الرئيسية » المرأة والأسرة » مكابدات امرأة عراقيّة الحلقة الثالثة

مكابدات امرأة عراقيّة الحلقة الثالثة

بغداد المنتحرة لن تموت !

هنا تجوس صاحبتي في مدينة الزوال لتقارن بينها وبين مدينة الأبدية مقارنة رائعة ( ص 95 وما بعدها ) مدينة الزوال رابضة وسط أقاليم الصراعات ، مطعونة بالحروب وجشع الحاكمين ودموية النظم .. لم تزل تتواصل وسط الخراب والميتات والتمزقات الاجتماعية والديموغرافية . هنا إشارة فنية ذكية إلى هاجس الديموغرافية ، وهي التي حطمت المعادلة العراقية ! أما مدينة الأبدية ، فتتمثل بالمتحف ، ومن بؤرته يبدأ تزوير الوقائع وانتقائية التاريخ ( ص 96 ) ، فهو نخبوي وفوقي .. لقد غدا مدينة سكون خامدة لتغدو المدينة الأبدية جزيرة نائية ليس لها إلا متحف حضارات آفلة ، سكونية ، جامدة تتواطؤ مع التماثيل لتفضح وجودنا الفاني ( ص 98 ) .. تغدو بغداد مدينة تشهر الموت .. الحب محظور ، والحرائق تدمر الأشياء والجنائز تطوف في الشوارع ” .. غيّب عنها الإنسان ومنابع الجمال ، فلا تتحقق فيها سوى ديناميكية الموت .. المدينة تنتحر ” ( ص 101 ) ! اننا نجدها تنتحر ، او انها تحاول الانتحار ، لكنها ستبقى حية أبدية لن تموت ابدا .. بين قرن وآخر تغص بالحشرجات وتنوء تحت كل التحديات .. ولكن مهما طال النزيف ، فانها اقوى من كل المحن ، وسوف تستعيد حياتها من جديد كالعنقاء .. انها ابدية ، ولكن أي طريق ستسلك عبر زمن قادم ؟ أي تاريخ ستصنع في قابل ؟ لا احد يمكنه ان يتكهن بأمرها .. ولكن سيقف المؤرخون بعد مئات السنين .. ليحكوا قصة بغداد وكل المأساة التي تعيشها اليوم .. سيقولون ان بغداد عاشت غصة الانتحار ، ولكن دينامية الحياة فيها اقوى من حشرجات الموت !

يوميات الانغلاق

انغلقت كل الأبواب في يوميات الانغلاق ( ص 103 وما بعدها ) . هنا أروع صورة حقيقية عالجتها صاحبتي بفنية عالية الجودة ، وبتخيلية لا يمكن لغيرها أن يعالجها بمثل هذا الذكاء وهذه الرؤية ، وهي تراقب هذا الكائن المحجور في المغلق .. ثم تتعمق في فلسفة الانغلاق وهي ترى نفسها بين الجدارات التي غدت مع توالي السنين العاتية الصعبة بديلا عن الشرفات ، والناس تعلن الرضا بقدرية الأشياء فتتيه في صحارى ليس لهم فيها إلا استيلاد السراب ( ص 106 ) هذا تعبير فني رائع . أدخلتني صاحبتي بعد ذلك إلى مختبرها كي تريني ما الذي وجدته في مجتمع دمرّ نفسه بنفسه منذ خمسين سنة .. ولم يزل في متاهة لا يعرف ماذا يريد .. شاركت صاحبتي رؤيتها عندما أضاءت جملة من سمات الدمار : اللامبالاة .. القدرية .. الغلو .. التأجيل ..الانغلاق .. العزلة . قلت لها : كم تطابقت رؤيتي وإياك عندما قمت بتحليل التناقضات لهذا المجتمع الذي كان ولم يزل يأكل أبناؤه احدهم الآخر منذ عشرات السنين ! نعم ، مهمتنا نحن أن ” ننحت اطر الأبواب والنوافذ لنطلق رؤانا ونحلم ونوجد في حقول الدهشة والغرابة وبعدها نكتب أو نرسم أو نغّني ، أو نخوض تجربة الإبداع التأملي ” ( ص 110 ) نعم ، إن مهمتنا قبل أي شيء أن نفك عقدة الموصد والمفتوح لمجتمعنا العراقي .. مجتمع كان يعيش انطلاقته النهضوية الرائعة قبل خمسين سنة من اليوم ، ولكنها جناية تنافر هذا المجتمع مع بعضه البعض ! لقد سماه البعض بالتناشز الاجتماعي ، من دون ان يلتقط الناس معنى التناشز حقيقة وواقعا .. وانا اسميه بـ التنافر الاجتماعي .. هذا الوباء هو الذي دّمر العراق وسحق اهله وبدد ثرواته وجعله متشرذما متشظيا .. وكلما يمر الزمن ، كلما يشتد التنافر الاجتماعي تحت مظلات مختلفة ، سياسية ودينية وطائفية وعرقية وسايكلوجية .. بحيث لم يجد حتى يومنا هذا أي حكماء من قياديين ومسؤولين يبذلون المستحيل من اجل بناء الانسجام شيئا فشيئا ..

فاشية الكّتاب الجدد

نعم إنهم كما وصفتهم المؤلفة كذلك ، فهم عّرابو المحن ، كهنة الحلم وقضاة الفقد ، سارقو التفاصيل من الآلهة العاطلة ، ممولو الغوايات الذين تضيق بهم الخرائط وتنفيهم الأعاصير إلى مزحة الجنون ، تتبعهم ظللا الوهم وتقتات على دمهم فراشات الشهوة ( ص 112 ) .. أما الضحايا فهم مبدعون في ترسيم الخراب ، ومؤدلجون بكل تقليد هالك ساعة يغوص النصل في الخاصرة ( ص 112 ) .. ربما كنت مع مقولة نيتشة : ” الفن يشتهي الحياة ” ، ولكنني لست مع مقولة السيدة لطفية بأن التاريخ يعيق الحياة ! ربما في مجتمعاتنا ، ولكنه عند غيرنا مدارس يتعلمون فيها ولا يتعبدون في محاريبها ! ربما لا اتفق مع المؤلفة عندما تقول : ” يبقى التاريخ جثة مبهرجة ببريق الذهب والأكاذيب بينما يختض جسد الفن بالرؤى والرغبات وتجليات الجمال ( ص 129) . ربما كان التاريخ مشّوها ومليئا بالأكاذيب .. ولكن لا يمكننا أبدا أن نعتبر التاريخ جثة هامدة ومليئة بالأكاذيب .. فثمة جوانب ومساحات وصفحات مشرقة ومنيرة ، ودوما ما تقوم الايجابيات بامتصاص السلبيات في الأمم الحية ، بل وان حضارات سومر وأكد وبابل وآشور أو مصر وأثينا وروما ، أو بغداد والمكسيك والصين والهند .. لم تزل ترفد الإنسانية بالمزيد من الأفكار والرؤى .. وأنا لست معها أيضا ، فليس كل بناة التاريخ الذكور من الدمويين ، وليس كل فعل عنفي ذكوري يستهدف قتل المرأة متمثلة بالمستقبل ( ص 131 ) فالذكور لم تصنعهم إلا الإناث . إن التاريخ ليس مضاد المرأة ، أي انه بالنتيجة مضاد المستقبل ( ص 131 ) .



حضن التاريخ .. ام أوهام الماضي ؟

هنا نتساءل : لماذا ارتمى شعب من الشعوب في حضن التاريخ ، وتوقف في دائرة موصدة على معطياته ؟ لماذا انتهى به الأمر إلى أن لا يرى من الزمن غير صورته المقلوبة في مرآة الماضي من شخوص وأوهام وعنف وحروب ومحرمات ؟ والسؤال الأخطر : لماذا تؤمن الشعوب المستغرقة في عبادة تاريخها بأنها وحدها مالكة الحقيقة ؟ ( ص 132 ) هنا اعترض قليلا ، فالشعوب هذه لا تعرف تاريخها أبدا ، بل أنها كانت ولم تزل تعيش في الماضي ، وتتعبد في أروقته ، وتقدس صوره ورموزه وأبطاله .. لقد وصفتها منذ أكثر من عشرين سنة بـ ” الماضوية ” ، فهي منغلقة التفكير عن حاضرها وموصدة الباب أمام مستقبلها ، وليس لها رؤية وذهنية واحدة لا تجدها إلا في الماضي ! إن التاريخ شيء والماضي شيء آخر .. إن مجتمعات العالم كله تعتز بتواريخها ، ولكنها لا تعيش الماضي ، ولا تحاول إعادة الحياة إليه ، فهو ماض راحل لا يمكن أن يرجع أبدا ! وعليه ، فان شعوبنا في دولنا المتخلفة مفتونة بالماضي هربا من صدمات الحاضر التي لا تقوى على استيعابها اقتناصا لنزعة الزهو بالقوة ، واستعراضا لتمجيد الغزو ، والتفاخر بالأسلاف وتقديسهم أو البكاء عليهم .. بل ويريدون أن يعيدوا إحياء عظام الماضي وهي رميم ! لقد خرجوا اليوم من ازدواجيتهم وسكوتهم ليحطموا ما نجده في مظاهر فنية وحضارية رائعة بعد أن أعلنوا حربهم عليها منذ أكثر من خمسين سنة .. عندما وصفوها بجاهلية القرن العشرين ، وحرموا الرسم والتماثيل والموسيقى والرقص والسينما والصور الفوتوغرافية والمسرح والتمثيل والغناء .. فلقد حطّمت ببغداد بعد 2003 ، مثلا تماثيل عبد المحسن السعدون وأبو جعفر المنصور وأبو نؤاس وعدة من الأعمال الفنية ! وكان النظام العراقي السابق قد شن حربا مقدسة باسم الدين على تماثيل رائعة أثناء الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي ( ص 134) تمسحا بما يقوله المشعوذون ، وتملقا لهم .. وحربا على الفن ، لأن الفن الحقيقي يرعب العتاة ، ويهتك كل الحجب .



الحرب الاصولية على المرأة

ولما كان الفن جميلا ، وهو يشتهي الحياة .. والحياة هي المرأة التي تعد أجمل الكائنات ، فان الحرب ضدها دوما ، وضد وجودها كانسان يمثل عنوان الحياة .. لذا هم ضد الحياة .. إنهم مع البدائية في كل معانيها الأولى وصفاتها المتحجرة .. إنهم ما زالوا يطربهم سماع وقع الحوافر .. ورشقات السيوف البيض البوارق .. وأخبار الغزوات والبطولات والعنتريات .. وترديد حكايات السلالات والقبائل والأفخاذ والبطون والأطراف .. إنهم يشتهون سماع سبي النساء وذبحهن أو أخذهن سرايا وجواري لاستخدامهن في الاغتصاب .. لكنهم لا تعجبهم شهرزاد وهي تقص حكاياتها على شهريار .. لا تعجبهم نسوة يخدمن المجتمع لأنهم لا ينظرون إلى المرأة نظرة متوازنة ومتوازية وسليمة وبريئة .. إنهم يكرهون المرأة كراهية عمياء في العلن ، ويلاحقونها بكراهيتهم التي تجدها في عيونهم وتصرفاتهم .. إنهم يهدرون دم المرأة بفتاوى تصدر من فوق المنابر .. إنهم يقتلون فيها حيويتها وجمالها .. إنهم يسحقون أنوثتها .. إنهم يريدونها أن تعاشرهم سرا للمتعة ، وهم يصرحون بالمتعة ، إنهم منشغلون بكيفية مناكحتها فقط ، وثمة فقه كامل للنكاح يحدد ما يمكن أن يفعله الرجل بتيسير المتع للذكور المحاربين والمجاهدين والمعممين .. إن المرأة تشغلهم ليل نهار ، ولا يفكرون إلا بصورها وهي عارية ، بل وتصل درجة المنع إلى أن صوتها عورة ، ووجهها عورة وكلها مجموعة عوراء وعورات ، فيستلزم تدميرها باسم الاخلاق ، وقتلها باسم الشرف .. لقد سحقت خطبهم وفتاويهم واحاديثهم حياتنا .. ولم يكتفوا بما كان لهم من وسائل وادوات ، بل سيطروا على اغلب الفضائيات ، وشغلوا تفكير الناس بهذا الكائن الذي يشارك الرجل الحياة ، ولكن بلا أية حقوق وهو مجني عليه دوما منذ أن كان يوأد وهو حي حتى وهو يذبح على مرأى من الملايين !



كيف نتجاوز الانتروبيا ونجترح الخلود ؟

إن الانتروبيا ، كما عرفناها سابقا ، هي حصيلة كونية من التبديد غير القابل للاسترجاع أو الاستغلال ( ص 185) .. فكل من يريد إرجاع الماضي فهو يحلم .. إن علينا أن نفكك تاريخنا السري والعلني الذي دونته المخاوف والعداوات والأوهام .. علينا أن نتحرى الجمال وان نضيء التفكير ونزيح العتمة ( ص 139) ، وان لا نلزم أنفسنا بماض صنعه لنا سوانا ( ص 142) .. إن نعيد العراق إلى الحياة ليبحث أهله عن الخلود ، وهذا لا يحدث إلا إن غسل الناس أنفسهم من كل الذنوب .. وأذابوا عنهم كل الكراهية والأحقاد التي ترسّبت بقاياها المشتعلة في القلوب عبر مئات السنين ! علينا أن نحطم كل الجدارات السامقة التي وضعوها للتمييز بين البشر على أسس دينية وعرقية وطائفية وقومية .. إن ” ثقافة الجدران تأكل من جرف الحرية حتما وتقيدها وتبددها ، فلا معنى للحرية مع ثقافة الجدران .. ” ( ص 160 ) ماذا نفعل إن غدا الجدار إيقونة السياسة الجديدة ، بعد أن فجعنا على مدى نصف قرن من إشادة الأسوار حول أنفسنا والجدران حول مجتمعاتنا ؟ إن التبديد هو المضاد للخلود .. فهل نبقى نعيش أوهاما مبددة ، أم نعمل على اجتراح الخلود ؟ كيف نقضي على انتروبيا الاحتراب ؟ كيف نزرع النفوس بأنفاس الحب ؟ كيف نجعلهم يفكرون كغيرهم بمستقبلهم قبل أن يلتفتوا إلى ماضيهم المصطبغ بكل التناقضات ؟ كيف نعلم اولادنا واحفادنا ان قصة الحضارة بدأت على ترابكم ؟؟ وكيف كان العراقيون القدماء يبحثون عن الخلود .. فكيف بنا اليوم نحاول اجتراح الخلود ؟



واخيرا : هل من رحلة جديدة قادمة ؟

لقد علمتنا رحلتنا الجميلة مع الروائية المبدعة لطفية الدليمي في بواطن يوميات المدن الكثير .. لقد كانت بغداد سيدة تلك المدن بالرغم من كل المحن التي عاشتها ولم تزل تعيشها .. فستبقى والعراق كله مدرسة لأهله الذين سيجدون يوما طريقهم نحو الحياة والمستقبل بأفكار جديدة ، وأساليب حياة جديدة .. وكم هي الحاجة ضرورية وملحة في أن نبحر دوما في عوالم فكرية عالية المستوى وبواطن فلسفية ثرية الأعماق ، كما فعلنا ذلك هنا .. أتمنى على السيدة الدليمي أن تتمتع بكل الصحة لتقدم لنا في قابل الأيام .. مخلوقا جميلا رائعا كالذي قدمته في يوميات المدن .


نشرت في الف ياء الزمان ، 15 نوفمبر / تشرين الثاني 2009 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com