الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل -39

حرب وسجن ورحيل -39

بدأت تظهر على وسائل أعلام النظام الصدامي نغمة الهوة التي تفصل بين الأغنياء والفقراء في الوطن العربي وأن الثروة النفطية التي وهبها الله للأمة العربية وقعت تحت تسلط حفنة صغيرة من السلاطين والأمراء الذين كانوا حفاة في يوم من الأيام وأصبحوا اليوم من أغنى أغنياء العالم!!! ولابد من وضع الأمور في ميزانها الصحيح ! أذ ليس من المعقول أن يعيش الملايين من الفقراء في الوطن العربي في المقابر ويتمتع الآخرون بالقصور الفارهة والسيارات الحديثة ويحجزون فنادق بأكملها في الغرب لخدمهم وحشمهم وغلمانهم وجواريهم ولايمكن السكوت على هذا أبدا بعد اليوم !!! وكأن النظام العراقي في تلك الدعوه قد صحا من نومه بعد سبات عميق . أو صحا ضميره فجأة وبقدرة قادر بعد أن ظل ميتا لعشرات السنين . وكان الهدف الحقيقي من وراء تلك الشعارات هو تهيئة الظروف النفسية لآحتلال الكويت وخداع من يمكن خداعه بأن النظام العراقي قد أصبح نصيرا للفقراء والمستضعفين ليس في العراق فقط ولكن في الوطن العربي والعالم . وكانت الطبقة الوسطى من الموظفين وأصحاب الدخل المحدود قد وصلت ألى أدنى درجات البؤس والفاقة والحرمان نتيجة تصرفات النظام وعنجهيته وتبذيره لمليارات الدولارات لكي تبقى آلة الحرب شغالة وضخمة ومنتشرة على كل شبر من أرض العراق وكنت واحدا من ملايين الموظفين الجائعين في العراق ولم يلتفت أليهم النظام ولا ألى معاناتهم . وقد تناغمت وسائل الأعلام العربية غير الخليجية كعادتها مع تلك الدعوة المضللة والمبكية والمضحكة في آن واحد . ومما زاد الطين بلة هي أعلان تلك الصحف بأن جزيرتي ( وربه وبوبيان ) الكويتيتان هما جزير تان عراقيتان وأن الأستعمار البريطاني قد سلخهما من أرض العراق ولو كانتا تحت مقدرات العراق لساعدت القوات العراقيه في حربها ضد ( العدو الفارسي المتغطرس ) نظرا لموقعهما الأستراتيجي ! وقد أخذت تظهر على واجهات الصحف العراقية وهي الثورة والجمهورية والقادسية وبابل بعض الدعوات ( الأيمانية ) والآيات القرآنية مثل الآية الكريمة ( وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم )و ( ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده . ) و ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم . )و ( ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر . ) وغيرها من الآيات الكريمة التي أوعز بها رئيس النظام ألى وزير أعلامه لطيف نصيف جاسم وهذا بدوره نقله ذلك الأيعاز ألى وسائل الأعلام وقد علق أحد أصدقائي من التربويين على ذلك قائلا ( يبدو أن رئيس النظام يمهد للبس العمامه . ! ) فأجبته أنه يسخر آيات الله لتحقيق أهدافه العلنية والسرية وهذا مافعله الطغاة من قبله في التأريخ العربي الأسلامي والشواهد كثيرة ولا حاجة لذكر الأسماء وهي كثيره والآتي أعظم وسأذكر فيما بعد كيف أن رئيس النظام عمم على كل القياديين الحزبيين أمرا بحفظ سورتين طويلتين من القرآن الكريم كشرط للترقية الحزبية . لقد انقلب صدام وحزبه مئة وثمانين درجة من العلمانية ألى الدين!!! وهنا أذكر كل من يتابع ويقرأ سيرة و تأريخ هذا الحزب الدموي لوجد العجب العجاب . وعلى سبيل المثال لاالحصر ففي شهر حزيران عام 1982 أنعقد في بغداد مايسمى بالمؤتمر القطري التاسع لحزب البعث الفاشي الدموي وصدر بيان تقول أحدى فقراته حرفيا : ( أن الظاهرة الدينية في العصر الراهن سلفية ومتخلفة في النظرة والممارسة . ) أي أن الدين أصبح من الماضي ولم يعد له مكان في عصرنا الراهن وهو مجموعة قوالب ومقولات متخلفة حسب مفهوم حزب البعث . ألا أن صداما لقب نفسه ب ( عبد الله المؤمن ) بعد احتلاله للكويت ولا أدري كيف يتسنى للمؤمن اغتصاب دولة بكل ماتحوي من خيرات وتشريد أهلها بالغدر في جوف الليل وتعريض شعب العراق المسلم ألى أفدح المخاطر التي نرى نتائجها تتفاعل ألى يومنا هذا وهذا مافعله بأيران قبلها . أنه رد على كل من يدعي أن حزب البعث الفاشي الدموي حزب علماني ولا تتفق أهدافه مع القاعده ولا يمكن أن يتعاونا في يوم من الأيام . ومن تعمق في ماهية وأساليب وديماغوئية هذه العصابة الفاشية الدموية تتجلى الحقيقة واضحة لديه وهي أن هذه الطغمة الدموية التي تطلق على نفسها ( حزب البعث العربي الأشتراكي ) تتعاون مع الشيطان لتحقيق أهدافها الأجرامية الدموية في الوصول ألى السلطه . وهذا مايتجلى اليوم في التفجيرات الأجرامية الدموية في بغداد الجرح والفجيعه . أنه ذلك التحالف الشيطاني الأجرامي بين حزب العفالقة المجرمين وشراذم عصابات القاعدة الأوباش ولينكر من ينكر ولابد أن تنكشف الغشاوة عن عينيه ويدرك الحقيقة ولو بعد حين وهذا ماتعترف به القاعدة دائما على صفحات الأنترنيت وكما فعلت هذه المرة أيضا .
لقد أخذ الناس يكدسون المواد الغذائية من جديد تحسبا للأيام الصعبة القادمة وهم لايعلمون كيف ستكون الضربه . ومن هو الهدف الأول ؟
كان العريف ( الفريق ) حسين كامل زوج أبنة رئيس النظام فرحا بنياشينه العسكرية التي تكدست على صدره وكانت سببا لآنتزاع روحه الشريرة فيما بعد حيث كان هذا الأمي المغرور يصدر البيانات على مدار الساعة وفي كل بيان كان يزف البشرى لعمه صدام بأن ( المجاهدين ) في هيئة التصنيع العسكري من ( أحباب وأبناء القائد قد اخترعوا صاروخا جديدا لردع المعتدين لو تطاولوا على أرض العراق بعد مقدمة عن( بطل الأمة وقائد النصر وصانع التأريخ الأول وسيد الأحرار وصانع الفجر العربي الأغر) وغيرها من الألقاب المجانية التي كان ينعت به عمه الحبيب وسافك دمه فيما بعد صدام حسين . وكانت مسرحية وملهاة لايدركها حتى أكثر الناس تعلقا وفهما بالكوميديا ومسرح اللامعقول . وكما يقول المثل العراقي المعروف 🙁 عصفور كفل زرزور واثنينهم طياره ) حيث طار الأثنان فيما بعد قليلا ثم سقطا في مزبلة التأريخ .
وكانت الندوات والأجتماعات الحزبية البعثية تعقد في المدارس والدوائر الحكومية في كل أنحاء العراق لتروج أن 10 ملايين عراقي تحت السلاح وأن الطيارين الأنتحاريين سيصنعون العجائب والغرائب وستكون معركة ميناء بيرل هاربر في جزر هاواي الأمريكية الذي قصفه اليابانينون عام 1941 ومعركة العلمين بين القوات الأنكليزية والألمانية في الصحراء الليبية أثناء الحرب العالمية الثانية وغيرها من المعارك المعروفة منسية في التأريخ بعد حدوث معركة ( أم المهالك ) الجديده وأن باستطاعة العراق ضرب واشنطن ونيويورك لو سولت نفوس الأمريكان بالأعتداء على العراق !!! .كل ذلك كان يجري على حساب أرواح الملايين من أبناء الشعب العراقي التي استهان بها الدكتاتور وأزلامه من المطبلين والراقصين له في تلك الحلبة التضليلية الكبرى. ولو تحركت ضمائر بعض الراقصين في حلبته من أولئك المحيطين به من عسكريين ومدنيين وانقضوا على ذلك الدكتاتور المتغطرس والمستهتر بأرواح شعبه وقضوا عليه أنقاذا لشعبهم لدخلوا التأريخ من أوسع الأبواب ولما حدث ذلك الحصار الجائر وقضى على مليوني أنسان ولما حدث الغزو الأمريكي وما تبعته من مآس كبرى نشهدها ألى هذه اللحظه لم يشهد لها التأريخ مثيلا . ولكن ماكل مايتمنى المرء يدركه – تجري الرياح بما لاتشتهي السفن .
بدأ الدكتاتور يعقد الأجتماعات السرية والعلنية مع أزلامه المقربين له والتي كانت تسمى ب ( القياده ) وهم في الحقيقة كانوا تلاميذا صغارا لارأي لهم سوى مايملى عليهم من كبيرهم وهم يتطلعون ألى فمه متى يكمل جملته ليقولوا له ( نعم سيدي ). وفي أحدى الأجتماعات العلنية حيث شاهدها جميع العراقيين ولكي تكتمل الملهاة والمأساة في آن واحد أكتشف الدكتاتور أن شعار الحزب الجمهوري الذي يقوده بوش الأب هو ( الفيل ) وكان علي كيمياوي جالسا بجنبه مع بقية أعضاء ( القيادة الفذه ) فرد قائلا وهو يقرأ سورة الفيل الكريمة وبحركات متعثره ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل , ألم يجعل كيدهم في تضليل , فأرسل عليهم طيرا أبابيل , ترميهم بحجارة من سجيل . ) فأجابه سيده القائد ( أن الصقور في القوة الجوية العراقية البطله هم الطير الأبابيل الذين سيظهرون لهم أن شاء الله فرددت (القيادة ) بصوت واحد كنشيد أطفال الروضه ( نعم نعم سيدي بحيل الله وبعزمك سيدي !!! .)
هكذا وبكل بساطة أستهان القائد ( المهيب الأول الركن ) و ( أعضاء قيادته )بقوة أكبر دولة في العالم الدولة التي تمتلك من حاملات الطائرات والبوارج الحربية والصواريخ المتطورة الموجهة بأشعة الليزر وكافة الأسلحة المتطورة الأخرى باستطاعتها تدمير أكبر جيش في العالم . وكان رئيس النظام أشبه بالشخص المهووس الذي فقد توازنه . أو كأي شخص غارق في أحلام اليقظه.
كانت وسائل الأعلام الكويتية تراقب وتتابع الأحداث الساخنة لكنها لم تصل ألى تلك القناعة التامة بأن رئيس النظام هو قاب قوسين أو أدنى من نقطة الصفر وكان جل تفكيرهم واعتقادهم بأن النظام العراقي لايمكنه أبدا أن يتناطح مع حاميتهم وولية أمرهم أمريكا تلك القوة العظمى التي كانت تطمئنهم طول الوقت . وهذا مادفع حكام الكويت ألى أن يطلبوا من السفيرة الأمريكية في العراق السيدة ( كلاسبي ) أن تجتمع بصدام وتكتشف نوايا ه وأهدافه . وتم الأجتماع ودام 45 دقيقه وظهر صدام وكأنه رئيس دولة عظمى وشكى لها كثيرا من أيذاء حكام الكويت للعراق وكيف سببوا خسارة للعراق تقدر ب6 مليارات دولار بأغراقهم السوق النفطية بزيادات كبيرة في الأنتاج والعراق أحوج مايكون أليها وهو خارج توا من حرب ضروس مع أيران دامت ثمان سنوات ثم أردف قائلا وكأنه استعاد شيئا من توازنه : وكما نشرته وسائل الأعلام العراقية في اليوم التالي من الأجتماع : (نحن نعرف أنكم دولة عظمى ونحن دولة صغيرة وأنتم قادرون على أيذائنا غير أننا قادرون على أيذائكم على الرغم من كوننا دولة صغيرة ونحن ندرك أنكم قادرون على جلب الطائرات والصواريخ لضربنا ولكننا سوف نستخف بكل هذا !أذا شعرنا أنكم تريدون ألحاق الأذى بنا فالموت أفضل لنا من الذل !!! ) وهذا مانقلته الصحف العراقيه . وكان رد السفيرة الأمريكية ردا هادئا ويحمل في طياته الكثير من الخبث الدبلوماسي المبطن حيث أبلغته (تحيا ت رئيسها بوش الأب وحرص الولايات المتحدة على أيجاد علاقات طيبة مع العراق وليست لها النية بشن حرب أقتصادية على العراق وهي تطالب دائما باستقرار أسعار النفط بحيث لايضر بأي طرف وأن مشاكل المنطقه تحل بأرادة القيادات فيها ولا نتدخل في الأمور التي تخص بلدان المنطقه . !!! )
وكان صدام ينتظر تلك الأشارة بفارغ الصبر حيث صورت له أوهامه بأنه ضمن حياد أمريكا حين يتم الغزو وأن الطريق بدا مفتوحا أمامه لنيل غايته وأن الكويت قد صارت في الجيب . وهذا ماكانت تسعى أليه أمريكا لكي يعطي لها الدكتاتور المبرر الأعظم لتدمير العراق والتدخل في المنطقة لمئات السنين ووضع مشيخات وأمارات الخليج العربي تحت الوصاية الأمريكية من خلال عقد المعاهدات والأحلاف مع حكامها ليتدفق النفط لها بيسر وسهولة وبأرخص الأسعار لقاء تلك المعاهدات ولسنين طويلة جدا .
جعفر المهاجر – السويد
27/10/2009