الرئيسية » شؤون كوردستانية » مسيرة الأحزاب السياسية ونتائج انتخابات الإقليم الأخيرة الحلقة الثانية

مسيرة الأحزاب السياسية ونتائج انتخابات الإقليم الأخيرة الحلقة الثانية


المدخل

“ويل لعالم لا ينفتح على غيره, وجاهل منغلق على نفسه”

حكمة مندائية قديمة

الحياة الحزبية الكُردستانية العراقية ليست حديثة العهد, بل هي قديمة وتعود إلى سنوات العقد الثالث والرابع من القرن العشرين والتي برزت في أحزاب سياسية قومية ويسارية, وتبلورت أكثر فأكثر في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية وما بعدها والتي تجلت عملياً في حزبين رئيسين هما الحزب الديمقراطي الكُردي, (الكُردستاني فيما بعد), والحزب الشيوعي العراقي (فرع كُردستان). ثم انشطر الحزب الأول إلى حزبين عملياً منذ العام 1964 تقريباً, بعد أن ظهرت مجموعة المكتب السياسي بقيادة إبراهيم أحمد وجلال الطالباني نتيجة ذلك الانشطار, إلى جانب الحزب الديمقراطي الكُردستاني بقيادة ملا مصطفى البارزاني, ثم تبلور الحزب المنشطر في العام 1975/1976 في أعقاب النكسة المريعة بسبب الاتفاق الشائن مع شاه إيران في العام 1975 وعقد اتفاقية الجزائر الخيانية, إذ برزت مجموعة المكتب السياسي مع مجموعات أخرى مثل كومله والخط العريض لتشكل سوية “الاتحاد الوطني الكُردستاني”, ثم ظهرت أحزاب أخرى في الثمانينات كالحزب الاشتراكي الكُردستاني وباسوك وغيرهما, وكلها من ضلع الحزب الأم أو فيما بعد من الاتحاد الوطني الكُردستاني, إضافة إلى الحزب الأشوري والحزب الكلداني ومن ثم بعض القوى الإسلامية. كما أصبح للشيوعيين الكُرد حزبهم السياسي المستقل ذاتياً والمرتبط بالحزب الشيوعي العراقي بعلاقة تضامنية ونضالية خاصة, باسم الحزب الشيوعي الكُردستاني.

واليوم يمكن أن يجد المتتبع أكثر من ستة عشر حزباً سياسياً في كُردستان. وأكثرها بروزاً هما الحزب الديمقراطي الكُردستاني والاتحاد الوطني الكُردستاني وجماعة گوران أو “جماعة التغيير”. ولا شك في أن في هذه الأحزاب توجد تيارات فكرية وسياسية متنوعة ومتصارع داخلياً, إضافة إلى صراعات أخرى. كما توجد أحزاب أخرى ممثلة في المجلس النيابي, ولكنها لا تزال ضعيفة أ ضعفت كثيراً في السنوات الأخيرة مثل الحزب الشيوعي الكُردستاني, في وقت تعززت مواقع الحزب الإسلامي. سأحاول هنا الحديث عن الحزبين الرئيسيين الحاكمين.

الحزب الديمقراطي الكُردستاني والاتحاد الوطني الكُردستاني

احتل هذا الحزبان موقع الصدارة في أعقاب انسحاب القوات العراقية من إقليم كُردستان, إذ تم الانسحاب من المحافظات الثلاث, أربيل والسليمانية ودهوك, ولم يتم الانسحاب من كركوك. وشكلا الحكومة المشتركة ثم الحكومة الخاصة بكل منهما في كل من أربيل ودهوك من جهة, والسليمانية من جهة أخرى. ثم توحدت الحكومتان في حكومة واحدة, ولكن ذيول هذا التوحيد الحكومي لم تنته حتى الآن رغم تشكيل حكومة واحدة لدورة نيابية سابقة وحالية. والأسباب معروفة للقاصي والداني.

امتلك هذان الحزبان قاعدة اجتماعية وسياسية متباينة ولكنها متقاربة بسبب طبيعة تكوين المجتمع الكُردستاني. كما أنهما كانا ولا زالا يعتبران أكبر حزبين سياسيين في كُردستان العراق, رغم الصعوبات التي تواجههما, ولكن الكثير من الأعضاء ليسوا أعضاءً حقيقيين أو فاعلين جيدين, بل هذه الكثرة ناشئة عن كون الحزبين في السلطة ويمتلكان موارد مالية كثيرة. وللعراق, كما للعالم, تجارب كثيرة وغنية في هذا الصدد والتي لا تساعد هذين الحزبين بل تزيد من الأعباء عليهما وعلى المجتمع, لما في طبيعة هؤلاء الأعضاء من انتهازية ومصالح آنية أو من شعور بالعضوية المفروضة عليهم وعبر صيغ مختلفة.

والغريب أن غالبية الأحزاب السياسية الأخرى, رغم وجود حريات نسبية مناسبة في إقليم كُردستان, لا تمارس النقد للظواهر السلبية في نشاط وعمل الحزبين أو الحكومة المنبثقة عنهما, بل تسكت عن تلك الأخطاء علناً وتمارس بعض النقد سراً أو داخلياً ولا يؤثر على مجرى العملية السياسية, مما أدى إلى خسارة تلك الأحزاب للكثير من قواعدها السياسية والاجتماعية وفقدان تأييد الناس لها والتي ظهرت بشكل صارخ في نتائج الانتخابات الأخيرة في كُردستان, إذ لم تعد لتلك الأحزاب الكثيرة مصداقية لدى الجماهير الواسعة. إن هذه الظاهرة السلبية لا تخدم الحزبين الرئيسين والحاكمين, بل تلحق بهما أضراراً كثيرة آنية وبعيدة المدى. والذي تبلور في الانتخابات الأخيرة أيضاً.

ومن المؤسف أن الحزبين الرئيسين لا يسعون إلى إقناع القوى والأحزاب الأخرى بضرورة الشفافية والصراحة وممارسة النقد العلني والفعال, بل هما في ارتياح بعدم ممارسة النقد وكأن “كل شيء هادئ في الجبهة الغربية”.

في أعقاب انكسار الحركة التحررية الكُردستانية المؤقت في العام 1975 برزت على الساحة الكُردستانية ولأول مرة العديد من الأحزاب السياسية بجوار الحزب الديمقراطي الكُردستاني والاتحاد الوطني الكُردستاني والحزب الشيوعي العراقي. ومنذ العام 1991 تسلم الحزبان السياسيان الرئيسان في كُردستان العراق السلطة, وبتعاون هامشي مع قوى سياسية أخرى. وهذا يعني أن الفترة التي يحكم فيها هذان الحزبان بلغت حتى الآن حوالي ثمانية عشر سنة. فماذا حصل لهذين الحزبين خلال السنوات التي تقترب من عقدين؟ أسجل هنا ملاحظاتي بكل صراحة وشفافية ورغبة مني في أن يجد الحزبان فرصة للتفكير بطريقة عقلانية لتحقيق التغيير في الحزبين وليس لمواصلة الوضع القائم حتى الآن. فمن يبقى في الحكم طويلاً لا يفقد ثورته وعلاقته بالمجتمع فحسب, بل يمكن أن يسود فيه الدفء والفساد والجفوة مع الناس والفجوة أيضاً. وينتقل هذا المرض إلى الحزبين فقط فحسب, بل وإلى الحكم ويعاد إنتاج الخصائص والسمات السلبية, وهو الخطر الأكبر.

لقد ورد أخيراً على لسان السيد نيچرفان برزاني, عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكُردستاني, بأن على الحزب أن يجري تغييراً في أوضاعه, كما أقر الاجتماع الموسع للاتحاد الوطني الكُردستاني في نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر من هذا العام (2009) ما يؤكد أيضاً على ضرورة التغيير والتجديد والمصارحة والكشف عن النواقص. ومن هذا المنطلق أضع أمام قيادتي وأعضاء الحزبين رؤيتي لواقع الحال في الحزبين وأهمية إجراء التغييرات الضرورية على مختلف المستويات لصالح الحفاظ على الدور الضروري لإقليم كُردستان على مستوى الإقليم ذاته وعلى مستوى العراق كله, باعتبار الإقليم ضمانة مهمة لعدد من المسائل التي تمس الوطن العراقي كله. وهي ملاحظات أملي أن لا تعتبر محاولة لإلحاق الأذى بالحزبين, بل تنطلق من حرصي على تجربة إقليم كُردستان العراق والحياة الحزبية فيه. وفيما يلي أشير إلى أهم تلك الملاحظات:

1. الترهل الشديد في العضوية والمؤيدين من طلاب المصالح الآنية والخاصة ومن غير المهتمين بمصالح الناس والإقليم. وهي ظاهرة نعرفها لدى أحزاب حاكمة أخرى في العراق وفي بلدان العالم النامي أيضاً.

2. تراجع شديد في المستوى الفكري والوعي السياسي لدى الكادر القيادي وعلى مختلف المستويات.

3. وصول عناصر إلى القيادات الحزبية واحتلالهم مواقع مؤثرة في أجهزة الإقليم لا هم لها غير مصالحها الخاصة والرغبة في الاغتناء على حساب الشعب والإقليم, وبالتالي أصبح هناك كثرة من الأشخاص غير المناسبين في المواقع غير المناسبة على أهمية تلك المواقع ودورها في العلاقة مع المجتمع.

4. تنامي ظاهرة البيروقراطية في الحزب وفي الإقليم وعمل روتيني بعيد عن المبادرة والإبداع وخدمة الناس وتراجع في الروح الثورية التي ترى في خدمة الناس ومصالحها هدفها الأسمى وليس مصالحها الخاصة.

5. نشوء فجوة واسعة وتزداد عمقاً بين قيادتي الحزبين والقاعدة الحزبية وبين الحزبين والمجتمع, بين مهمات الحزبين ومهمات الشعب في كُردستان العراق.

6. فالركض وراء الامتيازات الخاصة والحصول على مزيد من الأراضي والأموال أصبح الشغل الشاغل للكثير من الكوادر الحزبية والحكومية, ولم يعد هذا خافياً على الناس, بل الحديث عنه يجري في الشوارع ويتحدث به سواق التاكسيات على نطاق واسع, وهي تعبر عن واقع قائم لا غير.

7. تراجع كبير في مستوى إعلام الحزبين ودوره في الحياة الفكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية ونكوص شديد عن الرؤية النقدية لعمل الحزبين في تلك المجالات ولعمل حكومة الحزبين أيضاً, وقصور عن رؤية الوضع العام للفئات الشعبية الكادحة.

8. الازدواجية في العمل, أي التشابك بين العمل الحزبي والعمل الحكومي مما أدى إلى غياب التمايز فنواقص عمل الحزبين تحسب على الحكومة ونواقص الحكومة تحسب على الحزبين, وبينهما مداراة للنواقص وسكوت عنها, وخاصة من المقربين والعاملين مع المسؤولين الذين يسعون إلى تقديم الجميل وإخفاء القبيح من النتائج أو تشويه الحقائق.

9. صراع على المواقع والمصالح داخل الحزبين وعلى مختلف المستويات وغالباً ما يتم عملية طرد للجيد وجذب للسيئ من الناس لأسباب ترتبط بالمحسوبية والمنسوبية والقرابة العائلية.

10. وحين تسود مثل هذه الظواهر يصبح الهم الاجتماعي والاقتصادي للشعب بعيداً عن هم الحزبين, شاءوا ذلك أم أبوا, فهذا هو منطق الأحداث الفعلية الجارية, وهذا هو ديالكتيك العملية والتي تكون لها عواقب سلبية إن تواصلت على نفس الحالة طويلاً.

11. إبعاد الكثير من العناصر المستقلة وغير الحزبية وذات الكفاءة العالية عن مسؤوليات المديريات العامة والمستشارين وحصرها بالحزبيين من الحزبين بغض النظر عن كفاءتهم وقدراتهم الفعلية مما يغيض جمهرة كبيرة من البشر, خاصة وأن أكثرية المجتمع من غير الحزبيين.

أدعي, في ضوء متابعاتي ومشاهداتي, بأن نتائج الانتخابات الأخيرة بالنسبة للحزبين تعتبر دليلاً صارخاً على صواب ما أدعيه. وإذا كان الأمر قد برز واضحاً بالنسبة للاتحاد الوطني الكُردستاني, فأن الحزب الديمقراطي الكُردستاني قد تجنب هذه النتيجة بطريقته الخاصة, إذ لو كان قد ظهر شخص معارض مثل نوشيروان مصطفى أمين في أربيل ودهوك لحقق نتائج أكبر أو مقاربة لما تحقق لجماعة گوران, إذ أن الأخير لا يحظى بتأييد الكثير من الناس الكُرد أو من قوى سياسية أخرى ويعتبر مسؤولاً عن كل ما حصل خلال السنوات الأخيرة في الاتحاد الوطني الكُردستاني, إذ كان عملياً المسؤول الأول عن تنظيمات الحزب ونشاطه العام قبل أن يبتعد عن العمل القيادي. وعلينا أن نعي أيضاً بأن ما تحقق لگوران في إقليم كُردستان لم يأت من قوى الاتحاد الوطني الكُردستاني وحده, بل من قوى مؤيدة للحزب الديمقراطي الكُردستاني أيضاً.

لقد كانت نتائج الانتخابات ضربة موجعة للاتحاد الوطني الكُردستاني خاصة, ولكنها كانت ضربة موجعة للحزبين ولقيادتيهما أيضاً, ولكنها كانت متوقعة بالنسبة لي, وللكثير من المتتبعين لمجرى الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في كُردستان العراق, منذ فترة طويلة وقد كتبت بشأنها عدة مقالات قبل الانتخابات بفترة غير قصيرة, كما أرسلت رسائل خاصة إلى السيد رئيس الإقليم أو عبر التجمع العربي لنصرة القضية الكُردية لشرح تصوراتي وتصورات التجمع عن الوضع في كُردستان. ولكن, وبدلاً من الاهتمام بها وأخذها بنظر الاعتبار, ازدادت الجفوة لكاتب المقالات وللتجمع أيضاً, رغم أن الهدف كان خدمة التجربة الكُردستانية. كما كتبت سلسلة مقالات عن الاقتصاد العراقي العام وعن اقتصاد كُردستان العراق وكانت تهدف إلى مناقشة اتجاهات التطور في هذا المجال مع السادة المسؤولين في كُردستان العراق ومنهم الدكتور برهم صالح والسيد نيچرفان بارزاني. ويمكن لمن يرغب الإطلاع على مقالاتي العودة إليها في موقع الحوار المتمدن وصوت العراق وموقع الناس مثلاً ليتبين موقفي من مواطن الخلل والضعف في التجربة الكُردستانية وفي عمل القوى والأحزاب السياسية ومواقع القوة في هذه التجربة الغنية أيضاً.

إن التفكير يفترض أن يذهب إلى الوضع القيادي وإلى العمل القيادي في آن واحد, إضافة غلى الخطاب السياسي والعلاقة مع فئات المجتمع والعدالة الاجتماعية.

لا أشك في أن في الحزبين الكثير من العناصر الجيدة وعلى مختلف المستويات, ولكن الكثير منها غير قادر على لعب دوره المطلوب ولأسباب كثيرة يفترض في الحزبين التحري عنها, خاصة وأنهم أدرى بحزبييهم ويأمل الإنسان أن يجري التحري عنهم ووضعهم في المواقع المناسبة.

14/11/2009 كاظم حبيب

انتهت الحلقة الثانية وتليها الحلقة الثالثة حول المعارضة السياسية والاحتجاجية في كُردستان العراق.