الرئيسية » مقالات » علي الوردي: ظاهرة المجتمع العراقي الحلقة الثانية : ذكريات تجربة علمية

علي الوردي: ظاهرة المجتمع العراقي الحلقة الثانية : ذكريات تجربة علمية

إعادة قراءة الوردي

إن أول كتاب قرأته للوردي عند مقتبل حياتي ، كان ” وعاظ السلاطين ” ذائع الصيت الذي كنت ولم أزل اعتقد ، وكما يرى العديد من المتابعين والمثقفين انه صاحبه كان جريئا جدا ، ولا يمكن لأي مفكر عربي معروف أن يقدم اليوم على تأليف ونشر كتاب كمثله نظرا لخطورته بالرغم من بساطته وسهولة منهجه وسذاجة بعض أفكاره ! وعليه ، أتمنى على الجيل الجديد أن يعيد قراءة هذا ” الكتاب ” عند فاتحة القرن الواحد والعشرين ، لكي يتلمس الفروق الواسعة بين حريات التفكير العربي في الأمس مقارنة بما هي عليه أحوال هذه الأيام الصعبة.



كيف عرفته ؟
كتبت في فصلة دراسية عن الوردي ( كتابي : نسوة ورجال : ذكريات شاهد الرؤية ) إنني عرفته منذ زمن طويل ، وجمعتني به عدة لقاءات علمية ، واستفدت منه في إجاباته على عدة أسئلة تخص طبيعة المجتمع العراقي ، بشكل خاص، والعلاقات الاجتماعية والسياسية للمجتمع العربي الحديث عموما ، وكنت قد كتبت بعض ملاحظاتي النقدية القوية إزاء كتابه الكبير : ” لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ” ونشرتها منذ منتصف السبعينيات في إحدى الصحف العراقية ( = الجمهورية كما أتذكر ) ، وكنت حين ذاك في مقتبل الشباب .. واذكر أنني قلت فيها وأنا اكتب أفكاري عن الجزء الخامس من كتابه ، بأن المجتمع العراقي الحديث قد وجد نفسه منذ القرن الثامن عشر وليس التاسع عشر .. فأرسل لي الرجل رسالة من بضعة اسطر ، وهو يسأل عن واحدة من مخطوطات الموصل ، وكانت لي سفرة لبغداد ، فآثرت أن أرى الرجل وكان قد تقاعد ، فقدرّت فيه تواضعه واهتمامه بالباحثين ، ورحب بي كثيرا ، وسألته عن جملة أمور ، وفي آخر اللقاء قلت له : إن العراقيين قد وجدوا ذواتهم الاجتماعية خلال عهدي الواليين حسن باشا وولده احمد باشا في النصف الأول من القرن الثامن عشر ، ولأول مرة يجد المجتمع ترابطه الوثيق من خلال التحديات الخطيرة التي واجهته ! .. ثم سافرت إلى خارج العراق لأغراض إكمال دراستي ، فأرسلت له رسالة علمية في صيف 1977 من بريطانيا ، وطلبت منه مشكورا الإجابة عن العديد من الاستفسارات التي تخص حالات بعض التمردات العنيفة التي حدثت في حياة المجتمع العراقي ، ولماذا يسحل الإنسان في الشوارع .. وقد أخبرته إنني اكتشفت من قراءة بعض المخطوطات إن عملية السحل موجودة في العراق منذ القرن الثامن عشر.. فأجابني الرجل برسالة طويلة ( لم أزل احتفظ بها ) ، وهو فرح جدا بما أسديت له من معلومات تاريخية جديدة تخص حياة المجتمع العراقي ، ولكن لم يفدني بشيء جديد غير ما كان قد سجله في دراسته المطولة عن المجتمع العراقي .



لقاء الانتركونتيتنال في عمّان بالاردن

تحقق لي أن التقي مع الرجل مرة ثانية في عمّان بالأردن في 3 أيلول / سبتمبر 1993، وكان لم يزل يتذكرني جيدا ، ولعل من أجمل ما أمدنّي به ، معلومات مهمة جدا ساعدتني كثيرا في الكشف عن وثائق عراقية قديمة تخص تاريخ السيد جمال الدين الأفغاني في صباه ، أثناء دراسته في الحوزة العلمية بالنجف الاشرف في العراق خصوصا ، وانه قد كتب عنه مطولا في الملحق الأول من كتابه ” لمحات اجتماعية .. ” الجزء الثالث ( ص 266- 328) ، وكنت أخبرت الوردي أنني اشتغل على تاريخ وثائقي عن حياة السيد الأفغاني وتفكيره وعلاقاته وارتباطاته ، وقد أطلعته على بعض ما حصلت عليه من معلومات وأدبيات وثائقية وأوراق رسمية فرنسية وروسية وانكليزية وتركية وفارسية .. فاندهش وشدّ الرجل على يدي عندما علم بأن ما اكتشفته من وثائق مهمة ونادرة ستقلب صورة الأفغاني في الذهنية والذاكرة العربية التي دامت عنه أكثر من مئة سنة ، أي على امتداد القرن العشرين . لقد أثنى على الجهود المضنية خصوصا ، وانه كان قد أولى اهتمامه بموضوع الأفغاني وكتب عن أهمية تكوينه في العراق منذ صباه ،ولكن قدمّه بشكل مختزل .. فقلت له : اثنان من العلماء العرب كانا يمتلكان الجرأة في تناول موضوع السيد جمال الدين الأفغاني : أولاهما لويس عوض من مصر ، وثانيهما علي الوردي من العراق . ولكن رحل الرجل من دون أن يرى عملي النور بعد ! لقد وجدته متواضعا ليس في مجالسته أو محاضرته ، بل هو كما في كتاباته .. وبهذه المناسبة ، أشيد أيضا بدور العالم الراحل الدكتور حسين علي محفوظ الذي أرسل لي بعد رحيل الوردي معلومات ممتازة عن بدايات السيد جمال الدين الأفغاني في العراق .. رحمهما الله رحمة كبيرة .

ثنائية المجتمع العراقي ام الابعاد الثلاثة ؟

لقد دام اللقاء مع الأستاذ الوردي في بهو فندق الانتركونتينتال بعمّان الأردن ، أكثر من خمس ساعات ، وكان الرجل متعبا جدا ، وقد أرهقته جملة من العوامل النفسية والمعاناة الفكرية ! راح يحدثني وقد فتح قلبه وفكره لي عن حالة الاغتراب الصعبة التي يعيشها ، وانه سيخرج من الدنيا البائسة من دون أي معنى ، وان الوفاء للعلم والعلماء بات معدوما في العراق ، قلت له بأن القناديل التي أضاءها ستبقى حية لن تموت وأنها ستتوهج دوما ! حدثني بمرارة عن مصادرة كتبه وعن نزق بعض أصحابه القدماء وعن مأساة العلم في العراق .. حدثني عن ضياع حقوقه المعنوية والأدبية عندما عاش عمره الطويل مخلصا للمعرفة العراقية والعربية ، ولكن لم يعترف به عضوا مجمعيا في المجمع العلمي العراقي ، لأنه بقي مستقلا في تفكيره وآرائه وجريئا في قول الحق ! خصوصا وانه صاحب لقب ” الأستاذ المتمرس ” منذ عقود طويلة من السنين ! سألته : هل ما زال يصرّ على نظريته في التناقض الاجتماعي وصراع البداوة والحضارة في المجتمع العربي بشكل عام والعراقي بشكل خاص ؟ أجابني: نعم بكل تأكيد ، ثم عقّب مستفهما : وهل ترى غير ذلك ؟ قلت له : نعم لدي ذلك وسأنشره قريبا ، ذلك لأنني اكتشفت من خلال عملي في تاريخ انتلجينسيا العراق ابان القرن العشرين بأن دوائر الصراع في العراق ثلاث ، هي : البداوة والريف والمدينة ، وان المديات في هذه الأبعاد الثلاثية لا الثنائية هي واحدة من النتائج المعرفية التي يمكن استنباطها بعد التوغل ليس في ظواهر المجتمع ، بل في تفكيك نسيجه ومكوناته بعد التمعن في رواسبه وبقاياه وموروثاته .. فوافقني تماما خصوصا عندما أطلعته على نماذج من التناقضات البنيوية التي أفرزتها الأبعاد الثلاثة منذ عهد مدحت باشا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر .



كوارث العراق وانسحاق العراقيين

إن بنية المجتمع العراقي موحدة ، ولكنها متباينة من بيئة إلى أخرى .. فضلا عن تباين صور المجتمع ومشاكله من زمن إلى آخر .. إن المعرفة التاريخية واكتشاف الجذور الصعبة ومقارنتها بالبقايا والترسبات الاجتماعية اليوم ، سيكشف لنا عن أمراض وتعقيدات غاية في الخطورة ، وتلك هي التي أضرت بحياتنا العربية سياسيا وأيديولوجيا وسلطويا في الخمسين سنة الأخيرة من القرن العشرين .. ابتسم وقال : أنت مؤرخ اجتماعي وأنا عالم اجتماع . قلت له : نعم ، ذلك لأن المعرفة واحدة لا تتجزأ ، وان الواقع اليوم قد افرز نتائج عملية تخدمنا في اكتشاف طبيعة الخلل الذي أصاب مجتمعاتنا العربية في الخمسين سنة الأخيرة من القرن العشرين ، وان المشكلة ليست في صراع ثنائية البداوة والحضارة .. بل في صراع أقسى واعتى ، لما أنتجه من خلال السياسات السلطوية والفوضوية والرعوية والزحف من الأرياف إلى المدن من نتائج سيئة كاسحة كارثية ومدمرة . كنت أتمنى على الأستاذ الوردي أن يبقى ليشهد مآسي العراق اللاحقة التي نعيشها اليوم .. فهي ليست استجابة لتحديات عهد صعب كانت له قسوته ورهبته ، بل هي نتاج ركام من الأحقاد والكراهية ، بل هي إفرازات تصادم القوى الاجتماعية التي لم تتعلم التجانس أبدا ، فكيف بها أن تتناغم ؟ إنني اعتقد بأن الوردي وغيره من العلماء العراقيين الأذكياء يدركون ذلك جيدا ، بدليل تفسير الوردي لفرضياته ، وخصوصا في كتابه ” دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ” وما لحق به من لمحات اجتماعية بأجزائه التي تسلسل في عرضها زمنيا .. كان يختزل في مكان ويطيل في مكان آخر .. انه في جزئيه الرابع والخامس يجد المجتمع العراقي يصطدم بواقع جديد ، ويعيد استكشاف وطنه في أحداث الحرب العالمية الأولى والاحتلال البريطاني وصولا إلى ذروة ثورة العشرين ( راجع الجزء الرابع من لمحات اجتماعية ) ، وكان الرجل قد عد ثورة العشرين وطنية لا محلية بدليل انطلاقها وشمول كل العراقيين بها .



الرؤية العلمية

في أكتوبر 2001 ، كنت أقدم محاضرة أكاديمية عن السيد جمال الدين الأفغاني في واحد من أقسام التاريخ وفي واحدة من الجامعات العربية ، وكنت احد أعضاء ذلك القسم ، وقد ذكرت في معرض حديثي الدكتور الوردي وأثنيت على جهده ، فانبرى أحد الزملاء العراقيين من مكانه وبدأ يتحدث بكل قسوة عن الرجل ، فأجبته بكلام أقسى فسكت على مضض . وقلت : متى نتعلم نحن في العراق أن نبعد علاقاتنا ومواقفنا الشخصية عن المعرفة بالأشياء وعن الموضوعات العلمية ؟ متى يتخلص العراقيون من التنكيل برجالاتهم ونسوتهم ؟ متى نحترم تلك الرموز التي أشعلت شموعا في الظلام .. وعادة ما يأتي نكران الجميل من أولئك الأغبياء والمرضى الذين تسلقوا في غفلة من الزمن على حساب غيرهم وأصبحوا في مواقع المسؤوليات التي لم يكونوا يحلمون بها أبدا ، وهم يحملون كراهية وأحقادا حتى ضد أنفسهم ‍!

صحيح أن الوردي كانت له معالجاته الجريئة حول طبيعة المجتمع العراقي ، إلا أنه لم يكن في بعض الأحيان مؤرخا دقيقا في ضبطه لتواريخ متعددة ، والرجل يعرف بها واحدة واحدة .. وبالرغم من كل ما كتب ضده ، يبقى علامة بارزة في حياة الثقافة العربية الحديثة ، كونه قّدم ما لم يقدّمه الآخرون في موضوع ليس بجديد على المعرفة العربية المعاصرة حسب ، بل على المعرفة الإنسانية أيضا ‍، كما يستدل من حركة تطور علم الاجتماع في العالم كله إبان القرن العشرين .



المنهج والظاهرة

سواء اختلفت أم اتفقت مع نظرية الرجل أو تطبيقاته لها ، فالأستاذ الوردي يعد واحدا من السباقين الأوائل في الكشف عن واحد من المجتمعات العربية المعقدة والمركبة والصعبة ، ألا وهو المجتمع العراقي إذ عدّه بعض الدارسين بأبي علم الاجتماع ليس العراقي حسب ، بل العربي خصوصا وانه قد وظف هذا العلم الجديد منذ أكثر من نصف قرن في دراسة المجتمع العراقي الحديث . فضلا عن كونه قد استفاد من أفكار المؤرخ والفيلسوف الشهير ابن خلدون صاحب علم العمران البشري ، وخرج بنظريته المعروفة عن التناقضات التي حكمت المجتمع العربي في صراع البداوة والحضارة والتي اتخذ تطبيقاته فيها على المجتمع العراقي الذي عدّه بيئة خصبة لذلك الصراع المتفاقم في العصر الحديث مؤكدا بأن ذلك ” الصراع ” قد شلّ قدرات العراقيين المحدثين على التقدم وتطوير المؤسسات المدنية إبان القرن العشرين .

إن مشكلة المتخصصين العراقيين في العلوم الاجتماعية اليوم .. أنهم يكتفون بموضوع واحد ، أو البقاء في حيز واحد ، أو تخصص دقيق واحد .. فتجدهم رائعين في ذلك .. ولكن ما أن تبتعد بهم نحو موضوعات أخرى أو مجالات أخرى لها علاقاتها ونسيجها العراقي الواحد .. تجدهم يضيعون كونهم لم يجيدوا الربط بين المعلومات ، ولم يكن باستطاعتهم السيطرة على موضوع العراق بشكل كامل ! وان ثقافتهم لن تتيح لهم أن يكونوا مؤهلين للحديث ، أو الكتابة عن ظواهر العراق الكبيرة بمناهج استقرائية ونقد دقيق ..

إن ميزة علي الوردي بالرغم من عدم تغطيته كل مساحات المجتمع العراقي ودراسة كل عناصره ، إلا انه نجح نجاحا باهرا في رصد حياة الناس الاجتماعية ، وقيمهم وتقاليدهم وعاداتهم وعصبياتهم وسلوكهم في حياتهم اليومية .. وانه نجح في إرجاع ذلك كله إلى الأصول التي انبثق عنها ذلك التشكيل الثقافي في المجتمع العراقي ! لقد نجح في حفرياته عن طبائع عراقية تتوضح في سلوك الناس ، وهي متداولة بحد ذاتها ليكتشف أصولها الاجتماعية والتاريخية في أزمنة وأمكنة معروفة وما هي تداعيات ذلك التشكيل الذي كانت وراء مصالح وتحيزات وانفعالات ومظلوميات وتعصبات وبكائيات وأحزان وأمراض نفسية لا تعد ولا تحصى ! إن أهم ما لدى الرجل انه كتب نتاجه من دون أي زاوية معينة ينطلق منها لا دينية ولا طائفية ولا سياسية ولا إيديولوجية.. كان كما يبدو عالما عراقيا مجتهدا ، وسواء أصاب أم اخطأ ، فقد قدم شيئا مهما للعراق .





الرؤية .. المستقبل

.. لعل من أهم سماته الفكرية الناضجة علمنته الفكرية وتواضعه العلمي ، فهو يرى أن هذا المجتمع لا يمكن أن يرتقى إن لم يكن علمانيا .. وان هذا المجتمع لا يقبل أبدا من يتعالى عليه !

إن من يقرأ كتب الوردي سيجد مؤلفها كان قد تأثر بوعي أو بغير وعي منه بالأحداث التاريخية التي مرت بالعراق ، فهو قبل 14 تموز / يوليو 1958 غيره من بعدها .. كان في وعاظ السلاطين ناقدا ساخرا ساخطا من مجتمع لا ينفع فيه الوعظ ولا يتقدم به المترفون .. وتجده في مهزلة العقل البشري أديبا تنويريا حر التفكير .. ويبدو أن الوردي كان يشعر بالحرية ، وهو يتحدث أمام الناس في محاضرة عامة عن الشخصية المزدوجة للعراقيين عام 1952 . هنا ، سجّل نفسه مبدعا في قائمة نخبوية عراقية مثقفة وجدت حريتها في الخمسينيات .. أما أعماله وإبداعاته بعد العام 1958 ، فقد كرّسها لمشروع لا اعتقد انه كان قد خطط له مسبقا باستثناء كتابه الأول عن طبيعة المجتمع العراقي .. إذ أنني اعتقد أن ” اللمحات الاجتماعية .. ” جاءت تطبيقا لما اختزله في الكتاب الأول ، وانه عندما بدأ بتأليف كتابه الأخير ، لم يكن يدرك أن التفاصيل ستتشعب به ليكون بثمانية أجزاء .

لقد نجح الوردي في قراءة ظواهر المجتمع العراقي وحاول تفسيرها ـ كما كان يفهمها في وقته ـ ، واجده قد انطلق من خلال ثلاث فرضيات له : الأولى ازدواج الشخصية العراقية التي اقتبسها من مكايفر ، وكانت منطلقة لدراسة المجتمع .. والثانية ، صراع البداوة والحضارة واقتبسها من العلامة ابن خلدون ، والثالثة تكمن في التناشز الاجتماعي واقتبسها من أوكبرن . ولو جمعناها في حالة واحدة لوجدناه يقول : إن المجتمع العراقي ثنائي التفكير ، مزدوج الشخصية ، مركّب الذهنية تتفوق ترسباته على محدثاته ، وتتغلب عواطفه على عقله .. كان الوردي يؤمن بالعلم والوطنية والحرية من اجل انطلاق المجتمع العراقي ، إذ وجدها ثلاثة اقانيم إزاء ثلاث فرضيات يجدها حقيقة واقعة في المجتمع . هنا ، لابد لي من القول ، أن ظاهرة المجتمع العراقي لا يمكنها أن تقف عند حدود علي الوردي ، بل ينبغي تجاوزها من خلال مناهج جديدة ومعاصرة ، وتفكيك كل شرائح المجتمع العراقي لمعرفة كل أبعاده والتمكن من نسيجه ، فضلا عن شمول كل المجتمع بالدراسة والتحليل من دون الاقتصار على مدن معينة او شرائح معينة . إن المجتمع العراقي لا يمكن الاقتصار على درس ظواهره بقدر الحاجة للتوغل في دراسة بنيته وتراكيبه ..



المصادر الشفوية والحكايات الشعبية

يبدو لنا من خلال قراءة ما كتبه عن المجتمع العراقي ، انه كان يعتمد فضلا عن مراجعه من الكتب والمؤلفات على مصادر شفوية إذ كان مشروعه يقوم على جمع الروايات ومساءلة الناس وتدوين ما يقولونه ثم يقارن بين الروايات ليستخلص مادته ، وخصوصا عندما تحدث عن المجتمع العراقي في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ، وكان كما يقول ، يكثر من أسئلته الذكية التي يلقيها على كل من يجد عنده معلومات سواء كان شخصية مهمة أو شخصية عادية . إن قراءة سلسلة اللمحات تجذب القارئ عندما كتب مادتها بأسلوب بسيط من دون أن يلتزم أي طرف دون طرف آخر ، إذ نجد الحيادية والأمانة في النقل والموضوعية في تأطير الصورة الاجتماعية العراقية . أجده يفكر كثيرا في الحوادث والأشخاص ويخضعها للاستقراء ، ثم يقوم بربطها بما له علاقة بها .. ثم يطلق رأيه بعد ذلك وتجده يقرأ بطريقة عمودية وليست أفقية ، فهو قد يتوافق مع المادة أو يتقاطع معها فيأخذ القارئ معه كي يفنّد ما كان قد ترسّخ في بنية المجتمع العراقي .. انه لم يقف موقف الساخط والمتمرد والثائر الذي تأكله عواطفه ، بل تجده يقرأ بهدوء ولكن له مواقف عنيدة من المتخلفين والمتخندقين والرجعيين والمعممين ، فكان إن شّدوا كالعادة حملاتهم ضده استهزئ بهم .. كان بمنتهى الديمقراطية ، يؤمن بها إيمانا كبيرا ، ولا يرى خلاص المجتمع من آفاته إلا عبر مصافي الديمقراطية .. صحيح انه يقبل الرأي الآخر ، ولكنه يحمل سلاحه ليجادل من اجل إثبات رأيه ! وكان يرد على خصومه بروح علمية .. كان الوردي سواء في طبيعة المجتمع العراقي أو في الأجزاء الأخيرة من اللمحات ، يكثر من التشبيهات التي تزيد من نكهة عراقية خاصة نجح من خلالها في جذب القراء اليه .. وبدا لنا أن حتى خصومه من رجال الدين يقرأون كتبه !



وأخيرا : ستبقى ذكرى الوردي حية

ستبقى ذكرى هذا الرجل قوية في الذاكرة المعرفية العربية ، وستبقى أعماله يتداولها الناس على مر السنين .. رجل مات ولم أودعه في اللحظات الأخيرة إذ كنت في مكان بعيد .. رجل عاش ومات من اجل المعرفة العربية ، وإثراء الثقافة العراقية .. رجل عاش ومات وهو صاحب تفكير مدني وقاد ، لم يكن تعنيه السفاسف والشكليات بل تعنيه المضامين والجوهريات .. رجل عاش ومات ولم يأخذ حقه الطبيعي إلا من قبل عدد قليل من الأوفياء له ولفكره وأعماله من زملاء وطلبة ومريدين .. ومن المؤكد أن له خصومه وغرمائه وأعدائه كما هو حال كل المبدعين في العراق ، ولكن لابد أن يعترف خصومه قبل أصدقائه بمكانته الفكرية مهما وصلت درجة الأخطاء عنده ، إذ لا يمكن لأي مفكر يشتغل الليل والنهار من دون أن تكون له بعض الهفوات ، فهو في المحصلة أفضل بكثير من أولئك الكسالى والخاملين والأدعياء والمهاترين والمتكلسين الذين تعج بهم الثقافة العراقية .. من اجل الذكرى الطيبة ، أقول بأن على الوردي رجل أنتج انضج الأعمال في وقت مبكر جدا .. وكان لها أثرها البالغ في حياة الفكر العربي المعاصر .. رجل أعطى للحياة الجامعية العربية حياته وفكره وعقله ، ولكنه لم يأخذ منها شيئا مع الأسف .

نشرت في ايلاف ، 12 نوفمبر / تشرين الثاني 2009 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com