الرئيسية » مقالات » ؛وصايا؛ الإمام

؛وصايا؛ الإمام

لعل الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين – رحمه الله – أحس بدنوِّ الأجل، أو بإمكان دنوِّه، لما وضع لنا “وصاياه”. قلت “وضعها لنا”، مع أن معظمها رسالة إلى الشيعة أو رسالة فيهم – ذلك أننا معنيون جميعا بهذا الكلام. ربما خشي الشيخ أن يختلف قومُه في ما كان يقول، فأراد لهم منهجاً فكرياً واحداً إذا تعاطوا شؤونهم في بنيانهم الداخلي، أو رأوا إلى مسؤوليتهم في تكوين الوطن.

أملى شيخُنا إملاءً على مسجلة كل هذه الوصايا في باريس، إلا الأخيرة، ولم يتابع لأن البارئ تعالى وتبارك اتَّخذه إلى رحمته في العاشر من كانون الثاني السنة 2001 – فكانت هذه المدوَّنات التي استخرجها ابنُه إبراهيم وقدَّم لها غسان تويني بأسلوب شاعري رقيق. أتصور أن صوت الإمام لم يأتِ فقط على هدوئه المعهود، ولكن بسبب من رهبة الوضع ازداد وقاراً. كل مرة كنت في حضرته كنت أحس أن هذه الرزانة الصوتية كانت شهادة على قدسية من كان هو يكلِّم، وهذا في شعور مني أنه لم يشأ مرة أن يخترق أحداً؛ ذلك أن الحوار عنده كان من باب إجلال المخلوق للمخلوق.
كنت دائماً مقتنعاً أنه لا هو ولا الإمام موسى الصدر فكَّرا يوماً في أن يقوما بتنظير للمجتمع الشيعي يجعله ذا فرادة تاريخية أو فكرية. هذا هو عيناً تمايُز المتواضعين: إنهم لا يقرأون لأنفسهم دور اصطفاء. وإذا كان الشيء بالشيء يُذكَر، كنت أقارِب أهل التشيع على أنهم يتصفون بالفاجعية؛ فقلتها مرة له، فابتسم وقال: “أتظن ذلك؟” أنا، رقيباً حراً، كان لي مع طلابي الشيعة تداخُلٌ ما جعلني أحس فيهم كربلائية حلوة، لا شك عندي أنها قادت بعضاً منهم إلى الشعر. تلك الحقبة كانت ترافق دخول القيادة الدينية باب السياسة من مصراعيه. كنا نعرف أن الإمام المستور هو الذي سينشر العدل عند عودته. فكان ارتضاء العلماء أن يقيم شعبُهم في البنية اللبنانية، على شقائها، شيئاً جديداً، على قدر اطِّلاعي، علماً بأن في العلاقة مع الزمن وشؤونه مواقف عديدة في الفكر الإيراني منذ القرن التاسع عشر.
***
مع صاحب الوصايا نحن مع فكر سياسي لبناني محض. الكتيِّب سياسي بالمعنى الراقي، مبتدأ ومنتهى. ما يطلبه الإمام من الشيعة الإمامية، وذلك في كل أوطانهم ومجتمعاتهم، “أن يدمجوا أنفسهم في أقوامهم وفي مجتمعاتهم وفي أوطانهم، وأن لا يميِّزوا أنفسَهم بأي تمييز خاص، وأن لا يخترعوا لأنفسهم مشروعاً خاصاً يميِّزهم عن غيرهم”. ويرى ذلك مؤسساً في الإسلام لأن “وحدة الأمة تقتضي الاندماج وعدم التمايز”.

هذا هو في حسباني كل أطروحة الوصايا، والباقي تفصيل. غير أن المهم في ما أورده هنا أنه يؤسِّس هذا الموقف السياسي على قاعدة مصلحة الأمة التي لا بدَّ من أن نفهمها مصطلحاً قرآنياً يدل على جماعة المسلمين. هو لم يلغِ الأمة وجوداً أو كياناً قائماً في الإسلام؛ ولكن الجديد في هذا الفكر أن الجماعة الإسلامية تندمج في الوطن بمعناه العصري اندماجاً كلياً. فهي “لا تطلب ما لنفسها”، كما يقول بولس عن المحبة، ولكنها تطلب ما للوطن جميعاً.
المؤسَّسة الإسلامية كانت تقول إن الوجود الزمني–التاريخي الفاعل هو للأمة الإسلامية، وأن الآخرين يَنْوَجِدون تحت جناحيها، وتكفيهم شرَّ القتال معها، ذلك لأن الحرب حربها، وبدل انكفائهم عن الجهاد يؤدون الجزية. أجل، لقد ألغت السلطنة العثمانية نظام أهل الذمة، بالخط الهمايوني بخاصة، وانبرى مفكرون مسلمون وإسلاميون، ولا سيما في مصر، للقول بأن نظام أهل الذمة قد شاخ وعتق بظهور المواطنة، وذلك بعدما فتح الطريق إلى القول بنهاية الخلافة د. علي عبد الرازق في كتابه الإسلام وأصول الحكم. عندنا إذاً فكرٌ سُنِّي مؤمن يقول – إذا سرنا إلى آخر منطقه – إن المسلمين في الدول المتعددة الدين جزء من الكلية الوطنية.
غير أن اندماجية أهل التشيع في الوطن لا تعني للشيخ العلمانية. فهو، بعد وصفه التعلمُن الذي دانت به شرائح كبيرة في الطائفة، دعا أهل العلمانية المتأثرة باليسار، التي كان بعض منها منخرطاً في “الأحزاب المسيحية الطائفية” – دعاهم إلى “تصحيح الانتماء إلى شيعيَّتهم، من جهة، وتصحيح انتماء هذه الشيعية إلى الوطن والمجتمع الوطني، من جهة أخرى”؛ وكأنه يقول لأبناء طائفته: أنتم لستم في حاجة – إذا ابتغيتم الحداثة – إلى أن تنخرطوا في صفوف اليسار، ولا أن تلازموا الأحزاب المحسوبة على المسيحية، ولكنكم تندمجون في الشيعية وفي الوطن في حركة واحدة.
أجل لم يسعف شيخَنا الوقتُ ولا الوضعُ الصحي لكي يتبسَّط في المضامين الفلسفية والعملية لهذه الدعوة. هل يعني هذا أن المذهب الشيعي انتماءٌ روحي محض (مع أحوال شخصية) لا يتلازم وأيَّ موقف سياسي؟ هذا ما يبدو لي في قراءة أولى. هذا ما قد يعنيه في الظاهر قوله: “أوصي الشيعة في كلِّ قوم من أقوامهم، وفي كلِّ دولة من دولهم، ألا يفكروا بالحس المذهبي أبداً”.
تماشياً وهذه الدعوة أفهم أن الإمام تراجع (في الوصايا) عن إلغاء الطائفية السياسية في لبنان؛ ذلك أن هذا الإلغاء “يحمل مغامرة سياسية قد تهدد مصير لبنان”. ربما غيَّر بعضٌ مواقفهم السياسية؛ ولكن تغيير موقف كهذا يتجاوز السياسة البحتة إلى موقف روحي وفكري نادر جداً في العالم. وإذا كان من الثابت أن الشيعة هم الطائفة الأكثر عدداً في لبنان يكون الإمام قد تحرَّر كلياً من استغلال هذا التفوق العددي، في سبيل إيجاد وطن موحَّد لا ذِكْرَ فيه للأقلية والأكثرية. وبهذه المساواة المعنوية والعملية قال: “لا توجد أقلِّيات مسلمة ولا توجد أقلِّيات مسيحية.”
***
هل المسيحيون مشكلة؟ من الوصايا الأساسية التي ركَّز عليها، بالنسبة إلى المسلمين اللبنانيين وبالنسبة إلى العرب جميعاً، هي “الحرص الكامل التام على ضرورة وجود وفاعلية المسيحيين في لبنان”. وفي موضع آخر يؤكد على أن “المسيحية في لبنان جزء مقوِّم للبنان، كالإسلامية في لبنان، وأن لبنان لا يقوم إلا بالتكامل”.
لو كنتُ قد قرأتُ، في الشك اللبناني الذي يساورنا جميعاً، هذا الكلام، بصرف النظر عن قائله، لمَّا كان الإمام في كامل عافيته، لقلت إن هذا الكلام إنما أُطلِقَ في معرض التسويق السياسي. غير أن ورود هذا التأكيد ثلاثة عشر يوماً قبل موت الرجل لا يصدر إلا من قلب من يعرف أنه سيواجه ربَّه. محبة محمد مهدي شمس الدين للمسيحيين يجب أن نقرأها في صدق من يعرف أنه سيلقى الحضرة الإلهية بعد أيام، يدل تطور المرض على أنها معدودة. هذا إعلانُ حبٍّ لله وللمواطنين جميعاً.
هذه “وصايا” أحسستُها، من وراء كلمات موجَّهة إلى طائفة واحدة، أنها وصايا لنا جميعاً، وأنها إرثنا. ألا يسعى فريق منَّا إلى أن يتبوأ أو يتمايز هو – لعمري – برنامج حياة لبلدنا كلِّه. هذا هو روح ميثاقنا.
*** *** ***
عن النهار، السبت 19 تشرين الأول 2002