الرئيسية » مقالات » إيران: البريق الخارجي و الظلام الداخلي

إيران: البريق الخارجي و الظلام الداخلي

الجدل مازال قائما بقوة فيما يتعلق بالبرنامج النووي الايراني و مازالت الاوساط السياسية الدولية تنظر بعين الشك و الريبة الى هذا البرنامج و تسعى بشتى الطرق و الوسائل لوضع حد مناسب له، فيما تتطلع الدول العربية بقلق مشوب بالحذر من التداعيات المستقبلية القائمة على خلفية هذا البرنامج حيث ان نجاح طهران في مشروعها يمثل تحديا کبيرا للعرب فيما لو تمت مواجهة عسکرية لحسم مسألة البرنامج النووي الايراني، فإن طهران ستجنح الى استخدام الساحة العربية کحلبة رئيسية للنيل من المهاجمين.
ولاتبدو في الآفاق أية تباشير او ملامح أمل لرکون النظام الايراني للمطالب الدولية وهو يستغل کافة الفرص المتاحة له من أجل المضي قدما في برنامجه بالصيغة التي ابتغاها منذ البداية، لکنه يلعب بذکاء و يعرف أين و متى و کيف يرخي الحبال لإيهام العالم بجنوحه لمنطق الحکمة و إعتماد مبدأ التفاوض و الحوار لحسم الملف النووي من دون ان تکون هنالك أية مصداقية حقيقية تذکر لموقفه هذا سوى المراوغة و المزيد من اللف و الدوران ويبدو واضحا وفي المحصلة النهائية الحالية ان طهران باتت تشکل صداعا کبيرا للولايات المتحدة الامريکية و دول الاتحاد الاوربي بشکل خاص وان بدأ مرحلة جديدة من إطلاق التهديدات الغربية ضد طهران و التصريحات النارية و المواقف المتعنتة التي تبديها الاخيرة حيال تلك التهديدات، تعود بالمتابع الى المشاهد البدائية لمسرحية المواجهة الطويلة المملة بين الطرفين لکن مع ملاحظة مهمة وهي ان الموقف العام مازال يميل لصالح طهران بقوة وان الغرب مازال يمثل الدور و الحلقة الاضعف في عملية المواجهة هذه.
وقد يتسائل البعض عن سبب تمسك النظام الايراني ببرنامجه المثير للجدل هذا وعلى الرغم من ان هناك اسبابا وليس مجرد سبب واحد لکن السبب الاهم ولاسيما في الحلة الحالية هو ان هذا النظام بحاجة ماسة لتحويل الانظار صوب الخارج خصوصا بعد الصفعة الکبيرة التي تلقاها النظام من جانب الشعب الايراني على عملية الانتخابات الرئاسية و التي کانت في حقيقتها تجسيدا للرفض الشعبي الايراني للنظام ذاته و رغبته في التغيير و التمتع بالحرية و الحياة الحرة الکريمة، الانتفاضة التي حدثت عقب الانتخابات الرئاسية والتي فاجئت العالم کانت في الحقيقة نتيجة و حاصل تحصيل متوقع لمجريات و سياق الاحداث في إيران في ظل نظام ولاية الفقيه الشمولي القمعي، وهي بقدر مافاجئت العالم فإنها باغتت النظام و أذهلته بدرجة أفقدته صوابه في طريقة و اسلوب التصدي لمعالجة الموقف ففي الوقت الذي يدعي النظام زيفا و زورا بإنه نظام ديمقراطي و يراعي حقوق و حريات الانسان فإنه و بمرأى و مسمع من العالم قد لجأ الى اسلوب قمعي و بوليسي مغالي في العنف و تؤکد المعارضة الايرانية بهذا الخصوص انها تمکنت من الحصول على جزء من شريط للمکالمات اللاسلکية لنائب قائد قوات الامن الداخلي في إيران(احمدرضا رادان) خلال التصدي العنيف لإنتفاضة الشعب الايراني يوم 20/حزيران/2009 في العاصمة طهران حيث کان يقود عملية قمع الانتفاضة ميدانيا، هذا الشريط الذي تم تسليمه الى المنظمات و الهيئات الدولية المدافعة عن حقوق الانسان يتضمن اوامر صريحة صادرة من جانب هذا المسؤول الى الاجهزة التابعة له لقمع المتظاهرين حيث يقول في احدى مکالماته الموجهة لرجاله المتواجدين في ساحات التظاهر:(کسر کل رجل من أرجل المتظاهرين تساوي ثوابا واحدا) و يصدر اوامره بالقول الصريح:(اضربوهم بشدة، اضربوا هؤلاء المتظاهرين في شارعي ولي عصر و انقلاب، اضربوا هؤلاء الاجانب، مزقوا أجسادهم، ارسلوهم الى الشمال فهناك قوات التعبئة”البسيج”سوف تستقبلهم)، والغريب ان نائب قائد قوات الامن الداخلي في إيران لايتوقف عند هذا الحد وانما يذهب أبعد من ذلك عندما يقول بکل صلافة:(اسرعوا في لملمة الاحداث و اضربوا هؤلاء و مزقوا اجساهم، أنا بنفسي أتحمل المسؤولية)!! الکلام او التعليق على هذه الاوامر الوحشية الصادرة من جانب هذا المسؤول ليست بحاجة الى أي تعليق فهي تفسر بنفسها معدن و جوهر نظام ولاية الفقيه و تبين الارضية التي يرتکز عليها منذ مجيئه الى السلطة عام 1979 بعد ان صادر ثورة الشعب الايراني من اجل التأسيس لنظام قمعي شمولي أکثر شراسة و وحشية من نظام الشاه نفسه.
النقطة المهمة و الجديرة جدا بالملاحظة و التوقف عندها، هي ان الشعب الايراني يتميز بخاصية تکاد تميزه بعض الشئ عن شعوب المنطقة، خاصية عدم نسيانه للضيم و عدم تقبله و سکوته عليها وهو وان صبر فإن صبره ليس الى مالانهاية وان أية شرارة مناسبة ستعيد مشاهد التصدي الجماهيري للنظام الايراني الى أنظار العالم برمته وان النظام حاليا يقوم بالتحشيد داخليا لأکبر مناورة لأفراد الحرس الثوري و التعبئة الشعبيـة(البسيج) وهدفها الاهم ليس الغرب او امريکا او اسرائيل کما تسوق أقلاما تابعة للنظام نفسه وانما هو الشعب الايراني نفسه حيث يريد النظام ان يبعث برسالة حديدية ـ قمعية لکل شرائح الشعب الايراني مفادها انه ليس من سبيل امامه سوى الخضوع و القبول بهذا النظام الذي هو ماض في طريق قمع و تصفية معارضيه و رافضيه الى النهاية.
ان وخامة الاوضاع الاقتصادية و الاجتماعية في إيران بشکل خاص و إزدياد نسبة الايرانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر بشکل ملفت للنظر کما ان زيادة الظواهر السلبية الاجتماعية في اوساط المجتمع الايراني في ظل هذا النظام تحدد مبررات و اسباب الانتفاضة وطالما کان النظام الايراني عاجز عن تحسين الاوضاع الاقتصادية و الاجتماعية للشعب الايراني خصوصا في ظل سياسته الحالية المبنية اساسا على مبدأ تصدير(الارهاب)و(الفوضى)الى العالم بشکل عام و الى دول الجوار بشکل خاص، فإن الشعب الايراني سيبقى بالمرصاد لهذا النظام وان تحشيداته و مناوراته و تعزيزاته الامنية عندما تقوم الساعة لن تخيف الشعب الايراني و کما أطاح بعرش الطاووس فإنه جدير بأن يطيح بمملکة المعممين التي تعيث فسادا في الارض وان البريق الخارجي المزيف الذي يحرص النظام للظهور به أمام مناوئيه و العالم ليس بإمکانه أبدا إخفاء معالم الظلام و التخلف و الدمار في الداخل و ان الايام القادمة حبلى بأکثر من مفاجأة غير سارة للنظام.