الرئيسية » مقالات » ضِدّ أو مَع البَعث، شعارات طائفيةٌ مُبطّنة لخوض معركة الانتخابات المقبلة !

ضِدّ أو مَع البَعث، شعارات طائفيةٌ مُبطّنة لخوض معركة الانتخابات المقبلة !

بدأت علامات الظهور تتكشّف و تفصح عن التصريحات و الإيحاءات التي يراد بها التأثير على الناخب العراقي، ليدلي بصوته في صناديق الانتخابات المقبلة المزمع إجراؤها في 18-1-2010 و الذي سيحدد الأفق المستقبلي لعراق ما بعد العَقد الأول من القِرن الحادي و العشرين.

و بات واضحاً أن قادة اللعبة اتفقوا بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أن تبتعد الانتخابات المقبلة عن المناوشات الطائفية و العنصرية، في دائرة العلن على أقل تقدير، رغبة منهم بالتجديد أو رضوخاً لضغط الإرادات الدولية و الإقليمية أو نزولاً عند رغبة الجماهير و حنقهم على جميع المتاجرين بممنوعات الشعارات القديمة المتمثلة بالطائفية و العنصرية و القومية.

فكما تم شحن الناخب العراقي في الانتخابات السابقة بشعارات الطائفية، بعد سلسلة من الهجمات الإرهابية الشرسة التي كانت تستهدف في اغلبها مزارات و شخصيات و أحياء سكنية للشيعة، كي تسهّل تلك العمليات من أخذ وصفة العلاج الناجعة و المدعومة من دوائر الضمان الإقليمي، و التي تتمثل بضرورة التصويت لتلك القائمة دون غيرها.

فالآن تعاود الهجمات الإرهابية الرعناء الكرّة من جديد، متمثلة بتفجيرات الأربعاء و الأحد الداميين و الأَسوَدين في آن واحد، لتفرش الأرضية المناسبة لقدوم المخلّص و (غودو) العراق ما بعد العقد الأول من القرن الحادي و العشرين و ما يليه إذا ما صحّت نبوءات الانقلاب على الدستور و العملية السياسية برمتها !

و بما أن معظم القوائم الانتخابية قد أتقنت الاستعدادات الأولية لدخول المنافسة، فارتدت ثياب الوطنية و شذّبت من اللحى الطويلة و بعضها أطلق العنان لموسى الحلاقة بمباركة من الرغوة ذات المناشئ الأوربية المعطرة، فلا مجال هناك لترديد شعارات الطائفية التي ملّ منها العراقيون و تجاوزوا بجدارة هوّة الحرب الأهلية المحقونة بأمنيات البعض من دول و أحزاب و شخصيات!

رئيس الوزراء نوري المالكي، كان له السبق في عرض بضاعته، بإنزال كمٍّ من التصريحات النارية في السوق الإعلامية ضد حزب البعث، مشيراً إلى أن ذلك الحزب محظور وفقاً للدستور العراقي، و انه سيستخدم حقه الدستوري، للتصدي بقوة لمنع البعثيين من الدخول تحت قبة البرلمان المُقبل، على الرغم من تشكيله وزارة الحوار الوطني التي أبلت بلاء حسناً في الحوار مع البعثيين طيلة الفترة الماضية، غير أن الانتخابات أوشكت أن تدق جرس السباق و على المتحذلقين اختراع طرقهم الخاصة للفوز، بغية الوصول إلى الكرسي الذي من خلاله سيحكم أسود الرافدين !

أقرّ السيد المالكي بأن البعثيين دخلوا في الانتخابات الأخيرة لمجالس المحافظات لعدم التشدد في الرقابة ضدهم، أما الآن فالأمر مختلف خاصة بعد التفجيرات الأخيرة و التي يتهم فيها المالكي حزب البعث و على أساسه طالب سوريا بتسليم القيادات البعثية المقيمة هناك إلى الحكومة العراقية، لغرض محاكمتهم باعتبارهم مخططين و ممولين لتلك العمليات الإرهابية، و عليه و وفقاً لرؤية المالكي فيجب التصدي للبعثيين لأنهم سيحاولون الدخول من خلال قوائم معينة لم يسمّها في آخر مؤتمراته الصحفية، لكنه كان يشير بإيحاءاته إلى القوائم المنافسة الأخرى و المعروفة بمرونتها و علاقاتها الجيدة مع البعثيين. و قد تزامنت تلك التصريحات مع إقرار مجلس الوزراء لأعضاء هيئة المسائلة و العدالة و تسمية أعضائها و التي ستتسلم المسؤولية من هيئة اجتثاث البعث للقيام بواجب الفلترة و التدقيق بأسماء المرشحين، لوضع فيتو ضد البعثيين المرشحين لخوض الانتخابات المقبلة و الداخلين ضمن قوائم و ائتلافات عديدة .

الدكتور احمد الجلبي رئيس الهيئة الوطنية لاجتثاث البعث، هو الآخر كان السبّاق دائماً بمطالباته الرامية إلى ضرورة التشديد ضد حزب البعث و المنتمين له، و كانت لتصريحاته الأخيرة السابقة لتصريحات المالكي بكثير، و التي قال فيها بان حزب البعث سيحصل خلال الانتخابات البرلمانية المقبلة على 40 مقعداً.

المعروف أن احمد الجلبي، يُعد من أهم العرّابين للعملية السياسية و تحالفاتها و يتمتع بعلاقات دولية و استخباراتية واسعة، و يفهم من تصريحاته تلك و كأنه يريد أن يقوم بالتحضير لهذه الحقيقة المتمثلة بضرورة دخول البعثيين إلى العملية السياسية، بإشارة أمريكية أو إقليمية واضحة، أو انه قام باستقراء الواقع السياسي و أدلى بتلك التصريحات للتحذير منهم و شحذ الهمم ضدهم.

و سرعان ما وكّرت تصريحات أخرى على نفس الغصن بعد تصفيقٍ و لعب في سماء المظلومية البعثية و القومية و التكنوقراط، حيث جاءت التصريحات في هذه المرة متطابقة تماماً في لون ريشها مع تصريح الجلبي غير أنها الآن تنطلق من على لسان الدكتور صالح المطلك الذي ائتلف مع الدكتور علاوي لقيادة الحركة الوطنية العراقية، و الذين زارا الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً و ألقيا خطابين في الكونغرس الأمريكي بشان العراق، و هما من أبرز الشخصيات السياسية المعارضة لحكومة المالكي و الداعية بكل محفل إلى ضرورة عودة حزب البعث إلى الواجهة السياسية في العراق، حيث قال المطلك: “إن البعثيين سيحصلون على 40 مقعدا في مجلس النواب العراقي المقبل” !

و يأتي تصريحه هذا بعد تصريح الجلبي بأيام و ما زالت أصداء تلك العبارة “40 مقعداً في البرلمان المقبل للبعثيين” تردد الآن من قِبل آخرين و كأنها رسائل تأكيدية تطرق الآذان بشكل متناوب، للتعود على نغمتها مستقبلاً، مع أنها تعد نشازاً في الوقت الحالي و قبل عدة أعوام تلت 2003 !!

الدكتور الآخر همام حمودي، كممثل عن الائتلاف الوطني العراقي، يطالب المالكي باتخاذ قراره الشجاع بضرورة العودة إلى أحضان الائتلاف و تفويت الفرصة على الأعداء و المتربصين بالعراق و العملية السياسية، و هكذا فعل الدكتور موفق الربيعي، و كرره الجلبي مرة أخرى، بمعنى سنعود إلى مربع الطائفية تحت شعار مناوئة حزب البعث، لكن هذه المرة بصورة مبطنة و تحت العباءة !!

غير أن معظم القوائم الانتخابية قد تشكلت على أساس مشاركة سنية شيعية في أغلب الأحيان، و إنْ تفاوتت في حجم التمثيل أو الفاعلية بين قائمة و أخرى، فكيف هو الحال بالاستقطاب الطائفي و تمريره في هذه الحالة ؟

الجواب بسيط للغاية و الحل سهل جداً، فكما هو معروف، على الرغم من أن معظم المنتمين لحزب البعث سابقاً هم من الطائفة الشيعية، لكثرة عدد نفوسهم في العراق، إلا أن المتبنّي الحقيقي بعد سقوط النظام السابق 2003 و الداعم بقوة لعودة ذلك الحزب بقياداته السابقة و تشكيلاته الأمنية و العسكرية و المدنية هم من الطائفة السنية في أغلب الأحيان، فأصبح المدافع عن حزب البعث سنياً حكماً و المعارض له شيعاً حكماً، مع وجود الاستثناءات بكل تأكيد، و قد رضعت هذه الثنائية من صدر وسائل الإعلام الحاملة لأجندات متعددة و التي روّجت بشكل جيد لتلك المعادلة.

و هنا تصبح العملية سهلة جداً و لا تحتاج إلى فتاوى من المرجعية و لا إلى تحذيرات من مخاطر الجارة الشرقية للعراق، المشهد تم الإعداد له بشكل جيد و شعارات التحريض و الاستقطاب الانفعالي العاطفي هي الشعارات الرائجة و المضمونة الربح في الانتخابات العراقية، تحت شعار “العراقيون عاطفيون” و من السهل أن يتأثروا بكلمة بعينها، فكيف إذا كانت جرعات لقاح مضادة لسيطرة البعث على رقاب العراقيين مرة أخرى، أو ترياق ضد تدخل دول الجوار و خاصة إيران المعروفة بتدخلاتها المستمرة بالشأن العراقي و دعمها لطائفة دون غيرها !

الأمر يكاد يكون نفسه في كردستان العراق، فقد انتقد فاضل ميراني أمين عام المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني لدى إعلان قائمة التحالف الكردستاني، نوشيروان مصطفى رئيس قائمة التغيير (كوران) المعارضة، و تابع ميراني قائلا “انه يضعف موقف كردستان في وقت يتنافس فيه الإقليم مع حكومة بغداد على المناطق المتنازع عليها مثل كركوك الغنية بالنفط”.

و أشار إلى أن “هذه المرحلة تتطلب توحيد الخطاب و رص الصفوف وعلينا تحفيز الجماهير للمشاركة في الانتخابات بغية مواجهة أعداء الأكراد وحقوقهم، خصوصا ممن يريدون تقليص ثقلهم في بغداد”.

لكن الأمر مختلف عند غير الناعقين مع كل ناعق، و أكثر صعوبة بكل تأكيد، لان معظم الوجوه القديمة هي نفسها اللاعبة على الساحة السياسية الآن، رغم تغيير الأدوار.

فعلينا أن نتساءل هل هناك من يتبنى سياسة البرامج و الهدوء و عدم التحريض و تهييج الشارع و كأنه يقود قطعاناً من الماشية؟ علينا أن ننتبه و نفتش عن الوطنيين و من يتكلم بحكمة و يسعى بشكل حقيقي لتعزيز اللحمة و عدم التفريط بحقوق العراقيين أينما حلّوا و كيفما كانوا، و لنوحّد الصوت ضد من يروّج لسياسات المحاصصة و الإقصاء و التلاعب بالمشاعر و الرقص على الجراح و القفز على أحلام و طموحات العراقيين .

هناك عدد من القوائم لم تطرح نفسها بصورة عنصرية أو طائفية أو دينية أو مناطقية أو مروّجة لعودة حزب البعث أو متصدية له، فعلينا أن نبحث عن تلك الشخصيات و القوائم الانتخابية و نميزها و نمحصها و نمنح صوتنا في النهاية لمن يستحق.

و على الرغم من هذا و ذاك فهناك ما زال من ينظر من ذلك الثقب الذي يخرم بوابة التفاؤل المطلّة على سماءٍ جديدة، لعراق افترضناه أن يكون جديداً، رغماً عنّا و عن حضارتنا الموغلة في أعماق التاريخ!

*رئيس تحرير “اتجاهات حرة”

15-11- 2009- بلجيكا