الرئيسية » دراسات » ثورة 14 تموز في نهوضها وانتكاستها واغتيالها الحلقة 18

ثورة 14 تموز في نهوضها وانتكاستها واغتيالها الحلقة 18

سابعاً:الحزب الشيوعي يحاول تكوين جبهة وطنية ديمقراطية جديدة

نتيجة للشرخ الكبيرالذي حدث في صفوف جبهة الاتحاد الوطني خلال الأشهر الأولى من عمر الثورة، وانسحاب الأحزاب القومية منها ومن الحكومة، لم يبقَ في الجبهة سوى الحزب الوطني الديمقراطي والحزب الشيوعي، وحتى العلاقة بين هذين الحزبين أخذت بالتردي يوماً بعد يوم، بعد اتساع المد الشيوعي، وسيطرته على الشارع العراقي، وهيمنة الحزب الشيوعي على كافة المنظمات الجماهيرية، والنقابات المهنية والعمالية، واتحاد الجمعيات الفلاحية، واتحاد الطلبة، وتلك كانت أحد الأخطاء الكبرى التي وقع فيها الحزب الشيوعي، والتي سببت ابتعاد الحزب الوطني الديمقراطي، وبشكل خاص جناحه اليميني عنه، وسعيه الحثيث لكبح جماح الشيوعية، وتحريض عبد الكريم قاسم على الوقوف بوجه الحركة الشيوعية، حرصاً على مصالحه الطبقية.
كان على الحزب الشيوعي، الذي حرصت قيادته على اعتبار تلك المرحلة هي مرحلة الوطنية الديمقراطية، عدم استفزاز البرجوازية الوطنية، وعدم استبعادها عن النشاطات الديمقراطية، والاستئثار بكافة المنظمات الجماهيرية، والنقابات المهنية والاتحادات العمالية، والفلاحية.
أخذت العلاقات بين الحزبين بالتردي، كما أسلفنا يوماً بعد يوم حتى وصلت إلى طريق اللا عودة، عندما حدث الانشقاق في صفوف الحزب الوطني الديمقراطي، ومن ثم استقالة رئيسه الأستاذ كامل الجادرجي، ومن ثم استقالة الجناح اليميني، بزعامة محمد حديد من الحزب، وتأليفهم [الحزب الوطني التقدمي].
لقد لعب الحزب الشيوعي دوراً في ذلك الانشقاق عندما دفع، وشجع العناصر اليسارية في الحزب الوطني الديمقراطي، إثر قرار الجناح اليميني تجميد نشاط الحزب، إلى تشكيل قيادة جديدة للحزب، ومواصلة النشاط السياسي.
وهكذا أقدم عدد من الشخصيات السياسية المحسوبة على الجناح اليساري على إصدار بيان يستنكر فيه إقدام محمد حديد وكتله على قرار تجميد نشاط الحزب، بتحريض من الحزب الشيوعي الذي أصدر بياناً في 22 أيار9 بعنوان [ حول إيقاف نشاط الحزب الوطني الديمقراطي]، شجب فيه قرار التجميد، داعياً العناصر اليسارية في الحزب إلى مواصلة النشاط السياسي، وعلى أثر ذلك أصدرت الكتلة اليسارية في الحزب، والتي ضمت كل من السادة:
1 ـ عبد الله البستاني 2 ـ عبد المجيد الونداوي 3 ـ علي عبد القادر
4 ـ نايف الحسن 5 ـ حسان عبد الله مظفر 6 ـ ناجي يوسف
7ـ علي جليل الوردي 8 ـ حسين أحمد العاملي 9 ـ سليم حسني
10 ـ عادل الياسري
أصدروا بياناً في 22مايس 1959، حول رفض قرار التجميد، ومما جاء في البيان:
{ونحن إذ نعلن مخالفتنا لقرار التجميد فإننا ندعو أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي، المؤمنين بأداء واجبهم الحزبي في هذه الظروف، إلى الاستمرار في النشاط الحزبي، كما نعتبر أن الذين أصدروا قرار وقف نشاط الحزب، ومن يؤيدهم من أعضاء الحزب، إنما قرروا ذلك بالنسبة لأنفسهم فقط}.
لقد كانت تلك الخطوة من جانب الحزب الشيوعي، والجناح اليساري في الحزب الوطني الديمقراطي خطوة انفعالية بلا شك، عمقت من الشرخ بين الحزبين من جهة، وبين الحزب الشيوعي وعبد الكريم قاسم من جهة أخرى، فقد كان واضحا أن قاسم سوف يقف بوجه الحزب الشيوعي مهما فعل، أضافه إلى دفع العلاقة بين الحزبين إلى مرحلة اللا عودة.
لكن الحزب الشيوعي ذهب إلى أبعد من ذلك عندما دعا الجناح اليساري في الحزب الوطني الديمقراطي، والجناح اليساري في الحزب الديمقراطي الكردستاني، إلى إقامة [جبهة وطنية ديمقراطية جديدة]، وتوصل معهما إلى مشروع ميثاق جديد للجبهة المذكورة، في 28 حزيران 1959، وتضمن الميثاق الجديد البنود التالية:
1ـ صيانة الجمهورية، والحفاظ على خط سيرها، باتجاه الديمقراطية، وتطهير كافة مؤسسات الدولة، والقوات المسلحة من العناصر المعادية للثورة، وإحلال العناصر المخلصة والكفوءة محلها.
2ـ التضامن مع كافة البلاد العربية المتحررة في كفاحها ضد الاستعمار والصهيونية.
3 ـ السير على سياسة الحياد الإيجابي، ومقاومة الإمبريالية.
4 ـ تعزيز الأخوة العربية الكردية، والسعي من أجل الوحدة الوطنية.
5ـ اعتماد مبدأ الديمقراطية الموجهة، وإشاعة الحريات الديمقراطية، وحرية التنظيم الحزبي والنقابي، وحرية الصحافة، لكل القوى التي تدافع عن الجمهورية ومكاسب ثورة 14 تموز المجيدة.

وقد وقع على ميثاق الجبهة عن الحزب الشيوعي كل من السادة:
1 ـ عامر عبد الله 2 ـ عبد القادر إسماعيل 3 ـ زكي خيري
4 ـ عزيز الحاج 5 ـ بهاء الدين نوري 6 ـ كريم أحمد
7 ـ محمد حسين أبو العيس

فيما وقعها عن الجناح اليساري للحزب الوطني الديمقراطي كل من السادة:
1 ـ المحامي ناجي يوسف 2 ـ صلاح خالص
3 ـ علي جليل الوردي 4 ـ أحمد الجلبي
5 ـ عبد المجيد الونداوي 6 ـ نايف الحسن
7 ـ حسين أحمد العادلي

أما الجناح اليساري للحزب الديمقراطي الكردستاني فقد وقع عنه كل من السادة:
1 ـ المحامي حمزة عبد الله 2 ـ خسرو توفيق
3 ـ عزيز صالح الحيدري 4 ـ نزار أحمد
5 ـ المهندس نوري شاويس 6 ـ شمس الدين المفتي
7 ـ صبغة الله المزيوري

وقد سارع الموقعون على ميثاق الجبهة الجديدة إلى إرسال مذكرة إلى عبد الكريم قاسم تشرح فيها الأوضاع السائدة في البلاد، والمخاطر التي تجابه الثورة ومكاسبها، وأهمية الوحدة الوطنية في الكفاح ضد الاستعمار والرجعية، وتعلن فيها عن إقامة الجبهة، وأهدافها، وفيما يلي نص المذكرة :

نص مذكرة الجبهة الوطنية الديمقراطية للزعيم عبد الكريم قاسم

سيادة الزعيم عبد الكريم قاسم المحترم : (17)
منذُ أنْ وطأ الاستعمار بلادنا، وطوال سنوات الكفاح المريرة في العهد المباد كان العمل من أجل وحدة الصف الوطني، هدف الشعب الأسمى، وسلاحه التعبوي الحاسم لتحقيق انتصاراته.
وبالعكس كانت الفرقة، أحد الأسباب الرئيسية للانتكاسات، وفي غمرة الكفاح الوطني، في ظروف مده وجزره، ومن خلال تجارب النجاحات والإخفاقات، انبثقت فكرة الجبهة الوطنية الموحدة وتبلورت، وغدت ستار الشعب الحقيقي.
وكان لابدّ للقوى والأحزاب والعناصر الوطنية أن تستجيب لإرادة الشعب في الوحدة، فتضافرت جهودها، واتحدت صفوفها، وأدركت كل واحدة منها بتجربتها وتجربة الحركة الوطنية عموماً، وبالاستناد إلى تقدير موضوعي، أن أية قوة بمفردها، وبدون مساندة الشعب، لن يكون بمستطاعها تحقيق مهمة الانتصار على الاستعمار وأعوانه.
وبفضل تضامن الجيش، والقوى السياسية، وبفضل جهودهما المشتركة، بصرف النظرعن تباين الأساليب، وتفاوت الطاقات العملية، وبفضل مساندة الشعب الحازمة، كُتب الانتصار الساحق والسريع لثورة 14 تموز الظافرة عام 1958.
إن هذه الحقيقة لم تفقد أهميتها وصحتها بعد الانتصار، وبعد تحقيق أهداف الشعب في ضرب النظام الملكي الاستعماري الإقطاعي، وفي إقامة نظام حكم جمهوري وطني متحرر، فلم يكن بإمكان أي قوة بمفردها أن تصون الثورة وجمهورية الرابع عشر من تموز، فقد آزر الشعب جيشه الباسل، وحكومته الوطنية، ووقف الجيش مع الشعب، واستندت الحكومة على الشعب وقواه الوطنية المناضلة المخلصة، وظل المخلصون لإرادة الشعب، ومبادئ الثورة، وانتم على رأسهم متمسكين في كل الظروف والأوقات العصيبة التي مرت بجمهوريتنا بشعار [وحدة الصفوف] هذا الشعار الذي التزمت به ، ودافعت عنه الغالبية الساحقة من القوى الوطنية، ولم تشذ عنه سوى العناصر والجماعات التي تضافرت جهودها مع جهود الطامعين، والقوى المعادية للجمهورية، من الاستعماريين، والإقطاعيين. ولولا وعي الشعب ويقظته، ويقظة القوى الوطنية، لكان بمستطاع تلكم الزمر المعادية والمفرقة شق وحدة الشعب، وتلاحم صفوفه، والتسبب في جلب الكوارث الحقيقية على البلاد.
بيد أن الشعب فوت الفرص على الأعداء والطامعين، ومفرقي الصفوف، وبقي صامداً موحداً تحت زعامتكم، وقد أصبح ذلك ممكناً بفضل وحدة الجيش والشعب بقيادتكم الحكيمة الحازمة، هذه الوحدة التي كانت العامل الأساس الذي مكن البلاد من تخطي المؤامرات والهزات التي تعرضت لها، والقضاء عليها بتفوق باهر، وسرعة فائقة، وكما أن الشعب، وقواه الوطنية، وقيادة البلاد، أدركت أهمية الوحدة الوطنية، وضرورتها التي لا غنى عنها، فقد أدرك الاستعمار وأعوانه الطامعون كذلك، عظم وخطر وحدة الصف على مشاريعهم، ومؤامراتهم ومآربهم الهادفة إلى نسف كيان الجمهورية، وضرب زعامتكم.
لقد ركز الاستعمار خلال الأشهر الأخيرة بوجه خاص، كل جهوده من أجل بث الشكوك والريبة داخل القوى الوطنية، بغية الإخلال بوحدتها، وتأليب بعضها ضد البعض الآخر، لفتح الثغرات، والنفوذ منها، جرياً على سياسة ” فرق تسد “، وتعلمون سيادتكم أن الاستعمار لا ينهج لتحقيق أغراضه سُبلاً مكشوفة يمكن تمييزها بسهولة ويسر، بل يعمد وهو العدو المسلح بتجربة واسعة في هذا المضمار إلى استخدام أعقد الخطط، وأكثر السبل الماكرة، وغير المباشرة، والملتوية والخبيثة.
ولئن كان الاستعمار أخفق في نسف استقلال البلاد، وقلب الحكم الجمهوري الديمقراطي، والإطاحة بزعامتكم، فإن هدفه هذا لم يتغير، ولن يتغير، حيث لا يمكن للاستعمار أن يتخلى عن مساعيه، ودسائسه في سبيل إرجاع نيره المهشم، واستعادة نفوذه المنهار حتى لو أدى ذلك إلى إغراق الوطن في بحر من الدماء الزكية.
إن مما يأسف له كل مخلص، حدوث بعض الأمور والملابسات والمواقف التي صدرت من هذا وذاك من الأطراف الوطنية، والتي أدت إلى تقوية أمل المستعمرين، وانتعاش مقاصدهم اللئيمة ضد بلدنا الحبيب، وكان من نتائج ذلك، مع الأسف، هذه البلبلة الواضحة التي سرت في صفوف الشعب، وقواه الوطنية، وخلخلت الصف الوطني.
إننا حينما نشير إلى هذا الوضع المؤسف، فنحن لا نتطير منه بحال من الأحوال، ولسنا مساقين بنظرة التشاؤم، وإنما نستند إلى وقائع ملموسة اطلع عليها الرأي العام، وتحسستها أوسع الجماهير، والعناصر الوطنية المخلصة، وفعلت فعلها السلبي في سريان القلق المشروع في الأوساط الشعبية، والجماهير محقة كل الحق في استنتاجاتها وشعورها، خاصة وأن الشعب تعلم من خلال تجربته، وتجارب الأمم الأخرى، أن الاستهانة بالأعداء المتربصين، سواء كانوا داخليين أم خارجيين هي داء وبيل، أصابت عدواه حركات وطنية كثيرة، وأدت بها إلى الانتكاس والخذلان .
ومما لا ريب فيه أن المخلصين كافة لا يوجد بينهم من يرغب، أو يقبل مثل هذا المصير لثورتنا المباركة المظفرة، التي هي كما أكدتم سيادتكم دائماً للشعب إنها حصيلة دماء غزيرة وعزيزة، وجهود وآلام بذلتها الملايين من أبناء الشعب خلال سنوات طويلة من الكفاح والعذاب المتواصل.
وقد آن للشعب المكافح الصابر عقوداً من السنين، بل دهوراً، أن يحصد الثمار، ويتمتع بحريته الكاملة، وحقوقه الديمقراطية العادلة، وخيرات بلاده الوفيرة، وهذا ما يناضل من أجله كل المخلصين، كما سبق لسيادتكم أن صرحتم به دائماً.
إن الواقع للوضع المؤسف هذا الذي أشرنا إليه قبل قليل قد أثار، ولم يكن بالإمكان أن لا يثير، أقصى درجات اليقظة لدى الشعب، وحفز وعيه على الاستعانة بتجاربه وتجارب الأمم الأخرى التاريخية، فبرز على الألسن، كما تغلغل في القلوب أكثر من أي وقت مضى، شعار وحدة [الصف الوطني] وتقويته، والدفاع عنه وعن الجمهورية، و مكاسب ثورة الشعب وجيشه المقدام.
وما كان لهذه الرغبة النبيلة الواعية لدى جماهير الشعب إلا أن تنعكس على مختلف قواه الوطنية التي يقف على رأسها ويرعاها سيادتكم، ونحن كجزء من هذه القوى الوطنية حملنا شعورنا بالمسؤولية، إزاء هذا الوضع الراهن، وإزاء مهمة الحفاظ على مكاسب الشعب، وعلى تضافر الجهود، ودفعنا إلى التقارب بين بعضنا لدراسة المعالم المميزة للظرف الذي يكتنف الجمهورية، وتحديد واجباتها فيها.
ولقد توصلنا بنتيجة دراستنا للعوامل التي أدت إلى الإخلال بوحدة الصف الوطني والإساءة إليه، وتحري الحلول الممكنة، والعملية التي تساعدنا على بعثها مجدداً، وعلى أفضل وجه، وتوصلنا إلى مواصلة نشاطنا في [جبهة الاتحاد الوطني]، واتخاذ جميع الخطوات المقتضية لإعادة حيويتها، وتحويلها إلى واقع ملموس، وجهاز وطني فعّال، قادر على تعبئة وتوحيد صفوف الشعب.
وبناء عليه، فقد تم الاتفاق فيما بيننا على إقرار[ميثاق إنشائي] نبلور ونصوغ فيه وجهة نظرنا المشتركة في المسائل الكبرى التي نصت عليها بنود الميثاق، والتي تواجه البلاد في الظرف الراهن، سواء ما كان يتعلق منها بصيانة الجمهورية، أو بتخطيط وبناء مستقبل البلاد، وهذا الميثاق الوطني، هو عهد مقدس بين القوى المنضوية، أو التي ستنضوي في المستقبل تحت لواء جبهة الاتحاد الوطني، والتي ستمارس نشاطها المشترك تحت قيادتكم الحكيمة.
وما من شك أن ما جاء في هذا الميثاق، قد يحتمل الإضافة، أو التعديل متى ما أرادت الأطراف المشتركة فيه، أو متى ما ارتأت تلك القوى الوطنية ضرورتها. وباعتقادنا أن خطوتنا هذه من أجل وحدة الصفوف ستكون ذات أهمية كبرى، وأكثر جدوى في خدمة الجمهورية، كلما ضمت جبهة الاتحاد الوطني قوى شعبية أخرى، وإمكانيات جديدة.
إننا إذ نتقدم إليكم بصورة من ميثاقنا الوطني الذي تم اتفاق كلمتنا عليه برغم الاختلاف في اتجاهاتنا، وميولنا السياسية نحن القوى المؤتلفة في جبهة الاتحاد الوطني، لنا وطيد الأمل بأننا سنجد من لدن سيادتكم كل التشجيع والرعاية، وتقبلوا فائق احترامنا. (18)
المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي
بغداد في 28 حزيران 1959

2 ـ عبد الكريم قاسم يتجاهل المذكرة ويواصل سياسته المعادية للحزب الشيوعي
إن عبد الكريم قاسم، الذي كان قد عقد العزم على ضرب الحزب الشيوعي، والحد من نشاطه، والسير في طريق الحكم الفردي، والاستئثار بالسلطة، تجاهل تلك المذكرة، وتجاهل الجبهة، بل وأوغل أكثر فأثر في سياسته الهادفة إلى تجريد الحزب الشيوعي من كل أسباب قوته وجماهيريته، وعدم التوقف في توجيه الضربات المتلاحقة له.
ولم تفد الحزب تلك العبارات التي أطرى بها على قاسم، وسياسته الحكيمة!! في زحزحته عن مواقفه تجاه الحزب، بل جعلته يندفع أكثر فأكثر في هذا السبيل، مصمماً على حرمان الحزب من ممارسة نشاطه السياسي، استناداً لقانون الأحزاب والجمعيات الذي أصدره في الأول كانون الثاني 1960.
أما محمد حديد ورفاقه في الحزب الوطني التقدمي فقد رفضوا الانضواء تحت راية تلك الجبهة، معللين ذلك بأن الحزب الشيوعي قد عمل من وراء ظهر الأحزاب، وأن تلك الجبهة هي من صنع الشيوعيين، ورفضوا أي نوع من التعاون مع الحزب الشيوعي، ومع الجبهة المعلنة.
وهكذا، فإن هذه الجبهة لم تستطع أن تؤدي مهامها، وتحقق أهدافها، نظراً لتعقد الظروف السياسية، وتدهور العلاقات بين أطراف القوى الوطنية من جهة، ومواقف عبد الكريم قاسم من جهة أخرى، إضافة للشرخ الذي أصاب الحزب الوطني الديمقراطي، وانعزال القوى القومية، وتنكبها لمسيرة الثورة، ولجوئها إلى التآمر المسلح، والمكشوف لإسقاطها، والإطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم .

ثامناً: تدهور العلاقة بين الأكراد والسلطة ولجوء الطرفين إلى السلاح:

كان ثالثة الأثافي في تدهور الأوضاع السياسية في البلاد، وانقسام القوى الوطنية، حدوث الخلافات العميقة بين السلطة وقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني، ولجوء الطرفين إلى الصراع المسلح، واستخدام السلطة للجيش في ذلك الصراع. ولم تجد نفعاً كل النداءات التي وجهها الحزب الشيوعي لكلا الطرفين لإيقاف القتال، واللجوء إلى الحوار، لحل المشاكل المعقدة، إلا أن جهوده باءت بالفشل، واستمرت الحرب بين الطرفين حتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963 .
بدأت العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والسلطة بالتدهور عام 1961 عندما هاجمت صحيفة الحزب [ خه بات ] أسلوب السلطة في إدارة شؤون البلاد، وطالبت بإلغاء الأحكام العرفية، وإنهاء فترة الانتقال، وإجراء انتخابات عامة حرة، وسن دستور دائم للبلاد، وإطلاق سراح السجناء السياسيين الأكراد، واحترام الحياة الحزبية، وحرية الصحافة. (19)
وجاء رد عبد الكريم قاسم سريعاً حيث أمر بغلق مقر الحزب في بغداد، وغلق صحيفة الحزب ومطاردة قادته، واعتقال البعض منهم في آذار 1961، واستمرت العلاقة بين الطرفين بالتدهور حتى بلغت مداها في شهر تموز من ذلك العام .
وفي 20 تموز 1961، قدم المكتب السياسي للحزب مذكرة إلى عبد الكريم قاسم، طالبه فيها بتطبيق المادة الثالثة من الدستور المؤقت، والتي نصت على حقوق الشعب الكردي، كما طالبت بسحب القوات العسكرية المرسلة إلى كردستان، وسحب المسؤولين عن شؤون الأمن والشرطة والإدارة، الذين كان لهم دور بارز في الحوادث التي وقعت في كردستان العراق، وإعادة الموظفين الأكراد المبعدين إلى ديارهم، وإطلاق الحريات الديمقراطية، وإنهاء فترة الانتقال، وانتخاب مجلس تأسيسي، وسن دستور دائم للبلاد، وإلغاء الأحكام العرفية، وتطهير جهاز الدولة من العناصر المعادية لثورة 14 تموز. (20)
لكن عبد الكريم قاسم تجاهل المذكرة، واستمر في حشد قواته العسكرية في المناطق المحاذية لإيران، حيث كان قد اندلع تمرد قام بها كبار الإقطاعيين، بقيادة الإقطاعيين الكبيرين [ رشيد لولان ] و[عباس مامند] بدعم وإسناد من النظام الإيراني، والسفارة الأمريكية في طهران، وقد أستهدف رشيد لولان، وعباس مامند، إلغاء قانون الإصلاح الزراعي، فيما استهدفت الإمبريالية الأمريكية، وعميلها [ شاه إيران] زعزعة النظام الجديد في العراق تمهيداً لإسقاطه. (20)
لكن من المؤسف أن الحزب الديمقراطي الكردستاني، وزعيمه الملا مصطفى البارزاني، ركبوا نفس الموجة التي ركبها رشيد لولان، وعباس مامند، وحملوا السلاح بوجه السلطة، دون أن يقدروا دوافع تلك الحركة، والقائمين بها، والمحرضين عليها، ومموليها، مغلّبين التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي مع الإمبريالية.
كما أن عبد الكريم قاسم ركب رأسه، ورفض اللجوء إلى الحوار، وحل المشاكل مع القيادة الكردية، وإيجاد الحلول للأزمة السياسية التي كانت تعصف بالبلاد، وظن أن اللجوء إلى السلاح سينهي الأزمة خلال أيام، ويصفي كل معارضة لسياسته في البلاد، لكن حساباته كانت خاطئة، وبعيدة جداً عن واقع الحال، وكانت تلك الحرب في كردستان أحد أهم العوامل التي أدت إلى اغتيال ثورة 14 تموز يوم الثامن من شباط 1963.
أستهل الحزب الديمقراطي الكردستاني صراعه مع السلطة بإعلان الإضراب العام في منطقة كردستان في 6 أيلول 1961، حيث توقفت كافة الأعمال، و أصاب المنطقة شلل تام، وقام المسلحون الأكراد باحتلال مناطق واسعة من كردستان، فكان رد السلطة دفع قطعات الجيش في 9 أيلول، لضرب التجمعات الكردية مستخدمة كافة الأسلحة، والطائرات، وهكذا امتدت المعارك وتوسعت لتشمل كافة أرجاء كردستان، واستمرت المعارك حتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963، وتبين فيما بعد أن الحزب الديمقراطي الكردستاني قد تعاون مع انقلابيي 8 شباط حيث كانت الاتصالات بينهم مستمرة قبل الانقلاب، كما شارك الطلبة الأكراد في الإضراب الذي أعلنه البعثيون قُبيل وقوع الانقلاب.
لقد وقع قادة الحركة الكردية في خطأ جسيم آخر، عندما وضعوا أيديهم بأيدي أولئك الفاشيين ضد السلطة الوطنية بقيادة عبد الكريم قاسم، ظنناً منهم أن بالإمكان حصول الشعب الكردي على حقوقه القومية على أيدي أولئك الانقلابيين القوميين والبعثيين الفاشيين المتعصبين.
لقد كان موقفهم هذا، أقل ما يقال عنه، أنه موقف لا ينم إلا عن قصر نظر سياسي كبير، وعن جهل بطبيعة حزب البعث ، والقوى القومية المتعصبة، الذين لم يكّنوا يوماً المحبة للشعب الكردي، ورفضوا حتى إشراك الحزب الديمقراطي في جبهة الاتحاد الوطني عام 1957.
وهكذا فلم تمض ِسوى أربعة أشهر على انقلاب 8 شباط ، حتى بادر الانقلابيون في 10 حزيران 1963 إلى شن حملة شعواء على الشعب الكردي لم يشهد لها مثيلاً من قبل، منزلين فيه الويلات والمآسي، و ألوف القتلى، وتهديم القرى، وتهجير الشعب الكردي .
لقد تمزقت الوحدة الوطنية، وتحولت الجبهة الوطنية إلى الصراع المرير بين أطرافها، ومع السلطة، جراء الأخطاء القاتلة لكافة الأحزاب السياسية والسلطة على حد سواء، فقد كان لكل طرف حصة ونصيب في تلك الأخطاء التي أدت إلى التمزق والصراع، وضياع الثورة، وتصفية كل مكاسب الشعب، وإغراق البلاد بالدماء.
ولاشك أن عبد الكريم قاسم يتحمل القسط الأكبر من مسؤولية تلك الأخطاء، لأنه كان على قمة السلطة، وكان بإمكانه أن يفعل الكثير من أجل إعادة اللحمة للصف الوطني، ومعالجة المشاكل، والتناقضات التي نشأت، والتي يمكن أن تنشأ مستقبلاً بروح من الود والتفاهم، والمصلحة العامة لشعبنا ووطننا، والتحلي بإنكار الذات، وتغليب مصلحة الوطن على كل المصالح.
كان بإمكانه أن يعمل على إنهاء فترة الانتقال، ويجري انتخاب المجلس التأسيسي، وسن الدستور الدائم للبلاد، وإرساء الحكم على أسس ديمقراطية صلبة، ولو فعل ذلك لتجنّب، وجنّب الشعب العراقي كل تلك الويلات والمصائب، والمصير المظلم الذي حلّ بالبلاد على أيدي انقلابيي 8 شباط 1963، وعلى أيدي كل الأنظمة التي حكمت البلاد منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا، وبوجه خاص نظام الدكتاتور صدام حسين الذي أغرق العراق بالدماء، وملأ أرض العراق بالقبور الجماعية.


التوثيق
(17) صحيفة اتحاد الشعب ـ العدد 131 في 29 حزيران 1959 .
(18)كردستان والحركة القومية الكردية ـ جلال الطالباني ـ ص 278 .
(19)المصدر السابق ـ ص 288 ـ 296 .
(20)ثورة 14 تموز ـ ليث الزبيدي ـ ص 255 . 

 17/11/2009