الرئيسية » مقالات » دردشة /الكلاب المسعورة !!

دردشة /الكلاب المسعورة !!

نهاية تموز الماضي ، وخلال وجودي في بغداد ، رتب لي صديق عزيز لقاء مع بعض من زملائي أيام الدراسة الجامعية في البصرة ، ووصلوا من مدن عراقية مختلفة ، والتقينا وسهرنا عند ضفاف دجلة ، وكان ـ يا عزيزي القاريء ـ لقاءا حارا من بعد سنين افتراق قسري ، حاولنا فيه استعادة شيء بهجة تلك الايام ، وتذكرنا معا وجوها عزيزة غابت عنا لسبب وأخر ، فمنهم من استشهد ومنهم من اكلته الحرب ومنهم من غادر الى المنفى القسري . وتحدثنا في كل شيء وكانت هموم الوطن دائما هي الاولى . أثناء حديثي مع احد زملائي ، من الساكنين في بغداد ، انتبهت انه كرر قوله عدة مرات ، بأنه : ” رغم الانفراج الواضح في الوضع الامني فانا أحرص على العودة مبكرا الى داري تجنبا للشر” ! وإذ اعرف أنه يسكن في منطقة شعبية ، واعرف أنه انسان مسالم ، وان احواله المادية لا تغري احد بأبتزازه ، سألت بجدية : ” هل هناك من يتعرض لك في محل سكنك؟ ” وفي بالي ـ عزيزي القاريء ـ كل قصص عمليات الابتزاز والتهديد وعمليات “العلس” التي يخشاها الكثير من ابناء العراق . لكن صاحبي قال بثقة وهو ينظر في عيني مباشرة : “أخاف على نفسي من شر الكلاب السائبة !”
ولا اخفي عليك ـ عزيزي القاريء ـ في الوقت الذي غالبني الالم ، حاولت ان أكتم ضحكة قدرت أن الوقت غير مناسبا لاطلاقها ، الالم كان لكون هموم العراقيين ألامنية ومخاوفهم ، لم تعد تتوقف عند سعار ارهابي قادم من خارج الحدود ، او طائفي متشدد يحاول الغاء الاخر ، او متأسلم ظلامي لا يرى ابعد من حدود لحيته ومصالحه الشخصية ، أو صدامي حاقد فقد العز والجاه والسلطة ، صارت المخاوف تشمل الكلاب السائبة ، التي تشير التقارير الصحفية الى انها صارت هما اساسيا من هموم ابناء العاصمة بغداد والعديد من المدن العراقية . فهذه الكلاب السائبة ، التي صارت تهاجم الناس وتنزل بهم جروحا شديدة واودت بحياة العديد من الاطفال ، تقول جهات طبية انها ” … وأذ تعيش في المزابل المكشوفة التي تنتشر في كل مكان من بغداد ، اعتاشت لفترة على الجثث المجهولة الهوية التي ترمى في المزابل ، وصارت تستطعم وتستسيغ لحم الانسان ” ، وأنها “… عندما وجدت ـ الحديث هنا عزيزي القاريء لطبيب عراقي ـ ، نفسها غير قادرة على الحصول على هذا الطعام في المزابل والطرقات ، تحولت الى حيوانات مفترسة ، وكلما وجدت أمامها تلك الرائحة الخاصة بلحوم البشر ، إضافة الى المظهر البشري الجاذب لها ، فأنها تسارع لمهاجمته بكل قوة وشراسة .” !!
ولا يخفى عليك ـ عزيزي القاريء ـ أن مخاوف الناس تأتي من كون هذه الكلاب اضافة الى الجروح التي تحدثها عند من تهاجمهم ، فهي تأتي معها بمخاطر كونها قد تحمل امراضا عديدة مختلفة .
أما الضحكة ، التي حاولت كتمانها ـ يا عزيزي القاري ـ ، فذلك لأني تذكرت كيف أني وفي الشهور الاولى التي اعقبت سقوط نظام الديكتاتور، واجهت مشكلة عائلية عويصة بسبب “الكلاب” ، فزوجتي تعاني من خوف شديد، وغير اعتيادي من كل أنواع الكلاب وحتى المنزلية والاليفة منها. واذ عَلمت بأني تورطت من قبل اصدقاء ومعارف واستلمت بطاقة دعوة لحضور حفل زفاف شخص يصفه بعض اصدقائنا بكونه “أبن كلب “! ، حتى ثارت ثائرتها وصاحت بي : ” وتريدني ان اصحبك لحفل زواج كلب ابن كلب ؟ “. ولم تقبل حجتي بكوني تورطت بشكل ما ، وأعلنت احتجاجها العنيف ، ومارسات مختلف انواع الضغوط حتى لا اذهب ، ونجحت في اقناعي ونالت ما تريد واعترف بأنها أمرأة عنيدة جدا ، السبب الذي اثار غضب زوجتي ـ عزيزي القاريء ـ ، هو أن العريس ـ ” ابن الكلب ” ـ كان مشكوك بأمره بأنه من كتاب التقارير الامنية ايام النظام الديكتاتوري المقبور، واختص تحديدا بنهش وعض المثقفين من أبناء شعبنا ، ومع سقوط الصنم ، ارتدى لبوس الديمقراطية وتدثر بقصص الضحايا وصار مناضلا من اجل العراق الجديد !
ياااااه ـ يا عزيزي القاريء ـ لكم اتمنى ان تعود الى منزلك سليما معافا ، بدون اية أذية ، فالكلاب المسعورة تملأ شوارع العراق وشاشات التلفزيون وتركب سيارات فارهة ، وهي تزداد شراسة وفسادا ، وتحمل معها عشرات الامراض القاتلة التي تهدد مستقبل اجيالنا القادمة ، ولا يمكن لشعبنا التخلص منها الا بعمل نوعي وموقف شجاع وشامل يستوجب معالجة العوامل المساعدة لتكاثر الكلاب ، وان تكون لدينا بيئة نظيفة في عراق لا يسمح للكلاب السائبة والمسعورة بأن تنهش لحم الناس الابرياء !
وسنلتقي !!

* عمود دوري / عن الملحق الثقافي الاسبوعي لجريدة المدى العدد ( 1655 ) – الاحد 15 تشرين الثاني 2009