الرئيسية » شؤون كوردستانية » مسيرة الأحزاب السياسية ونتائج انتخابات الإقليم الأخيرة – الحلقة الأولى – غنى التجربة في كُردستان العراق

مسيرة الأحزاب السياسية ونتائج انتخابات الإقليم الأخيرة – الحلقة الأولى – غنى التجربة في كُردستان العراق

المدخل
كانت زياراتي للعراق خلال السنوات الخمس الأخيرة تمر عبر إقليم كُردستان العراق, وكانت هذه الزيارات المتكررة سنوياً ولفترات مناسبة تفسح لي في المجال إمكانية الاحتكاك المباشر بأوضاع العراق والتطورات والتحولات الجارية على الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية, إضافة إلى الأوضاع الأمنية وحياة الاستقرار والسلم الاجتماعي. وغالباً ما كان الاحتكاك يتم مع مختلف القوى والأحزاب السياسية ومع الكثير من المواطنات والمواطنين ومنظمات المجتمع المدني. وكنت في كل زيارة أسجل الكثير من الملاحظات لاستفيد منها في كتابة المقالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على نحو خاص والتي كانت تتضمن الجوانب الإيجابية والسلبية, سواء على صعيد العراق عموماً وصعيد كُردستان العراق خصوصاً. وكانت هذه المقالات تستقبل بمواقف متباينة, بعضها يحمل الترحيب والتأييد, وبعضها يتراوح بين القبول والرفض لبعض ما فيها من أفكار وملاحظات, وبعضها الثالث كان رافضاً لها لا من منطلق خطأ تلك الملاحظات بل من منطلق ليس لمصلحة التجربة والقوى السياسية في العراق وفي كردستان العراق أن يجري البحث في النواقص, أو أن البعد عن العراق لا يسمح بنقد موضوعي أولاً, ولأن تعقيدات الوضع غير مفهومة للمقيمين في الخارج ثانياً. وكلاهما لا يصمدان أمام النقاش الميداني المفتوح والشفاف.
لا شك في أن ما أكتبه يمثل وجهة نظري وقناعتي بشأن ما يجري في العراق وفي إقليم كُردستان العراق وفق مشاهداتي وحواراتي مع الناس وما تتبلور لدي من أفكار وملاحظات ملموسة أجد مناسباً طرحها على القراء من مسؤولين في الحكم وعلى المواطنات والمواطنين المسؤولين عن مصالحهم وعن الوطن بهدف المناقشة والدعوة للتفكير بما يكتب حول تجربة العراق الجديدة وتجربة كُردستان التي بدأت منذ نهاية العام 1991 ومتواصلة حتى الوقت الحاضر. ومثل هذه الأفكار والملاحظات تحتمل الصواب والخطأ, ولكن قناعتي بها هي التي تدفعني إلى نشرها ويترك لمن يقرأها من مسؤولين في الحكم أو غيرهم مناقشتها وتقدير مدى الاستفادة منها أو تصحيحها عبر ممارسة النقاش الهادف والموضوعي. وفي ضوء هذا فأنا أتحمل وحدي مسؤولية هذه الأفكار والملاحظات وهي تنطلق من حرصي, كما أرى, على ما يجري في العراق وعلى مستقبل الوطن المشترك لبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة.
وهذا المقال يبحث في بعض جوانب تجربة إقليم كردستان العراق.
غنى التجربة في كُردستان العراق
تقدم لنا تجربة الفيدرالية الكردستانية دروساً غنية لأنها نشأت وتبلورت في أحضان المجتمع الكردستاني بكل قومياته وقواه السياسية المناضلة, ولأنها تعمدت بدماء وأرواح ضحايا بشرية هائلة لا تقل منذ تشكيل الدولة العراقية حتى سقوط النظام الاستبدادي عن ربع مليون إنسان, إضافة إلى مختلف الخسائر المادية والمعنوية الأخرى والعلل النفسية والاجتماعية التي أصيب بها المجتمع الكُردستاني خلال تلك الفترة الطويلة والتي تصل إلى ما يقرب من ثمانية عقود. كما أن الفيدرالية الكردستانية تشكل أملاً وتطلعاً لا للشعب الكردي وبقية القوميات في كردستان العراق في العيش الكريم فحسب, بل تقدم أملاً ونموذجاً لبقية الشعوب الكردية في المناطق الأخرى من كردستان أو بقية بنات وأبناء الأمة الكردية المجزأة في الدول الأربعة المجاورة. والفيدرالية الكُردستانية, شاء الإنسان أم أبى, تعتبر ضمانة مهمة جداً لمسيرة العراق الراهنة, وخاصة في الموقف الرافض لإقامة دولة دينية في العراق, رغم الصعوبات والمشكلات التي تعترض طريق إقامة دولة مدنية ديمقراطية حديثة وإنسانية في آن.
قدمت تجربة الفيدرالية الكردستانية العراقية منجزات مهمة للشعب الكردي والقوميات المتعايشة معه منذ إعلانها في العام 1992 حتى الآن, ولا شك في أنها ستتواصل في العطاء الإيجابي ولصالح العراق كله.
أبرز تلك المنجزات أن الحكم في كُردستان بيد أبنائه وبناته ولم يعد يفرض عليه من بغداد ولم يعد يمكن تهميش دور الشعب الكردي أو كردستان في الحكم في كردستان أو على صعيد العراق أو في السياسة والاقتصاد والمجتمع والحياة الثقافية والعسكرية, كما حصل له منذ إلحاق ولاية الموصل بالعراق في العام 1926 من جانب حكومة بغداد. وهذا الإحساس هو الذي يمكن أن يشد إليه بقية أجزاء كردستان الكبرى ويدفع بها للنضال من أجل الوصول إلى ذات الهدف وبهذا القدر أو ذاك, مع احتمال لوصول إلى حلول مقاربة أو مماثلة للقضية الكردية في العراق.
والمنجز المهم والأساسي الثاني هو الاستقرار الأمني والعيش بسلام بالنسبة لسكان الإقليم, وبشكل خاص منذ الاتفاق الذي تم في العام 1998 بين الحزبين الحاكمين حتى الوقت الحاضر, رغم حصول بعض الاختراقات والتفجيرات بين فترات متباعدة حصدت المئات من القتلى ولكنها لم تستطع أن تغير الهدوء العام والأمن السائد في كردستان في مقابل ما يجري في بقية أنحاء العراق رغم مرور ما يقرب من سبع سنوات على التغيير الذي حصل في بغداد والعراق.
كما تبلورت خلال الفترة المنصرمة فكرة أساسية هي أن شعب كُردستان يستطيع أن يتصرف بموارده المالية التي تخصص من موارد العراق المالية الكلية وفق مشيئته وإرادته ومصالحه, شريطة أن تستقر هذه العلاقة المالية مع العراق وتنتظم وفق الدستور والقوانين الملزمة من جهة, وشريطة أن تستخدم من جانب حكومة كردستان بما يسهم في تنمية الاقتصاد الوطني وبناء البنية التحتية والقاعدة المادية الصناعية والزراعية لإغناء الدخل الوطني وتحقيق مستويات أفضل للمعيشة وتوزيع واستخدام أفضل للثروة وتحقيق النمو والتقدم والتطور العام من جهة ثانية.
وخلال الفترة المنصرمة تحققت منجزات كبيرة منها إعمار مناطق كثيرة من كردستان العراق وإنشاء شبكة من الشوارع والجسور وتحقيق تقدم على مستوى خدمات الطاقة الكهربائية التي يصل وصولها إلى السكان بحدود تقترب من 24 ساعة في اليوم. كما جرت حتى الآن دراسات كثيرة على الموارد المتوفرة في كردستان العراق وعلى سبل استخدامها والتي لم تبدأ عملية التنفيذ حتى الآن.
ومن يزور كردستان يستطيع أن يشخص التحسن الملموس والمهم على مستوى معيشة الناس عموماً وعلى معدل حصة الفرد الواحد من الدخل الوطني سنوياً, رغم وجود تمايز شديد وهائل بين الغني والحد الأدنى الفعلي لدخل الفرد الواحد.
وتحسنت حرية النشر وطباعة الكتب بحيث تتوفر في كردستان الكثير من الصحف والمجلات ودور الطباعة والنشر والمكتبات, كما ازداد عدد الجامعات وعدد الطالبات والطلاب وعدد التلاميذ في المدارس وعدد الخريجين من الناحية الكمية ومن مختلف المراحل الدراسية.
ولا شك في أن علمانية إقليم كُردستان لها أهميتها البارزة, إضافة إلى وجود الكثير جداً من منظمات المجتمع المدني, ومنها منظمات نسائية قوية ومدافعة عن حقوق المرأة, وجدت أو نشأت الكثير من الأحزاب السياسية, بغض النظر عن قوتها ودورها في المجتمع والحياة السياسية الكردستانية.
كما تعقد في كردستان الكثير من المؤتمرات والندوات الثقافية العامة والمفتوحة التي تسمح بزيادة ورفع وعي الإنسان الكردستاني وتساعده على تلمس دربه وتشكيل مواقفه الفكرية والسياسية, رغم أن هذه الحالة لا تزال مقتصرة على المدن ولم تصل إلى الريف الكردستاني, إذ يزداد تقلص دوره في الاقتصاد والحياة الاجتماعية وفي بنية وحجم السكان.
هذه جوانب مهمة وضرورية في فيدرالية كُردستان العراق التي لا بد من ذكرها وإبرازها باعتبارها جزءاً من مكاسب الشعب ونتيجة منطقية لنضاله الطويل والعنيد, ولكنها تعتبر جانباً واحداً, إذ لا تزال هناك الكثير التي ينتظر الحل, ومنها مشكلة التشابك بين الحزبي والحكومي على صعيد الدولة وفي جميع المستويات والمجالات, ومسألة الفساد الإداري والمالي والبيروقراطية القاتلة في دوائر الإقليم والمحسوبية والمنسوبية العائلية والحزبية والشخص غير المناسب في المكان غير المناسب, والتوزيع والاستخدام غير الفعال للدخل وغير العادل أيضاً والغلاء المتفاقم لأسعار السلع والخدمات دون رقيب أو حسيب, والابتعاد الفعلي عن التصنيع أو تحديث الزراعة والعمل لتحقيق بعض التنسيق والتكامل بينهما, إضافة إلى سوء السياسة المالية والنقدية كجزء من السياسة المالية العراقية غير الجيدة والتي هي بدورها تشكل جزءاً من غياب الإستراتيجية التنموية والأهداف الواضحة على صعيد العراق وكردستان العراق في آن واحد, حيث تعتبر السياسات المالية والنقدية الأداة التنفيذية للسياسات الاقتصادية.
13/11/2009 كاظم حبيب
انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية