصيا ب”العملية النخاسية”. لأن الشريحة المنحطة من الناخبين تضع نفسها رهن إشارة النخاسين الذين يتجولون في كل جماعة على حدة، و على مستوى التراب الوطني، حتى يتم القضاء النهائي على الأمل في قيام ممارسة سياسية قائمة على احترام إرادة الشعب المغربي.

و- مخزنة الأحزاب التي كانت محسوبة على الصف التقدمي و الديمقراطي مما يجعلها تقوم بنفس ممارسات الأحزاب الإدارية في معظم الأحيان في المحطات الانتخابية، ديدنها الوصول إلى المجالس الجماعية من اجل تحقيق التطلعات الطبقية للمنتمين إليها. و العمل على دوس الإرادة الشعبية كما تفعل الأحزاب الإدارية.

ز- سيادة تعميق التفاوت الطبقي بين الطبقات المستفيدة من الاستغلال، و الطبقات التي يمارس عليها الاستغلال، و هذا التفاوت يؤدي إلى قيام الطبقات المستفيدة من الاستغلال بالاستبداد بالخيرات الاقتصادية التي يحرم منها الشعب المغربي، و تتحكم في الخدمات الاجتماعية التي تصير وسيلة لإحداث تراكم رأسمالي هائل لصالح البورجوازية التابعة.

ج- انتشار البطالة بصفة عامة، و في صفوف الشعب المغربي بصفة خاصة، و في صفوف خريجي المدارس، و المعاهد، و الكليات بصفة أخص بتزامن مع استفحال الاستغلال الهمجي للرأسمالية العالمية، حتى تعمل الطبقات المستفيدة من الاستغلال على تعميق الاستغلال اكثر.

ط- غياب عمل نضالي حقيقي يستهدف استنهاض الجماهير الشعبية الكادحة، و قيادة نضالاتها المطلبية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية في أفق قلب ميزان القوى لصالح الجماهير الشعبية الكادحة.

ي- غياب تنسيق حقيقي محكوم بمصلحة الشعب المغربي في أفق قيام جبهة وطنية للنضال من اجل الديمقراطية، انطلاقا من برنامج حد أدنى يهدف إلى تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.

و هذه الشروط مجتمعة إذا أضفنا إليها الشرط الذاتي للطبقة الحاكمة التي ليس من مصلحتها الطبقية احترام إرادة الشعب المغربي، فإنها ستجعل هذا الاحترام غير وارد أبدا.

3) فما العمل من اجل احترام إرادة الشعب المغربي ؟

إن احترام إرادة الشعب المغربي لا تأتي هكذا، و بقرار إداري. بل لابد من وجود حركة عمالية قوية، و حركة تقدمية رائدة، و حركة ديمقراطية فاعلة، و من اجل إنضاج شروط موضوعية لإفراز إرادة الشعب المغربي التي تستوجب من الحركة العمالية و التقدمية و الديمقراطية أن تعمل على إنضاجها تتمثل في:

أ‌- البناء المتماسك و القوي إيديولوجيا، و سياسيا و تنظيميا و برنامجيا حتى تزداد الحركة العمالية و التقدمية و الديمقراطية ارتباطا بالجماهير الشعبية الكادحة، و تفسح لها المجال من اجل الانخراط فيها.

ب‌- البناء القوي التنظيمي و البرنامجي للجبهة الوطنية للنضال من اجل الديمقراطية حتى تقوى على قيادة النضالات الجبهوية الضرورية لانتزاع مكاسب جماعية و ديمقراطية لصالح الجماهير الشعبية الكادحة.


ج- تربية الجماهير الشعبية الكادحة على مقاومة الطبيعة المخزنية للإدارة المغربية، و في جميع قطاعاتها حتى تصير تلك الطبيعة في ذمة التاريخ، و تصير العلاقة بين الإدارة المغربية و بين سائر المواطنات و المواطنين و جميع الناس قائمة على أساس دولة الحق و القانون.

د- النضال من اجل الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية باعتبارها قيما كبرى تعمل على اقتلاع جذور الاستبداد من الواقع في أوجهه الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية حتى يصير الشعب المغربي متمتعا بقيم الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية، و يصير الاستبداد في ذمة التاريخ.

ه- العمل على إيجاد اقتصاد صناعي متطور و واسع، و محاربة كل الأشكال الاقتصادية المتخلفة في المجالات الصناعية و الزراعية و التجارية حتى يصير الاقتصاد الوطني مهيكلا و يصير جميع أفراد الشعب مساهمين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

و- العمل على تحرير الاقتصاد الوطني من التبعية للاقتصاد الرأسمالي العالمي بسبب خضوع الطبقة الحاكمة لتعليمات صندوق النقد الدولي و البنك الدولي، و المؤسسات المالية الدولية، حتى يستطيع الاقتصاد الوطني المغربي امتلاك القدرة على الشروع في المنافسة في عصر العولمة.

ز- العمل على وضح حد للفساد السياسي الذي تعمل الطبقة الحاكمة و بواسطة أحزابها الإدارية، عن طريق ترتبية المواطنين تربية سياسية سليمة حتى يصير التكوين السياسي العام و الحزبي سليما من مختلف الأمراض السياسية.

ح- العمل على تخليص الأحزاب المحسوبة على الصف الديمقراطي و التقدمي من الانغماس في الممارسة المخزنية بسبب خيانة قياداتها للجماهير الشعبية حتى تستعد تلك الأحزاب مكانتها بإفراز قيادات جديدة مرتبطة بالجماهير الشعبية الكادحة.

ط- النضال من اجل تحسين الأوضاع المادية و المعنوية للجماهير الشعبية الكادحة للتقليص من فائض القيمة الذي يذهب إلى جيوب الطبقات المستفيدة من الاستغلال الطبقي بالمغرب.

ي- وضع خطة نضالية هادفة من اجل استنهاض الجماهير الشعبية الكادحة حتى تنخرط في النضال من اجل تحسين أوضاعها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية.

العمل على قيام تنسيق حقيقي بين الأحزاب العمالية و التقدمية و الديمقراطية، و بين النقابات و الجمعيات المبدئية في أفق قيام جبهة وطنية للنضال من اجل الديمقراطية الحقيقية من الشعب و إلى الشعب، انطلاقا من برنامج الحد الأدنى الذي يساهم الجميع في بناء جوانبه الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية حتى يستفيد الشعب من العمل المشترك للإطارات المناضلة.

و بهذه الخطوات التي يجب أن تكون مدروسة و مدققة يمكن أن تعمل الحركات المناضلة على إنضاج شروط موضوعية جديدة تساهم بشكل إيجابي في قلب ميزان القوى لصالح الجماهير الشعبية الكادحة التي تستطيع وحدها فرض إرادتها على الطبقة الحاكمة التي تجد نفسها مضطرة إلى احترام إرادة الشعب المغربي حتى يستطيع اختبار مجالس جماعية تعمل على خدمة مصالحه و على أسس ديمقراطية حقيقية ؟

فهل تقبل أحزاب البورجوازية الصغرى الانخراط في قلب ميزان القوى لصالح الشعب المغربي ؟

ابن جرير 26/08/2005