الرئيسية » المرأة والأسرة » أطفال من ضحايا قضايا ؛الشرف؛

أطفال من ضحايا قضايا ؛الشرف؛

سبق وأن كانت لدينا هذه العادة, أن يلتصق الطفل بالظرف الذي ولد فيه, فيمنحه الأهل الاسم الذي يناسب ساعة الولادة, ويحن الطفل إلى ذلك المكان الذي ولد فيه, وإن سافر يعود يوما ليرى مكان ولادته فهو أول ما يشعره بكينونته, ولكن قد يكون هذا المكان وهذا الزمان وهذا الظرف الذي يلد فيه الطفل وبالا عليه أحيانا, وما الأطفال الذين يولدون بطريقة غير شرعية إلا عرضة لهذه المأساة التي تحيل حياتهم كلها إلى ساعة ألم وخوف وضياع في تفاصيل لم يكن اختيارها بأيديهم

فقد تجد الطفل حين يلد وقبل أن يبلغ عدة أيام ملقى على أحد الأرصفة أو أمام إحدى الجوامع أو أمام باب أحد الناس, وهناك يجد نفسه بلا مأوى وبلا أهل وهنا, ومنذ البداية, تبدأ مأساته, هذا إذا لم ينهي أحدهم حياته مدعيا بأنه ( ابن حرام ) ويجب أن لا يعيش ويترعرع لأنه يجلب عليهم العار, هذا هو عرفنا وهذا ما نعاني منه أجمعين.
أما إن ولد الطفل ومن ثم تم قتل والديه تحت مسمى الشرف فإن حياته تتحول إلى جحيم ويتحول إلى عبد لهذا وذاك, ويصبح موضع سخرية الجميع, ولا يستطيع التخلص من هذا الهم طيلة حياته فتنحو نفسيته لتتشكل بالتلاؤم مع هذا الظرف, فإما أن ينحو نحو الإجرام أو الكذب وغيرها من الصفات والسلوكيات السيئة التي سيحاول عبرها الدفاع بطريقة غير مباشرة عن نفسه ضد كل ما يتعرض له, لأنه قد فقد كل مدافع عنه كأبويه, وحتى من يربيه لن يحاول بحكم العرف الاجتماعي أن ينصب نفسه مدافعا عنه خشية أن يقع اللوم عليه هو أيضا ويدعى بألقاب غير مستحبة اجتماعيا.
أما دور الرعاية التي ربما يرسل الطفل إليها فإنها تنحو نفس الاتجاه في عدم الاهتمام بالطفل إذا ما غابت التوصية من الأقارب والمتابعة من أحد, لأن كل أمورنا وشؤوننا بدأت تسير وفق مبدأ التوصية لا مبدأ السير على أسس الأخلاق والضمير الحي .
ولا تقتصر معاناة هذا الطفل عند حدود بداية حياته بل إنه يعاني من نفس هذا التعامل حتى عند كبره, فينبذه رفاقه وكل من حوله, ويبدأ العيش في حالة من العزلة والتقوقع على الذات التي تشوه نفسيته وتشعره بالدونية وعدم القدرة على مجاراة الآخرين.
فما ذنب هذا الطفل الذي لم يختر هذا المصير لنفسه بل اختاره له أبوان ارتكبا الخطيئة في عرف المجتمع, واختاره المجتمع له دون البحث في هوية هذا الطفل الأخلاقية, بل تم تحديد هذه الهوية تبعا لهوية والديه المشوهة في عين أفراد المجتمع ووفق العرف والعادات الاجتماعية التي تحرّم هذه العلاقات وتلقي بكل تبعاتها ونتائجها في النار لتتخلص منها بأسرع ما يمكن؟ وكيف لنا أن ننصف هذا الطفل على الأقل دون والديه؟ وكيف يمكن أن نجعله يتأقلم مع واقعه على أكمل وجه ونجعل المجتمع يتقبله دون النظر إلى ماضي أفعال والديه, وتقبل فكرة أن الطفل يولد بريئا ودون أي ذنب, وفكرة أن بالإمكان تربيته وفق أفضل الأخلاقيات إذا ما أراد المجتمع ذلك؟.
قد يكون في الأمر صعوبة بالغة لأن مصير هذا الطفل سيتعلق بأيدي العشيرة وأهل الشاب الذي يقتل عادة, دون أن ينظر رعاة القانون إلى وضعه وهنا قد تنتهي حياته قتلا أو تنتهي سعادته بوأده أخلاقيا, ولذلك فيجب وكما أعتقد أن تتبنى الفعاليات الاجتماعية الراعية لحقوق الطفل قضايا هؤلاء الأطفال, وإن تعرضت هذه الفعاليات لمختلف صنوف الرفض والزجر فإنها يجب أن تتابع طلبها ودأبها على ملاحقة وتتبع وملاحظة الظروف التي يعيش ضمنها الطفل, ويجب عليها عدم السكوت عن أي ظلم يتعرض له هذا الطفل.
ويبقى العبء الأكبر على مثقفي ومتعلمي العائلة نفسها في محاولة الخوض في الموضوع وتشكيل الدرع الواقي لهذا الطفل, حتى وإن شكل عليهم هذا الفعل خطرا اجتماعيا, لأن هذا الفعل يبقى في النهاية عملا إنسانيا وأخلاقيا سيرون نتائجه فيما يأتي من الزمن, وسيكون بإمكانهم درء المجتمع خطر انحراف هذا الطفل وإضراره بالمجتمع أكمله فيما بعد.
والأهم يبقى في عملية التنشئة الاجتماعية هو دور المؤسسات في نشر الوعي بهذه القضايا وطرح القوانين التي يجب وضعها موضع النقاش على أعلى المستويات, تلك القوانين الراعية لحقوق الطفل والتي تمنع الإجحاف بحقهم, وإبعاد الفكرة التي تشبه هذا الطفل بالخطيئة التي تمشي على الأقدام, والتي يحاول كل واحد الابتعاد عنه وحجره في عالمه الخاص به والذي لن ينمو بشكل سليم على هذا الأساس.
وإن كان الخوض في هذا الموضوع شائكا ويتطلب الكثير من الحذر, سواء من جهة خطورته الاجتماعية أو من جهة عمقه وضرورة البحث مطولا فيه, فإن هذه القضايا يجب أن تشكل نقطة توقف, علينا جميعا الوقوف عندها والتأني في معالجتها وعدم الخوف من الدفاع عن أطفال لا حول ولا قوة لهم ولا ذنب لهم سوى أنهم كانوا نتيجة لخطيئة المجتمع بأكمله وليس أبوين فقط.

مجلة ثرى – العدد 207 تاريخ 15 11 2009 – السنة الخامسة