الرئيسية » دراسات » ثورة 14 تموز في نهوضها وانتكاستها واغتيالها الحلقة 17

ثورة 14 تموز في نهوضها وانتكاستها واغتيالها الحلقة 17

ثالثاً:عبد الكريم قاسم يوجه ضرباته للحزب الشيوعي:

بدأ عبد الكريم قاسم، بعد أن أرعبته مسيرة الأول من أيار، يخطط لكبح جماح الحركة الشيوعية في العراق، وجاءت أحداث الموصل وكركوك لتعطي له المبرر لبدء حملته الشعواء ضد الحزب عبر خطاباته المتلاحقة، والتي كان يهدف منها إلى تشويه سمعة الشيوعيين، متهماً إياهم بقوله أنهم أسوأ من هولاكو وجنكيز خان اللذان دمرا بغداد! ، وسفكا دماء مئات الألوف من أبنائها! ، ليتخذ من ذلك الحجة لتقليم أظافر الحزب الشيوعي، وتجريده من أسباب قوته، وإنزال الضربات المتلاحقة به، ومن أجل تحقيق هذا الهدف اتخذ العديد من الإجراءات التي كان أهمها ما يلي:
أولاً ـ حل المقاومة الشعبية:
كان أول ما فكر به عبد الكريم قاسم لتحجيم الحزب الشيوعي، هو تجريده من أقوى سلاح يمتلكه، المتمثل بهيمنته على قوات المقاومة الشعبية، فقد بدا واضحاً، وبشكل خاص، بعد وقوع انقلاب العقيد الشواف الفاشل في الموصل، أن المقاومة الشعبية فرضت سيطرتها على الشارع العراقي، وفي كافة المدن العراقية، وكان واضحاً أيضاً أن الهيمنة الحقيقية على تلك القوات كانت بيد الشيوعيين، وأصدقائهم، وعلى ذلك أقدم عبد الكريم قاسم على الخطوة الأولى المتمثلة في سحب السلاح من قوات المقاومة الشعبية.
وبعد إن تم تجريد المقاومة من سلاحها، أصبح من اليسير على قاسم أن يصدر قرار حلها، وهذا ما تم بالفعل، وخلال فترة وجيزة.
رضخ الحزب الشيوعي للقرار، فقد كان الحزب قد اتخذ سياسة التراجع، حرصاً منه ـ كما كان يظن ـ على العلاقة مع عبد الكريم قاسم، لكن تلك السياسة لم تجلب ِللحزب نفعاً، فبقدر ما كان الحزب يتراجع، بقدر ما كان عبد الكريم قاسم يندفع في إجراءاته ضده.
لكن الخسارة الحقيقية الكبرى الناجمة عن إجراءات قاسم كانت ليس للحزب الشيوعي وحده، وإنما للثورة، ولقاسم نفسه، والذي دفع حياته ثمناً لتلك الأخطاء، فلو لم يلجأ قاسم إلى حل المقاومة الشعبية، ومحاربة الحزب الشيوعي، لما استطاع انقلابيي 8 شباط تنفيذ جريمتهم بحق الشعب والوطن عام 1963.


ثانياًـ تصفية قيادات المنظمات،والاتحادات،والنقابات الوطنية

كانت خطوة عبد الكريم قاسم التالية، بعد حل المقاومة الشعبية، تتمثل بسحب كافة المنظمات الجماهيرية، واتحاد النقابات، واتحاد الجمعيات الفلاحية، واتحاد الطلبة وكافة النقابات المهنية، كنقابة المعلمين، والمهندسين، والأطباء، والمحامين، وسائر المنظمات الأخرى، من أيدي الشيوعيين، لكي يجرد الحزب الشيوعي من جماهيريته في تلك المنظمات والاتحادات والنقابات ذات التأثير الكبير على سير الأحداث.
لم يكن عبد الكريم قاسم، ولا البرجوازية الوطنية، المتمثلة بالحزب الوطني الديمقراطي، بقادرين على استقطاب تلك المنظمات والاتحادات، والنقابات، والسيطرة عليها، فكانت النتيجة أنْ وقعت جميعها تحت سيطرة أعداء الثورة، والمتربصين بعبد الكريم قاسم نفسه، وبالحزب الشيوعي، سند الثورة العنيد والقوي.
لقد فسح عبد الكريم قاسم المجال واسعاً أمام تلك القوى، من بعثيين، ومدعي القومية من الرجعيين، وأذناب الاستعمار، لكي يسيطروا سيطرة كاملة على تلك المنظمات والاتحادات والنقابات بأسلوب من العنف والجريمة لم تعرف له البلاد مثيلاً من قبل.
كانت العصابات البعثية والقومية، وقد لفّت حولها كل العناصر الرجعية، تترصد لكل من يبغي الوصول إلى صناديق الاقتراع لانتخاب قيادات تلك المنظمات والاتحادات والنقابات بأسلحتها النارية، وسكاكينها، وعصيها، وحجارتها لدرجة أصبح معها من المتعذر حتى للمرشحين الديمقراطيين والشيوعيين الوصول إلى صناديق الاقتراع، والإدلاء بأصواتهم، أليست هذه هي الديمقراطية التي أرادها عبد الكريم قاسم؟
أن قاسم، شاء أم أبى، قد وضع السلاح بأيدي أعداء الثورة والشعب، لكي يتم نحر الجميع يوم الثامن من شباط 1963. (6)

ثالثاً ـ تصفية القيادات الوطنية في الجيش،والجهازين الإداري والأمني

كانت الخطوة الثالثة لعبد الكريم قاسم تتمثل في تصفية نفوذ الحزب الشيوعي في الجيش، وفي الجهازين الإداري والأمني، فقد قام قاسم بحملة واسعة جرى خلالها إحالة أعداد كبيرة من العناصر الشيوعية، أو العناصر المؤيدة للحزب الشيوعي إلى التقاعد، وأحلّ محلهم عناصر إما أنها انتهازية، أو معادية للثورة، في صفوف الجيش، وجهازي الشرطة والأمن، والجهاز الإداري، كما أبعد أعداداً كثيرةً أخرى من المناصرين للحزب الشيوعي إلى وحدات غير فعالة، كدوائر التجنيد، والميرة، أو جرى تجميدهم في إمرة الإدارة، أو تم نقلهم إلى وظائف مدنية ثانوية، بالإضافة إلى اعتقال أعداد أخرى منهم.
ولم يكتفِ قاسم بكل ذلك، بل التفت إلى الكليات، والمدارس، ليزيح كل العناصر الشيوعية، ومناصريهم من مراكزهم الإدارية، وليعيد تسليمها إلى تلك العناصر الحاقدة على الثورة، والتي وقفت منذ اللحظة الأولى ضدها، وكانت أداة طيعة بيد السلطة السعيدية السابقة، وهكذا مهد قاسم السبيل للرجعية، والقوى المعادية للثورة لاغتيالها، واغتيال آمال الشعب العراقي وأحلامه التي ناضل طويلاً من أجلها، وكان باكورة نتائج السياسة التي سار عليها عبد الكريم قاسم وقوع محاولة اغتياله هو بالذات، ومحاولة اغتصاب السلطة في 7 تشرين الأول 1959،على أيدي زمر البعثيين في رأس القرية بشارع الرشيد. (7)

رابعا: محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم :

في 7 تشرين الأول 1959، جاء أول الغيث من القوى المعادية للثورة وقيادتها، ففي ذلك اليوم جرت محاولة خطيرة لاغتيال عبد الكريم قاسم في رأس القرية بشارع الرشيد، وهو في طريقه إلى بيته في العلوية دون حماية، حيث كان يرافقه مرافقه الخاص [ قاسم الجنابي] بالإضافة إلى سائقه فقط.
قام بتدبير المحاولة حزب البعث، بالتعاون مع جانب من القوميين المتعاطفين معه، لكن من المؤسف أن تكون للجمهورية العربية المتحدة يدُ فيها.
فقد ذكر [علي صالح السعدي] أمين سر حزب البعث، في صحيفة[نضال البعث] في الصفحة 17، أن فؤاد الركابي الذي كان أمين سر الحزب آنذاك، تلقى بواسطة [خالد علي الصالح ] و[ أياد سعيد ثابت ] مبلغ [ 7000 جنيه مصري] من الملحق العسكري المصري، العقيد[عبد المجيد فريد] لتسهيل عملية تصفية عبد الكريم قاسم جسدياً. (8)
أصيب عبد الكريم قاسم بعدة رصاصات، في كتفه وصدره، وقُتل سائقه، وجُرح مرافقه [ قاسم الجنابي]، وتم نقل عبد الكريم قاسم إلى مستشفى السلام على الفور، حيث اُجريت له عمليات جراحية لاستخراج الرصاصات من جسمه، ومكث في المستشفى فترة من الزمن قبل أن يتماثل للشفاء.
وفي أثناء تبادل إطلاق النار بين المهاجمين من جهة، وعبد الكريم قاسم ومرافقه من جهة أخرى، قتل أحد المهاجمين البعثيين، المدعو [عبد الوهاب الغريري]، واستطاع المحققون من التوصل إلى كل المدبرين، والمساهمين، والمنفذين لتلك المحاولة، التي تبين من سير التحقيقات إنها لم تكن تستهدف حياة عبد الكريم قاسم وحده، بل كان هناك مخطط واسع للاستيلاء على السلطة، والانتقام من القوى الديمقراطية، وإغراق البلاد بالدماء.
إلا أن سرعة تحرك الحزب الشيوعي، والقوى الديمقراطية الأخرى، وجماهير الشعب الغفيرة، ونجاة عبد الكريم قاسم من الموت بتلك المحاولة، حال دون تنفيذ بقية المؤامرة التي تبين اشتراك عدد من كبار الضباط فيها، ومن جملتهم رئيس مجلس السيادة [نجيب الربيعي] الذي توجه إلى وزارة الدفاع، مقر عبد الكريم قاسم، وقد لبس بزته العسكرية، وهو محال على التقاعد قبل الثورة، لكن سيطرة العناصر الوطنية على الوزارة أسقط في يده، واستطاعت السلطة إلقاء القبض على ما يقارب 75 فرداً من المتآمرين، فيما هرب عدد آخر منهم إلى سوريا، وكان من بينهم [صدام حسين] أحد المشاركين الفعليين في تنفيذ محاولة الاغتيال.
لقد كان دور الحزب الشيوعي في إفشال مخططات القوى الرجعية، وأسيادهم الإمبرياليين مشهوداً، لقد وقف إلى جانب عبد الكريم قاسم، يذود عن سلطته، على الرغم من كل ما أصابه منه، ولم يفكر الحزب في استغلال الفرصة، والوثوب إلى السلطة، وهو لو أراد ذلك في مثل ذلك اليوم، لفعل ونجح بكل يسرٍ وسهولة، فقد كان كل شيء تحت سيطرته في ذلك اليوم.
لكن الحزب الشيوعي بقي مخلصاً لعبد الكريم قاسم، معتبراً إياه قائداً وطنياً معادي الاستعمار أولاً، ومعتبراً ما أصابه منه لم يكن سوى مجرد أخطاء ثانياً، ومعتقداً أن الظروف المستجدة سوف تؤكد له خطأ سياسته ومواقفه ثالثاً.
إلا أن عبد الكريم قاسم، الذي خرج من المستشفى، بعد شفائه عاد من جديد إلى نفس سياسته السابقة تجاه الحزب الشيوعي، ساعياً إلى إضعافه وتحجيمه، دون الاتعاظ بالتجربة الخطيرة التي مرً بها لتوه، بل على العكس من ذلك لم يمض ِوقت طويل حتى أصدر عبد الكريم قاسم قراراً بالعفو عن المجرمين الذين أدانتهم محكمة الشعب، وقائلاً قولته المعروفة { عفا الله عما سلف }.
لكن عفوه ذاك كان مخصصاً لأولئك المجرمين، وأعداء الشعب والثورة ومستثنياً كل الوطنيين المخلصين، الذين زج بهم في السجون، بل وأكثر من ذلك صادق في الوقت نفسه على تنفيذ حكم الإعدام بعضو الحزب الشيوعي [منذر أبو العيس] وحدد يوم تنفيذ الإعدام ‎في صباح اليوم التالي.
إلا أن المظاهرة الجماهيرية الكبرى التي أحاطت بوزارة الدفاع، مقر عبد الكريم قاسم، أجبرته على إيقاف التنفيذ، وبقي الشهيد أبو العيس في السجن حتى وقوع انقلاب 8 شباط 63، حيث نفذ الإنقلابيون حكم الإعدام فيه.

خامساً:عبد الكريم قاسم يحاول تجميد نشاط الحزب الشيوعي

1 ـ في محاولة من عبد الكريم قاسم لاحتواء الحزب الشيوعي، توجه بطلب إلى الأحزاب السياسية لتجميد نشاطها بحجة أن العراق يمرّ بفترة انتقال، متناسياً أن الأحزاب السياسية المنضوية تحت راية جبهة الاتحاد الوطني كان لها الدور الكبير في التهيئة والإعداد لثورة 14تموز، وتقديم الدعم الكامل والسريع لها حال انبثاقها مما أدى إلى شل قوى النظام السابق، ومنعه من القيام بأي تحرك ضد الثورة.
كان هناك في الحقيقة ثلاثة أحزاب تعمل بصورة علنية بعد انسحاب القوى القومية والبعثية من السلطة، ولجوئها إلى العمل السري، وهذه الأحزاب هي الحزب الشيوعي، والحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الديمقراطي الكردستاني، وكان قصد عبد الكريم قاسم من طلبه ذاك حرمان الحزب الشيوعي من نشاطه العلني، بعد أن جرده من سلطانه على المنظمات المهنية والنقابات والاتحادات العمالية والفلاحية والطلبة.
واستغل عبد الكريم قاسم مناسبة عيد العمال العالمي في الأول من أيار ليلقي خطاباً يدعو فيه على وقف النشاط الحزبي في فترة الانتقال قائلا:
{إن التكتلات الضيقة والحزبية والأحزاب في هذا الوقت لا تفيد البلد وتجعله في مأزق حرج . إن القصد من ذلك هو تفريق الصفوف، وضرب الواحد منا بالآخر إننا في عهد انتقال، وقد صممنا أن نصون مكاسب ثورتنا مهما كلف الأمر.(9)
كان عبد الكريم يقصد في خطابه هذه الحزب الشيوعي حيث لم يكن يمارس على الساحة النشاط السياسي العلني سوى الحزب الشيوعي، والحزب الديمقراطي الكردستاني والحزب الوطني الديمقراطي الذي سارعت قيادة اليمينية، وقد سرها ذلك الطلب، منتهزة فرصة وجود زعيم الحزب [ كامل الجادرجي] خارج العراق في رحلة للاستشفاء في موسكو، معلنة قرارها بإيقاف نشاط الحزب تلبية لدعوة عبد الكريم قاسم مستهدفة من ذلك إحراج الحزب الشيوعي، ودق إسفين جديد بينه وبين عبد الكريم قاسم.
لكن الحزب الشيوعي تجاهل الطلب هذه المرة، وشن حملة واسعة في جملة من المقالات التي طلعت بها صحيفة الحزب [اتحاد الشعب]على ذلك الطلب، وعلى الجناح اليميني في الحزب الوطني الديمقراطي لقراره بتجميد نشاط الحزب، وأستمر الحزب الشيوعي على نشاطه، رافضاً أي تجميد. (10)

أما الأستاذ [كامل الجادرجي ] زعيم الحزب فقد وجه نقداً شديداً للقيادة اليمينية للحزب، عند عودته إلى بغداد، على قرارها بتجميد نشاط الحزب، وأدى ذلك الموقف إلى حدوث تصدع كبير في قيادة الحزب، وخاصة بعد ما طلب الأستاذ الجادرجي من عضوي الحزب في الوزارة [ محمد حديد] و[هديب الحاج حمود]، الاستقالة من الوزارة، ورفض الوزيران طلب زعيم الحزب، مما دفع الأستاذ الجادرجي إلى تقديم استقالته من رئاسة الحزب وعضويته، واحتجاب صحيفة الحزب [صدى الأهالي]، مما أدى إلى تعميق الأزمة السياسية في البلاد، واشتداد التناحر الحزبي. (11)

2ـ عبد الكريم قاسم يصدر قانون الأحزاب، ويرفض إجازة الحزب الشيوعي: (12)
نتيجة لعدم التزام الحزب الشيوعي بالطلب الذي دعا إليه عبد الكريم قاسم، بتجميد نشاط الأحزاب السياسية، محاولة منه منع الحزب الشيوعي من ممارسة نشاطه السياسي، أقدم على إصدار قانون الأحزاب والجمعيات رقم ،1 والذي نشر في الوقائع العراقية في 2 كانون الثاني 1960، بدعوى تنظيم الحياة الحزبية في البلاد وتبين بعد ذلك أن الهدف من إصداره كان يرمي إلى حرمان الحزب الشيوعي من إجازة ممارسة النشاط السياسي بصورة قانونية.
فعلى أثر صدور القانون تقدم عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي زكي خيري بطلب تأسيس الحزب. (13)
كما تقدم كل من الحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الديمقراطي الكردستاني، والحزب الجمهوري، وأحزاب دينيةأخرى، بطلباتهم لإجازة أحزابهم، إلا أن الحزب الشيوعي فوجئ باعتراض وزارة الداخلية على ميثاق الحزب، طالبة إجراء تغير، وحذف لعدد من العبارات الواردة في الميثاق، في حين وافقت على إجازة الحزب الوطني الديمقراطي والحزب الديمقراطي الكردستاني.
ومع ذلك فقد أعاد الحزب صياغة ميثاقه من جديد، وأجرى التغيرات التي طلبتها وزارة الداخلية، إلا أن الحزب فوجئ مرة أخرى بحكومة عبد الكريم قاسم تجيز حزباً مسخاً بزعامة [ داؤد الصايغ] يحمل أسم الحزب الشيوعي العراقي، وضمت هيئته المؤسسة عددا من الشخصيات غير المعروفة لدى الشعب العراقي وهم:(13)
1 ـ داؤد الصائغ 2 ـ إبراهيم عبد الحسين 3 ـ جميل العلوي
4 ـ زكية ناصر 5 ـ كاظم الشاوي 6 ـ سالمة جاسم
7 ـ عجاج خلف 8 ـ عبد محسن 9 ـ كاظم محمد
10 ـ جاسم محمد 11 ـ سليم شاهين
غير أن ستة من هؤلاء ما لبثوا أن استقالوا من الحزب، بعد أن أدركوا أن في الأمر مؤامرة على الحزب الشيوعي لمنع نشاطه. أوقع انسحابهم من الهيئة المؤسسة داؤد الصايغ والسلطة في حيرة،لكن السلطة اسرعت في اختيار بديل عنهم من العناصر النكرة، التي لا يعرف أحدُ عنهم أي تاريخ نضالي، وقيل أن عدد منهم من رجال الأمن، في حين جمع الحزب الشيوعي أكثر من 360 ألف توقيع من رفاقه ومؤيديه.
لقد كان عبد الكريم قاسم قد صمم على عدم منح الحزب الشيوعي الإجازة، لكي يصبح الحزب بموجب القانون غير شرعي، وبالتالي خارجاً على القانون، وليتخذ من ذلك ذريعة لضربه، ومطاردة رفاقه، ولم يدرك قاسم أنه بعمله هذا، إنما يوجه السهام إلى صدره، وصدر الثورة.
وهكذا فقد تم رفض طلب إجازة الحزب مجدداً، ولكن هذه المرة بحجة أن هناك حزب شيوعي مجاز بهذا الاسم.
ومع ذلك تدارست قيادة الحزب الوضع، واتخذت قراراً بتقديم طلب جديد باسم [اتحاد الشعب]، لكن طلبه رفض مرة أخرى من قبل وزارة الداخلية، عند ذلك أدركت قيادة الحزب أن قرار عبد الكريم قاسم لا رجعة فيه، ولم يحاول الحزب الاعتراض لدى محكمة التمييز ـ حسب نص القانون ـ حيث وجد أن لا فائدة من ذلك، فقد عقد عبد الكريم قاسم العزم على حرمان الحزب من ممارسة نشاطه بصورة قانونية، وبالتالي ملاحقة رفاقه من قبل الأجهزة الأمنية.(14)

3 ـ السلطة ترفض إجازة الحزب الجمهوري:

لم يكتفِ عبد الكريم قاسم وحكومته برفض إجازة الحزب الشيوعي، بل تعدى ذلك إلى رفض إجازة الحزب الجمهوري الذي كان قد تقدم بطلب تأسيسه في 12 شباط 1960، نخبة من الشخصيات السياسية المشهود لها بالوطنية، وهم السادة:

1ـ عبد الفتاح إبراهيم 12 ـ الشاعر مهدي الجواهري
2 ـ أحمد جعفر الأوقاتي 13 ـ الدكتور صديق الأتروشي
3 ـ الدكتور عبود زلزلة 14 ـ المهندس عبد الرزاق مطر
4 ـ الدكتور طه باقر 15 ـ عبد الحميد الحكاك
5 ـ صالح الشالجي 16 ـ الدكتور عبد القادر الطلباني
6 ـ رفيق حلمي 17 ـ الدكتور عبد الصمد نعمان
7 ـ جلال شريف 18 ـ الدكتور عبد الأمير الصفار
8 ـ حسن الأسدي 19 ـ عبد الحليم كاشف الغطاء
9 ـ شاكر الحريري 20 ـ حسن جدوع
10 ـ نيازي فرنكول 21 ـ نايف الحسن
11 ـ سعيد عباس 22 ـ مهدي فريد الأحمر
23 ـ سليم حلاوي

غير أن عبد الكريم قاسم رفض إجازة الحزب المذكور، بحجة أنه يضم عناصر ماركسية لها علاقات طيبة بالحزب الشيوعي، وأصرّ على مواصلة السير في الطريق الخاطئ، الذي أبعده عن جماهير الشعب وقواه الوطنية، وترك نفسه أعزلاً أمام قوى الردة التي أخذت تتحين الفرصة لتوجيه ضربتها له، ولثورة الرابع عشر من تموز.


4 ـ إجازة الحزب الوطني الديمقراطي :

في 9 كانون الثاني 1960، تقدم محمد حديد ورفاقه بطلب تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي، وقد ضمت هيئته التأسيسية كل من:
1 ـ محمد حديد 2 ـ حسين جميل 3 ـ هديب الحاج حمود
4 ـ جعفر البدر 5 ـ عواد علي النجم 6 ـ خدوري خدوري
7 ـ مظهر العزاوي 8 ـ عبد الله عباس 9 ـ نائل سمحيري
10 ـ محمد السعدون 11 ـ سلمان العزاوي 12 ـ عراك الزكم
13 ـ يوسف الحاج الياس 14 ـ الدكتور حسن زكريا

وهكذا جاءت الهيئة المؤسسة للحزب خالية من قائد الحزب، الشخصية الوطنية البارزة الأستاذ [ كامل الجادرجي ]، وذلك بسبب الخلاف الحاصل مع زعيم الجناح اليميني في الحزب [ محمد حديد] عندما طلب منه ومن رفيقه [ هديب الحاج حمود] الاستقالة من الوزارة ورفضا ذلك، وقد تمت إجازة الحزب دون تأخير.

5 ـ إجازة الحزب الديمقراطي الكردستاني:

في 9 كانون الثاني 1960، تقدم السيد مصطفى البارزاني بطلب تأسيس الحزب [الديمقراطي الكردستاني] إلى وزارة الداخلية، وقد ضمت هيئته المؤسسة كل من السادة :
1 ـ مصطفى البارزاني 2 ـ إبراهيم أحمد 3 ـ عمر مصطفى
4 ـ نوري صديق شاويس 5 ـ علي عبد الله 6 ـ صالح اليوسفي
7 ـ ملا عبد الله إسماعيل 8 ـ حلمي علي شريف 9 ـ إسماعيل عارف
10 ـ شمس الدين المفتي


وقد تمت الموافقة من قبل وزارة الداخلية على الطلب دون تأخير، أو اعتراض على ما ورد في ميثاق الحزب، حيث أشار الميثاق إلى إيمان الحزب بالماركسية اللينينية، وهي نفس العبارة التي اعترضت عليها وزارة الداخلية، عندما قدم الحزب الشيوعي طلبه بإجازة الحزب، وهذا ما يؤكد أن اعتراضات وزارة الداخلية على ميثاق الحزب لم تكن سوى ذريعة لحرمانه من ممارسة نشاطه السياسي بصورة رسمية.


6 ـ إجازة الحزب الإسلامي العراقي:
في 2 شباط تقدمت مجموعة من العناصر الرجعية، المتخفية وراء رداء الإسلام بطلب تأسيس حزب جديد بأسم [ الحزب الإسلامي العراقي ]، وقد ضمت هيئته المؤسسة كل من :
1 ـ إبراهيم عبد الله شهاب 2 ـ نعمان عبد الله
2ـ صبري محمود الليل 4 ـ وليـد الأ عظمي
5 ـ إبراهيم منير المدرس 6 ـ فليح حسن الصالح
7 ـ حميد الحاج حمد ذهبية 8 ـ عبد الجليل إبراهيم
9 ـ فاضل دولان 10 ـ جاسم العاني
11 ـ محمد اللامي 12 ـ يوسف طه

وقد تضمن منهاج الحزب، العمل على تطبيق الشريعة الإسلامية، ومحاربة الإلحاد والأفكار والمفاهيم الشيوعية!!، ومعاداة الأفكار الديمقراطية!!.
وفي مسرحية واضحة رفضت وزارة الداخلية إجازته، في عملية تمثيلية مكشوفة، مستندة إلى كون الحزب لا يؤمن بالأفكار الديمقراطية، ولا يسير في خط الثورة، إلا أن هيئته المؤسسة اعترضت لدى محكمة تمييز العراق التي أبطلت قرار وزارة الداخلية، وسمحت لها بممارسة النشاط السياسي، في تحدي لقرار الحكومة!!، وكان نشاطه منصباً على محاربة الحزب الشيوعي الذي سعى عبد الكريم قاسم لتهميشه وإضعافه وضربه.
أصدر الحزب صحيفته [الحياد] التي ركزت جهدها لمحاربة الشيوعية بادئ الأمر ولكنها تحولت فيما بعد نحو مهاجمة ثورة 14 تموز، وعبد الكريم قاسم بالذات، حيث وصفت حكمه بكونه حكماً استبدادياً عسكرياً، مما أضطر عبد الكريم قاسم إلى إلغاء إجازته فيما بعد.

7 ـ رفض إجازة حزب التحرير الإسلامي :

بتاريخ 12 شباط 1960 ، تقدمت مجموعة أخرى من الإسلاميين بطلب تأسيس حزب سياسي جديد باسم [ حزب التحرير ]، وهو حزب لا يختلف في أهدافه وتوجهاته عن الحزب الإسلامي، لكن وزارة الداخلية رفضت الطلب، وقد ضمت هيئته المؤسسة كل من:
1 ـ عبد الجبار عبد الوهاب 2 ـ محمد عبيد البياتي
3 ـ عبد الجبار حسين الشيخلي 4 ـ غصوب يونس الجبوري
5 ـ صالح عبد الوهاب بكر 6 ـ علي السيد فتحي
7 ـ محمد سليم الكواز 8 ـ عبد الهادي علي النعيمي
9 ـ حسن سلمان النعيمي 10 ـ أحمد حامد الإبراهيمي

سادساً:انشقاق الحزب الوطني الديمقراطي وحديد يؤلف الحزب الوطني التقدمي:

تفاقمت الخلافات بين أقطاب الجناحين، اليميني واليساري داخل الحزب الوطني الديمقراطي بسبب المواقف التي وقفها جناح محمد حديد من مسألة تجميد نشاط الحزب، بناء على طلب عبد الكريم قاسم، أثناء غياب رئيس الحزب الأستاذ كامل الجادرجي عن العراق، مما دفع الجناح اليساري في الحزب إلى إعلان عدم اعترافه بقرار التجميد، معلناً عزمه على مواصلة نشاط الحزب، ومتحدين قرار القيادة اليمينية، وكان على رأس هذا الجناح كل من السادة :
1 ـ عبد الله البستاني 2 ـ عبد المجيد الونداوي 3 ـ علي عبد القادر
4 ـ نايف الحسن 5 ـ حسان عبد الله مظفر 6 ـ ناجي يوسف
7 ـ علي جليل الوردي 8 ـ حسين أحمد العاملي 9 ـ سليم حسني
10 ـ عادل الياسري (15)

تصاعدت الأزمة بين الجناحين عندما عاد الجادرجي إلى بغداد، ووجه انتقاداً شديداً لقرار التجميد، و لمحمد حديد، نائب رئيس الحزب، طالباً منه ومن زميله هديب الحاج حمود الإقالة من الوزارة، بعد إقدام عبد الكريم قاسم على تنفيذ حكم الإعدام بالضباط المشاركين في محاولة العقيد الشواف الانقلابية في الموصل، ولعدم امتثال الوزيرين لطلبه، سارع الجادرجي إلى تقديم استقالته من رئاسة الحزب، وعضويته معاً.
كان لقرار الجادرجي بالاستقالة أثر كبير على تفاقم الأزمة بين الجناحين داخل الحزب، وخصوصا بعد فشل المساعي التي بذلها الجناح اليساري لعودة الجادرجي لقيادة الحزب، وتباعدت مواقف الجناحين عن بعضهما، نظراً لما يكنه قادة الجناح اليساري للحزب من احترام وتقدير لشخص الجادرجي، واعتزازاً بقيادته التاريخية للحزب.
وبسبب تفاقم الأزمة داخل الحزب، أقدم جناح محمد حديد على تأسيس حزب جديد باسم [الحزب الوطني التقدمي]، وتقدم بطلب إجازة الحزب في 29 حزيران 1960 وضمت هيئته المؤسسة كل من السادة : (16)

1ـ محمد حديد 2 ـ خدوري خدوري 3 ـ محمد السعدون
4 ـ نائل سمحيري 5 ـ عراك الزكم 6 ـ سلمان العزاوي
7 ـ عباس حسن جمعة 8 ـ رجب علي الصفار 9 ـ د.جعفر الحسني
10 ـ د. رضا حلاوي 11 ـ عبد الأمير الدوري 12 ـ عباس جودي
13 ـ حميد كاظم الياسري 14 ـ عبد الرزاق محمد

وقد تمت إجازة الحزب دون أي تأخير، واستمرت قيادة الحزب في دعم سياسة عبد الكريم قاسم، وخاصة فيما يتعلق بمواقفه من الحزب الشيوعي.
ومن الملاحظ أن أغلبية قيادة الحزب جاءت من بين العناصر البرجوازية، ومن الملاكين، ورجال الصناعة، الذين كانوا يشعرون بالقلق الشديد من تنامي قوة الحزب الشيوعي خوفاً على مصالحهم الاقتصادية.


التوثيق
(6)العراق ـ الكتاب الثالث ـ حنا بطاطو ـ ص 258 ـ 259 .
(7)نفس المصدر السابق ـ ص 269
(8)نضال البعث ـ ص 17 ـ 1959 .
(9)مبادئ ثورة 14 تموز في خطب الزعيم ـ الجزء الأول ـ ص 80 .
(10)مذكرات بهاء الدين نوري ـ طبعة كردستان ـ 1995 ـ ص 202 ـ207 .
(11)ثورة 14 تموز ـ ليث الزبيدي ـ ص 252 .
(12)الوقائع العراقية ـ العدد 283 ـ في 2 كانون الثاني 1960 .
(13)صحيفة اتحاد الشعب ـ 10 كانون الثاني 1960 .
(14)العراق ـ الكتاب الثالث ـ حنا بطاطو ـ ص 252 .
(15)صحيفة الأهالي ـ 3 آذار 1960 .
(16)صحيفة البيان الناطقة باسم الحزب الوطني التقدمي ـ 30 نيسان 1960 .

ملاحظة: للحصول على نسخة من هذا الكتاب يرجى الاتصال بالمؤلف على العنوان التالي:
Alhamdany34@gmail.com
www.Hamid-Alhamdany.com 

 15/11/2009