الرئيسية » شؤون كوردستانية » نظام ولاية الفقيه: مخاض القدرة أم تباشير الزوال؟(4 ـ 4)

نظام ولاية الفقيه: مخاض القدرة أم تباشير الزوال؟(4 ـ 4)

الموت لأمريکا، کان الشعار الرئيسي الذي رفعه النظام الراديکالي في إيران منذ الشهور الاولى من مجيئه للحکم، هذا الشعار الذي إتخذ بعدا خاصا بعد إحتلال السفارة الامريکية في طهران ولاسيما بعد ان إقترن هذا الشعار بصفة أخرى أطلقت على الولايات المتحدة الامريکية وهي(الشيطان الاکبر) حيث ترکزت الانظار و بقوة على مسألة العداء الاستثنائي الذي تکنه السلطة الدينية في طهران لواشنطن وساد ثمة إعتقاد بأن القطيعة النهائية بين هذا النظام و الولايات المتحدة الامريکية قد تمت وللأبد.
وجاءت العملية العسکرية الامريکية الفاشلة لتحرير الرهائن أثر سقوط الطائرات المهاجمة في صحراء طبس، لتؤکد هي الاخرى جنوح العلاقات الايرانية ـ الامريکية نحو مفترق بالغ الحساسية و الخطورة وترسم آفاقا جديدة في مستقبل هذه العلاقات. واستغلت القيادة الايرانية الحرب التي شنها نظام الرئيس العراقي صدام حسين ضد إيران بإعتبارها حربا بالنيابة عن أمريکا و دول المنطقة و سعت لتصوير نفسها وکأنها تواجه هجمة شاملة للقضاء المبرم عليها، ولم تکن الحرب التي شنها النظام البعثي على النظام الجديد في إيران إلا بمثابة هدية من السماء قدمت له لکي يستغلها في قمع و تصفية مناوئيه على نار هادئة وفي الوقت الذي کان هناك نوع من التنسيق بين النظام البعثي و الولايات المتحدة الامريکية فيما يتعلق بالموقف من النظام الايراني، فإن تنسيقا ومن نوع آخر کان قائما أيضا بين طهران و واشنطن عبر قنوات غير مباشرة وهو تنسيق بدأ يمهد لمرحلة جديدة من العلاقة بين البلدين بدا واضحا فيما بعد ان طهران تريد من خلالها مقايضة الامن و الاستقرار في المنطقة و أجزاءا من العالم بمنحها نوعا من النفوذ و الشراکة الخاصة غير تلك التي کان نظام الشاه يحظى بها.
وجائت حربي أفغانستان و العراق، لتؤکد تطورا ملفتا للنظر في العلاقات الايرانية ـ الامريکية و ترسم ظلال دور جديد للنظام الايراني في المنطقة، دور يمنحه الکثير من التميز و الخصوصية قياسا الى الدول الاخرى في المنطقة ولاسيما عندما طفقت طهران تستخدم اوراقها في هذين البلدين و عشية الحرب الامريکية فيهما بإتجاه يخدم المصالح و الاهداف الامريکية في الحصول على نصر(محدد)وليس(حاسم)، وأدرکت واشنطن بأن طهران قد لعبت معها لعبة سياسية ـ أمنية أضافت لها العديد من نقاط القوة و المناورة و المراوغة معها وعلى الرغم من ان واشنطن لم تحبذ الاقرار علنا و بشکل مباشر بهذه الحقيقة المرة، لکن الوقائع و الادلة و الاعترافات الضمنية غير المباشرة قد جسدت بوضوح ان لدى واشنطن مشکلة متفاقمة مع طهران وانه ليس هنالك من مناص أمامها إلا الجلوس معها على طاولة واحدة للتفاوض بخصوص نقاط و محاور عديدة معها، وهو ماحدث بخصوص العراق رغم ان الذي قد أعلن عنه بهذا الشأن قد لايکون شيئا يذکر قياسا لما قد تم بعيدا عن الاضواء و خلف الکواليس أو الابواب المغلقة. وقطعا فإن واحدة من أهم الاسباب التي دفعت الادارة الامريکية في عهد الرئيس جورج بوش الابن الى التريث في عملية المواجهة العسکرية مع إيران، هو تخوفها و توجسها الشديدين مما قد تخبأه طهران في جعبتها من مفاجئات ليست في الحسبان. لکن الامر المهم الذي لفت انظار المراقبين السياسيين و عواصم المنطقة، هو تبلور صيغة من التفهم العملي لدى واشنطن لإتخاذ طهران کشريك محتمل على مدى المستقبل المنظور وقد سبقت بعض من دول الاتحاد الاوربي واشنطن في هذا التفهم الحساس و الاستثنائي وقد کان هذا الامر مفيدا و منعشا للموقف السياسي لطهران على الصعيدين الاسلامي و العربي وتمکنت من توظيفه بسياقات محددة لفرض المزيد من هيمنتها الاقليمية على دول المنطقة. ولئن سعت الولايات المتحدة الامريکية و دول الاتحاد الاوربي لوضع حد للتطلعات النووية الايرانية، لکن طرح مسألة الشراکة الايرانية و منحها دورا إقليميا محددا قد أعطى إنطباعا بأنه من الممکن جدا في ضوء صيغة متقدمة من إتفاق شراکة إيراني ـ غربي يأخذ العديد من وجهات النظر و المواقف الغربية بنظر الاعتبار، مناقشة ملفات مفيدة لطهران.
وقد لايکون من المستبعد ان تقر الولايات المتحدة الامريکية و من خلفها إسرائيل أيضا بإيران نووية بعد صفقة محددة المعالم و الابعاد تمنح کل طرف حقوقه و إمتيازاته الخاصة وهذا الاحتمال لايمکن إعتباره في حکم المستحيل بحسب ما تتصور اوساطا سياسية عديدة في المنطقة خصوصا وان النظام الايراني وهو يعيش مرحلة عصيبة جدا من تأريخه و يواجه اوضاعا محرجة قد لا يتوانى في الموافقة الکاملة على الشروط الغربية و عودته الى لعب دور مشابه لنظام الشاه السابق لکن بإختلاف طفيف هو ان الشاه الجديد يضع عمامة على رأسه ويستخدم الى جانب قواته و اسلحته، إمکانيات أخرى يمتلکها في عمق العديد من بلدان المنطقة.
هذه الفرضية يبدو ان احتمالاتها باتت تتزايد يوما بعد آخر وتدل مختلف المؤشرات و الدلائل الى النظام الايراني يسعى قدما من أجل ذلك و مع ان هناك تباينات و تضاربات عديدة في المواقف و الاراء الايرانية و الغربية بشأن مختلف القضايا المطروحة، لکن في نفس الوقت هناك تطابق عملي في الاراء و المواقف على الارض من خلال تفاهم غير مباشر متفق عليه ضمنيا، لکن السؤال الاهم هو: هل ان الغرب قد ضمن فعلا جانب النظام الايراني وهل ان هکذا نظام يعتمد اساسا على فکرة تصدير القلاقل و الفتن و الاضطرابات الى دول اخرى ليضمن بقائه، يرعوي لمنطق الامن و الاستقرار و السلام؟ ان کل المعطيات المستحصلة من تجارب العقود الماضية تؤکد ان لهذا النظام باع کبير في خداع الآخرين و الوصول الى أهدافه بطرق ملتوية و سيکتشف الغرب فيما لو سار بهذا الطريق المحفوف بالمخاطر الجمة على السلام و الامن و الاستقرار في المنطقة بأنه قد إختلق لنفسه و للعالم مشکلة عويصة من الصعب السيطرة عليها بسهولة ويومها ماذا سيقول الغرب للعالم لکي يبرر خطأه التأريخي هذا؟!