الرئيسية » مقالات » الإقصاء والتهميش ليس خيارا ديمقراطيا

الإقصاء والتهميش ليس خيارا ديمقراطيا

بعد أن مضت سراعا السنوات الأربع العجاف من عمر البرلمان العراقي الذي لم تلحظ له إنجازات يعتد بها، أقر أخيرا وفي سباق مارثوني مع الزمن نظام تعديل قانون الانتخابات.

في هذا السباق قيض لأعضاء البرلمان العراقي، جر الشعب العراقي وحتى البعض من خارجه من المهتمين بشأنه، الى ساحة وغى حقيقية، حيث باتت أعصاب الجميع متوترة ومستفزة في انتظار أن يلد البرلمان وليده المنتظر الذي يجعل الخير يهل على العراق بحلة جديدة تجعل الفرح يسقط مدرارا من بين أصابع الجياع والمحرومين وأن يندفع الجميع للمشاركة في انتخابات يترقبون منها تغييرا حقيقيا. أيام حاسمة وساعات صراع حقيقية ترقب فيها الجميع أن تصان الديمقراطية وسنن الدستور على وفق ما أتفق عليه من وضعوا لمساتهم ورؤاهم فيه. ولكن الحقيقة الناصعة التي ظهرت عليها النتائج في أقرار التعديلات كانت ضربة قاصمة وجهها النواب الى دستورهم وسنوا سنة ثلمت الكثير من مفهوم الشراكة والهوية الوطنية العراقية. فقد جزئت النسخة المعدلة هوية الناس ووضعت بينهم فوارق كبيرة، وكان المنتصر فيها هم أصحاب القوائم الكبيرة التي من الممكن تصنيفهم بعد الآن وتسميتهم بالحيتان. فالتعديل فصل وكيف وفق مقاسهم وموازينهم ورؤيتهم لواقع العملية الانتخابية وما يكون عليه وضع البرلمان العراقي إثر نتائجها.

يبدو أن الضجة التي أثيرت حول مشكلة كركوك والقائمة المغلقة أو المفتوحة، كانت في أساسها خدعة خبيثة وتغطية ذكية لتمرير خطة مبيته لحسم الخيارات لصالح الائتلافات الكبيرة ووضع الباقين في الزاوية الحرجة التي تحجب بالكامل حصولهم على مقاعد في البرلمان القادم. فلم يكن تقليص عدد المقاعد التعويضية للمهاجرين والمهجرين يمثل وحده غبنا حقيقيا للمواطن وطعنا بمعايير النزاهة والديمقراطية، وإنما مسألة تجيير أعداد أصوات الناخبين الذين لا تستوفي قوائمهم حصة القاسم الانتخابي لصالح القوائم الكبيرة الفائزة، يمثل اعتداءً صارخا على حقوق المواطنين وسلبا لأصواتهم وإعطائها الى قوائم وأشخاص لا يستحقونها قطعا، وتلك الأصوات تمثل خيار الناس ورغبتهم ووعيهم في المشاركة في انتخابات ترقبوا أن تكون ديمقراطية ونزيهة وشفافة تدفع بمن يرغبون بهم للتواجد في البرلمان القادم. وحين تسلب أصوات الناس بتلك المؤامرة الخبيثة والمبيتة في ليلة غشيت فيها العيون، نستطيع أن نجزم ونصفها بالاعتداء السافر على الحريات وحقوق المواطنة، ولا يمكن بعدها غير أن نسجل واقعة تاريخية تم فيها التأسيس لظاهرة ستكون قاصمة للدستور رغم عيوبه، وطاعنة بأس الحريات والبناء الديمقراطي، وسوف تضع الشعب العراقي على الطريق الصعب المفضي الى ثلم حقوق الناس وايجاعهم وتجويعهم وارتفاع وتيرة العنف وسرقة المال العام والفساد الإداري. حيث لا ينتج عن خيار خطف أصوات الناخبين ومنحها لمن لا يستحقها غير بلورة نظام فساد ومحصصات، خبره الشعب العراقي وذاق فيه ومنه الويلات والعذاب وما عادت له طاقة عليه. وأن كُيف التعديل الجديد لصالح الحيتان وأقصى ممثلي شرائح الشعب الأخرى فليتوقع هؤلاء الكثير من الخصومات وتصاعد الخلافات والعنف بين أوساط الشعب العراقي.

فالعملية الانتخابية يجب أن تبتعد عن الانتقائية البغيضة وإقصاء الآخرين، ولا تفرط بحقوق الناس مهما صغرت، بل عليها أن تحوي وتحتوي الجميع وتمنحهم أوسع وأفضل الفرص لدفعهم للمشاركة في العملية السياسية وبناء العراق الديمقراطي. فحكم الشعب يعني أن ينال الناس كامل حقوقهم للتعبير عن رغباتهم وخياراتهم دون إقصاء أو تهميش. وليس في هذا دعوة لمشاركة من ارتكب الجريمة وتلطخت يده بدماء الشعب العراقي.

أن ما جاء في التعديل الأخير لقانون الانتخابات يسجل واقعة لا يرتجى منها نفعا، لا بل هي وبالا وتأسيسا لشمولية جديدة بشعة بمحتواها ونتائجها. وبعد أن خبرت القوى المتأسلمة نوايا وتوجهات الأحزاب السياسية الكردية التي اقتصرت على الشأن الكردستاني دون العراقي، وما عادت تعنيها الإجراءات التعسفية والمواقف التضليلية التي تتخذ من قبل السلطات الحاكمة في وسط العراق وجنوبه، فأن التعديل سوف يكون تمهيدا لبرلمان يخلو من قوى علمانية مؤثرة ويختزل لصالح القوى ذات الخطاب الإسلامي تمهيدا لوسم حياة العراقيين بطابع الدولة الدينية عبر سن قوانين تخضع المجتمع لرغبات تلك القوى وتوجهاتها. ومن المهازل التضليلية والوقحة لهذه القوى ما جاء في الفقرة الأولى والثالثة منه والتي هي بعيدة بعد السماء عن الأرض في فحوى ما أدرج من الأسباب الموجبة لتشريعه والتي تقول (( لغرض إجراء انتخابات حرة وديمقراطية ونزيهة في العراق وبغية الارتقاء بهذه الانتخابات إلى المستوى المطلوب وفق المعايير الدولية المعتمدة والمطالب الشعبية، شرع هذا القانون.)).

لنقف بوجه عتاة التسويف والتضليل من ذوي الخطاب الإسلامي ونتسائل. ما هي المعايير الدولية التي أستند أليها قانون الانتخابات الذي دبجتموه وتتباهون بأنكم أنجزتموه لصالح انتخابات ديمقراطية. هذا القانون المجحف والباطل لا يتمتع بأي مصداقية أو شفافية أو نزاهة مثلما تدعون. وهو نتاج شلة فاسدة تريد أن تدفع بالعراق وباسم الإسلام نحو الخراب، وتجعله في أرذل حال لتنفرد وحدها وحلفائها من خارج العراق بالقرار وتمتص خيراته دون رقيب أو حسيب. وهي اليوم تروج لفساد الذمم وسرقة المال العام والجريمة. فيا ترى كيف تجرى انتخابات في ظل فقدان قانون مهم يضمن الشفافية وتكافأ الفرص والقوة، وهو قانون تنظيم عمل الأحزاب العراقية الذي تقف القوى المتأسلمة سدا منيعا في وجه إصداره خوفا من أن تفضح السرقات واستغلال أموال الدولة ومصادر تمويلها وارتزاقها الخارجي. وياترى كيف تجرى الانتخابات مع انعدام تعداد عام للسكان واعتمادا على البطاقة التموينية التي يشكك بصحة أرقامها حتى أعضاء البرلمان أنفسهم.

مهما قدمت من تبريرات وتقولات وفذلكات حول التعديل، فهو بعيد جدا عن المعايير الدولية في الديمقراطية والانتخابات الحرة النزيهة، وهو في محتواه الحقيقي تعديل إقصائي اجتثاني ليس إلا.