الرئيسية » مقالات » الديمقراطية.. تحذير له ما يبرره

الديمقراطية.. تحذير له ما يبرره

لابد من التاكيد، ونحن نروج لخيار إقامة الدولة الاتحادية في العراق، بان هذه الدولة لا وجود لها، ككيان اختياري لقوميات متآخية من دون مبدأ الديمقراطية، وسنعرف بان مفهوم الديمقراطية، قدر ما هو واسع سعة التطبيقات التي يشار لها منذ تجربة اثينا في القرن الخامس قبل الميلاد حتى الان، إلا انه لا يبتعد، في مضمونه الفلسفي والتطبيقي معا، عن معنى ترشيد الحكم ليصبح “حكم الشعب لنفسه” بعيدا عن القوة والاكراه والتفويض الثيوقراطي، ويتم هذا في صوره المبسطة عبر اشكال معينة من ممارسة حق اختيار الحاكم، وقد تطورت هذه الاشكال على مدى سبعة الاف سنة واستقرت، تحت تأثير الثورة الفرنسية الرائدة، على التجارب الانتخابية التنافسية البرلمانية الحرة.

غير ان هذا، كما يبدو، لم يكن كافيا لبناء مفهوم ملزم، أكاديميا في الاقل، في وقت شهد العالم المعاصر تداخلا في المفاهيم ومحاولات محمومة للسطو على اسم الديمقراطية واضفائها، اعتباطا، على انظمة فردية، مطلقة، لا تتوانى عن تزوير إرادة الشعب واخضاعه بقوة الحديد لمشيئتها، وهذا يفسر حقيقة ان خيار الديمقراطية غذا قريبا من افئدة واشواق الملايين التي اتضح انها مستعدة لخوض معارك ضارية ودامية من اجل الفوز بالديمقراطية التي سرعان ما اتحّدت، في اكثر من معركة تاريخية، بالكفاح من اجل رغيف الخبز.

وبهذا المعنى، فان الديمقراطية مفهوم اصلاحي يجدد نفسه في مجرى التطبيق ولا يتوقف عند حدود طالما ان المجتمع نفسه في حالة تحول وانتقال مستمرين ، وبهذا المعنى ايضا، فان الديمقراطية تتعرض على الدوام الى مستويين من الهجوم، الاول من خصومها التقليديين، حكاما ودعاة يزعمون بانها تفتت “لُحمة الشعب” وتفسد العامة وتضعف إرادة القتال ضد العدو الخارجي، والثاني، من الادعياء الذين يجهلون معانيها واستحقاقاتها ويتمسحون بها لتوظيف بعض فروضها لمصالحهم الانانية.

وحتى تضع ترسيما حول حدود الديمقراطية اقدمت منظمة اليونسكو في الخمسينيات من القرن الماضي على مبادرة رائدة باستكتاب طائفة من العلماء والباحثين من مختلف الثقافات والاجتهادات واجناس التفكير، وقد جمعت اجوبتهم في كتاب اسمته (الديمقراطية في عالم متوتر) اصبح بمثابة قاموس للديمقراطية، وان لم تنتظم مطالعات اولئك المفكرين في رؤيا واحدة.

لقد ركز العالم الفرنسي لوفيفر في نظرته الى الديمقراطية على “العدالة والحرية” وذهب الاكاديمي الامريكي لويز الى ضرورة”سيادة الشعب العليا” وقال المفكر الانجليزي بلامنتز انها “حكم اشخاص يختارهم الشعب بحرية” ويخضعهم للحساب، فيما اعتبرها المفكر الدانيماركي جورجنس بانها”عملية تحرير ومساواة”.

لكن الاهم، ان جميع الباحثين حذروا من اولئك الذين يتحدثون عن الديمقراطية بوصفها سلما للصعود الى السلطة، وعندما يصلوا الى هناك ينقلبوا عليها، وينحرونها من الوريد الى الوريد، وقد حدثَ ذلك، ويحدث.. وسيحدث، لو كنتم تعلمون.
ــــــــــــــــ

كلام مفيد:

” أذا قاد رجلٌ اعمى رجلا اعمى سقط الاثنان فى حفرة واحدة “.

حكمة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة(الاتحاد) بغداد