الرئيسية » مقالات » من مستلزمات الحضارة .. الحلقة الثالثة التعليم الإلزامي

من مستلزمات الحضارة .. الحلقة الثالثة التعليم الإلزامي

“التعلـّم في الصغر كالنقش على الحجر ”
كم رددنا ونردد هذه الحكمة, التي اثبت العلم صحتها, وبأن جميع مايتلقاه عقل الانسان في سني عمره الاولى , يُحفظ في الذاكرة اطول مدة ممكنة بل قد لا تستطيع السنون محوه مهما طالت ..
ولو اردنا ان نكوّن فكرة تاريخية عن تاريخ التعليم الالزامي في العالم , نرى ان بريطانيا فرضته عام 1870. وفي اليابان اصبح التعليم الإبتدائي (أربع سنوات) الزاميا في سنة 1872. اما في فرنسا ومنذ صدور قوانين فيري لعام 1880أصبح التعليم الزاميا ، مجانياً – وعلمانياً ايضا – حيث تم تحديد سن هذه الإلزامية بموجب القانون المؤرخ بـ 28 آذار 1882 من سن 6 وحتى 13 سنة، ومن ثم مدد هذا حتى سن 16 سنة بموجب المرسوم التشريعي رقم 6 كانون الثاني 1959, وفي هولندا طبق التعليم الالزامي لأول مرة عام 1900 , وفي المانيا طبق عام 1919 والولايات المتحدة عام 1920 …
وعندما نتحدث عن الأمية في العراق لا بد لنا من مراجعة ما يقال في هذا الصدد عبر تقارير منظمات عربية وعالمية, وإن كان بعضنا لا يثق ببعض المنظمات العالمية فإن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ( الالكسو) أكدت في عام 2005 ان نسبة الأمية تتفشى وتزداد في اغلب البلدان العربية , والعراق على رأس القائمة. وهذه حقيقة نعرفها نحن اهل العراق , ونقدر خطورتها على الوطن.
ورغم ان قانون التعليم الالزامي قد شرع في العراق بالرقم 118 لسنة 1976 لكن نظام البعث لم يفعّل القانون وبقي حبرا على ورق, حيث شغل رجالات البعث المجتمع العراقي بشتى انواع المشاكل المدمرة, وبفضل السياسة الخرقاء, أُشعلت الحروب التي تبعها الحصار ورافقها ظلم وطغيان ومقابر وابادة وتهجير وإفقار , فازدادت نسبة الأمية , وارتفعت وتيرة ازديادها بعد سقوط نظام صدام الذي دمر الأخضر واليابس وترك العراق خربة ليقبع في حفرته وينزوي بنفسه هربا من كل نتائج جرائمه .
واليوم نرى ان البلد ينوء بتبعة ثقيلة من الجهل والجوع والفقر , زادتها سنوات الاحتلال والحرب مع الارهاب, والاقتتال الطائفي الذي أشعلته جهات عدوة مستفيدة من موت الشعب وشراء السلاح, وسرقة اموال الدولة من قبل الفسّاد في جهازها الحكومي.
فعلى من يريد النهوض بهذا البلد المنكوب على كل الأصعدة ان يلتفت للتعليم اسوة بالتموين , فأهمية مكافحة الأمية لا تقل عن مكافحة الجوع والموت, فالأمية مرض قاتل يبعد المرء عن الحياة العملية الحضارية , ويحصر قدراته بالعمل العضلي البدائي الذي لم يعد مهما في الزمن الحالي الذي يحتاج اول مايحتاج الى القراءة والكتابة , وكيف يتطور وعي من لا يقرأ؟
كما تؤكد تجارب الشعوب التي استطاعت القضاء على مرض الأمية, بأن الحكومات والجهات المعنية بالقضاء عليه, مهما وضعت الخطط, ومهما بذلت من جهود في ذلك , يبقى التعليم الالزامي أهم وأول خطوة في هذا المجال .
ورغم ان الدستور العراقي الحالي قد نص على التعليم الالزامي الابتدائي المادة (34):- التي جاء فيها ما يلي :

أولاً :ـ التعليم عاملٌ أساس لتقدم المجتمع وحقٌ تكفله الدولة، وهو إلزاميٌ في المرحلة الابتدائية، وتكفل الدولة مكافحة الأمية.
ثانياً :ـ التعليم المجاني حقٌ لكل العراقيين في مختلف مراحله. ..
لكننا حتى الان, لم نر ان ما جاء في هذه المادة من الدستور مطبق حقا , وقد مضى على اقرار الدستور مايقارب الأربعة اعوام, ولوطـُبقت المادة بشكل صحيح وشامل لكل مناطق العراق منذ اقراره, لما وجدنا اليوم طفلا عراقيا أميا في سن العاشرة , اذ يبتديء الطفل في الدراسة من سن السادسة في العراق, هذا يعني لا بد وان نكون قد علـّمنا اليوم كل الاطفال الذين كانت اعمارهم عام 2005 وهو عام اقرار الدستور, ستة سنوات والذين اصبحت اعمارهم اليوم عشرة .
فلماذا لم نرَ لهذه المادة الهامة خططا جادة تنفذها.
ولماذا لم تـُنظـّم المادة بقانون خاص للتعليم الالزامي, يضع اجراءات قانونية لمن يخالفه كمؤيدات لتطبيقه, ليكون واقعيا وليس للدعاية, .في بلد تراجعت بعض شرائحه حتى صار التعليم عندهم من الكماليات, خصوصا للاناث من الاطفال .
كما لم يتم تسمية هيئة معينة لمراقبة ومتابعة تطبيق التعليم الإلزامي ومحو الأمية, وبقي محو الأمية محصورا بمنظمات المجتمع المدني الأهلية, التي تغذيها هيئات خيرية بالتبرعات . ولم تتحمل الحكومة العراقية- مع الاسف- القيام بهذه المهمة التي يعرقل اهمالها اي تطور او بناء حقيقي في البنى التحتية والفوقية للمجتمع العراقي الان ولاحقا ,ويعاني الناس من قلة المدارس, وسوء ظروفها الصحية, وازدحامها, وخلو الكثير من المدن والأرياف والقصبات منها , مما يجعل التعليم امرا شاقا على الاطفال وذويهم لبعددها , وسوء او انعدام المواصلات , هذا اضافة الى الفقر الذي يسرق الاطفال من التعليم, وقد رأيت افلاما وثائقية مصورة لواقع المدارس في العراق اذهلني ببؤسه الذي لا يمكن تصوره في بلد لديه ثروات طبيعية وبشرية كالعراق..
وبألم نسمع قبل أيام, ان وزير التربية السيد خضير الخزاعي, قد اعلن ” ان نسبة الأمية في العراق قد بلغت 30 بالمائة, مشيرا الى ان ضعف الدعم المالي الذي تعانيه الوزارة هو العقبة الأساس في طريق معالجة هذه المشكلة”.
أي بعبارة اخرى, واذا اخذنا بآخر الاحصاءات الرسمية عام 2002 بان تعداد السكان هو 24 مليون نسمة, فسيكون لدينا مايقارب سبعة ملايين أميـّا, اما اذا اعتبرنا عدد السكان 28 مليون كما يقدر حاليا , فسيكون لدينا اكثر من 8 ملايين اميا . , اي ان هناك كارثة حقيقية , والحكومة غير مهتمة لمعالجتها.
من هنا نسأل المعنيين في الدولة, الا يستحق التعليم في العراق نفقات اكثر؟, وهل ان زيادة رواتب بعض المسؤولين في الحكومة التي تصل الى 40 الف دولار شهريا, أهم من تعليم ابناء العراق كافة؟
اتذكر هنا قولا لتشرشل بعد الحرب العالمية الثانية, حين بشّر البريطانيين بعد دمار الحرب بقوله:
مادام التعليم والقضاء بخير فبريطانيا بخير ..
فإلى متى يعتبر التعليم في العراق امراً ثانويا؟ وهل نستطيع مع هكذا تعليم متخلـّف بناء عراق جديد ؟