الرئيسية » مقالات » كفاءات خارج الوطن* د. سالمة صالح

كفاءات خارج الوطن* د. سالمة صالح

في كتابها زهرة الانبياء تقول الدكتورة سالمة صالح:
((أعرف أنني سأعود يوما، أبحث عن زهورالنرجس تحت ساعة البريد، عن طريق ينحدرعبر حقول القمح إلى محطة القطار، عن أعمدة المرمر وتيجانها تـرتمي في ساحة دار كانت ذات يوم دارنا، وأعرف أنني لن أجد شيئا من ذلك)).
انها لتساؤلات منقطعة الانفاس حقا، تبوح بها سيدة ثرية المشاعر, تساؤلات تعتقت
في خبرات الغرباء من المبدعين الذين انتبهت لهم واحات العالم الثقافية واحتست من فراتهم، فلا بد ان تحمل تلك التساؤلات سريعا الى صالات الاجوبة، حتى تنتظم دقات الساعة في وطن تسير ايامه ببطء.
الدكتورة سالمة صالح مبدعة خبأت اوجاع الوطن والنساء مرايا في حقائب الغربة، ابحرت بعيدا في ثقافات الامم الاخرى, ظـُفرَت المواهبُ الوافرةُ في روحها ظفيرةً متينةً، كل شعرة منها تلونت بلون ابداعي يختلف عن الآخر فهي الشاعرة، القاصة، الروائية، المترجمة، الحقوقية، الاعلامية وامكانيات يطول عدها, زخرفت من خلالها باتقان هموم العراق، حالمة بمملكة متحدة للنساء دفتي بابها الحرية، والمسـاواة، سنتعرف عليها في اللقاء التالي:

ان من يقرا سيرتك الذاتية يجد فيك عوالم ثقافية، ومواهب تكاد لا تحصى ولا تعد، وكل هذا معزز بدراسة اكاديمية، وبخبرة عملية، وبنشاط فعال، فكيف لك ان تعرّفي القارىء بكل هذا، او بعبارة اخرى كيف تكونت الدكتورة سالمة صالح بكل هذا المدى الابداعي؟
– شكرا لك على هذا الإطراء لكني سأختصر السؤال واتحدث عن محطات في حياتي.
ولدت في بيت أتاح لي في طفولتي كما كان الحال يومها في أغلب البيوت العراقية فسحة كبيرة من الحرية. كانت طفولة عادية تماما كما وصفتُها في زهرة الأنبياء. كان أبي رغم كونه لا يحسن القراءة يحفظ ويتلو الكثير من الأشعار، أما أمي فكانت إمرأة ورعة ومثل كل نساء الأرض أكثر اهتماما بالحياة العملية وبتدبير شؤون أطفالها السبعة. منها تعلمت اللغة، تعلمت أسماء الزهور والأعشاب، وكيف أحول الأرض القاحلة إلى بستان. لا زلت أشعر بالدهشة كلما فكرت في معرفتها الواسعة بالعالم المحيط بنا. لكنها أيضا لم تبخل علينا بالحكايات التي كانت تقوم مقام كتاب الأطفال اليوم. كانت الحكاية جزءا من خبزنا اليومي. في المدرسة قرأنا أشعار معروف الرصافي وحافظ ابراهيم، تأثرت بهما وقلدتهما، ثم حفظنا بعد ذلك لمئات الشعراء وكانت المسابقات الشعرية لعبتنا المفضلة. وقعت في وقت لاحق على”كَرْم” ميخائيل نعيمة وتغذيت منه وقرأت عبدالعزيز القوصي وفرويد، كنت أقرأ ما يقرب من ثلاثمئة صفحة في اليوم. بدأت محاولاتي الأولى في ذلك الوقت ونشرت أول مجموعة قصصية وأنا في التاسعة عشرة من العمر. وقد تابعت الكتابة خلال سنوات الدراسة، وكانت المعادل لبلادة العمل الوظيفي بعد ذلك. ما أنجزتُه هو ما يمكن أن ينجزه المرء في نصف حياة أو أقل من ذلك، أنفقت النصف الآخر في انشغالات الحياة اليومية.

من يقرا لك شعرا يقف على ان الموضوع الشعري في قصائدك نابض جدا، ومكثف ياخذ احيانا بعدا يوميا يدور حول الاحداث التي تدور في العراق، لينتهي بضربات موفقة، فما هي رؤية سالمة صالح الشعرية، وهل بالامكان ان تسمى قصيدتك قصيدة الدفقة لقصرها؟
– القصائد التي قرأتها هي الألم متحولا إلى كلمات. أنا كاتبة نص نثري. الطريف في الأمر أن هذه القصائد وجدت قراء متحمسين بالألمانية ثم أنها ترجمت إلى الاسبانية ونشرت في أربع مواقع على الأقل. سمّ القصيدة ما شئت، فانا غير معنية بالتصنيفات. أكتب لأن الكتابة تقوّيني في هذا الزمن الصعب، ولأن الكلمة التي لا أقولها قد تخنقني.

لك قصائد هي لوحات مرسومة بالكلمات فما الذي اضافته موهبتك في الرسـم للقصيدة ؟
– الكتابة نثرا أو شعرا والرسم هي وسائل تعبير. ما تخفق الكلمة في التعبير عنه قد يعبر عنه الخط أو اللون. ثمة زملاء عديدون من الشعراء والكتاب مارسوا الرسم أيضا، بعضهم أكثر موهبة من بعض الرسامين المحترفين.

ماهي حكاية الباب في اشعارك كرمز دكتورة سالمة، هل تقصدين به المستقبل، الحياة الجديدة، الحرية، الفرج كما يقول اهلنا في العراق؟
– الباب هو نقطة التحول، هو العبور من المكان الضيق إلى الفضاء المفتوح أو العكس، العبور من البرد، من العاصفة إلى المكان الدافئ الآمن. الباب هو أيضا الحدود التي يضعها المرء بينه وبين الآخر، الحدود التي لا يصح تجاوزها. ودلالته تختلف من حالة إلى أخرى ثمة أبواب موصدة وأخرى مواربة وثالثة مفتوحة. وعدا هذا فالأبواب تشكل بتصاميمها المختلفة، بنقوشها وزخارفها موضوعات فنية رائعة.

انت متابعة جيدة للساحة الثقافية في داخل العراق وخارجه، فكيف تقيمين الحركة الشعرية الان هناك، وهل تميزين فارق ابداعي بين الشعراء داخل الوطن وخارجه؟
– هناك وفرة في الانتاج سواء في الخارج أوالداخل، لكن المرء يحتاج إلى قراءة صبورة للعثور على اللؤلؤة في الرمل. ولا أجد فرقا بين الداخل والخارج. يختلف الشعر عن الرواية في أنه أقل ارتباطا بالمكان، وأنه قلما يعنى بالتفاصيل الصغيرة التي تدخل في نسيج الرواية، وتشكل مادتها.

الحركة النسوية الشعرية العراقية لم يؤرخ لها بعد نازك الملائكة، ولميعة عباس عمارة، فكيف تحدثين القراء عن هذا التاريخ، وهل من تحديد لاصوات شعرية نسوية تعد محطات في هذا التاريخ خلا الإسمين المذكورين؟
– افتتحت نازك الملائكة حقبة جديدة في تطور القصيدة العربية، من هنا فهي تحتل مكانا خاصا في تأريخ الشعر العراقي والعربي بشكل عام ولا أميل أن أحتجزها في مصــطلـح النسوية. فليس للقصيدة جنس. واحتلت لميعة عباس عمارة مكانتها الشعرية بمثابرتها، بحيويتها وجرأتها. لا يحضرني من أسماء الجيل اللاحق سوى آمال الزهاوي، سيدة مخلصة للشعر. ظهرت شاعرات أخريات ارتبط نشاطهن الأدبي بظروف سياسية معينة. كان ما انتجنه مثل فقاعات الصابون. تطالعنا اليوم أسماء نساء كثيرات يكتبن بجرأة وثقة بالنفس في كل المجالات. بينهن عدد غير قليل من الشاعرات، شابات فتحت لهن وسيلة الإعلام الجديدة “الانترنيت” وسهولة النشر فرصا كبيرة للشهرة والانتشار. هذا الوضع الجديد يجعل متابعة النصوص أكثر صعوبة. لا بد من مرور بعض الوقت ليتاح لهن تطوير أدواتهن ثم يجري الفرز بين ما هو شعر وما هو كتابة لا تصلح إلا للرسائل الشخصية.

ان اسلوبك في فن القصة القصيرة مكثف ومشوق، وانت تعرفين كقاصة محترفة، فكيف كانت البداية بكتابة القصة؟
– انتقلت من الشعر الذي كتبته كما تفعل نسبة كبيرة من اليافعين إلى القصة انتقالا عفويا. كيف حدث هذا التحول، هذا سؤال لم أفلح في الإجابة عليه. كنت قد قرأت في ذلك الوقت مجموعات قصصية قليلة سرا، أتذكر منها مجموعة لعبدالله نيازي وأخرى ليوسف الشاروني فضلا عن المنفلوطي الذي كان مادة للقراءة في ساعات المطالعة الخارجية في المدرسة. هذا إلى جانب النصوص الأدبية المختارة بعناية والتي تضمنها الكتاب المدرسي، مقتبس من أيام طه حسين وقصص لكتاب غربيين ذيلت بعبارة “نقلت بتصرف”، عرفت معنى هذه العبارة حين عثرت بعد سنوات طويلة على قصة “الدرس الأخير” للكاتب الفرنسي ألفونس دوديه، التي استبدلت فيها فرنسا بالأندلس، والفرنسية باللغة العربية، كانت قصة رائعة ومؤثرة، جرى “التصرف” فيها ببراعة.
ربما كنت قد شعرت في ذلك الوقت بأن القصة تستطيع أن تقول ما لا تستطيعه القصيدة، فتحولت إلى القصة، فالقصة في الآخر هي عملية اكتشاف، عملية إضاءة لمناطق مظلمة فينا وحولنا، وهي أيضا دعوة للآخرين لمشاركتنا هذا الاكتشاف. لغة النثر هي لغة التعامل اليومي، اللغة الموصلة بين الناس، اللغة القادرة على التعبير الدقيق عن المشاعر والأفكار. تقف القصة بأقدامها على الأرض بثبات، بينما يهوم الشعر في الفضاء.

هل تشرعين بكتابة القصة بأن تضعي الافكار اولا قبل ان تصبينها مرة واحـدة على الورق؟ ام تأتي الافكار شيئا فشيئا لتكتب الاحداث؟
– ترتبط عملية الكتابة عندي باللحظة الانفعالية إلى حد كبير. عرفت سنوات كانت القصة فيها تكتب نفسها. كنت أشعر بالحاجة إلى الكتابة، فأمسك بالقلم وأشرع بكتابة قصة أنتهي منها في جلسة واحدة. كتبت بعض القصص القصيرة في عشر دقائق. ولم أجر أي تعديل على تلك النصوص قبل نشرها. كانت نصوصا غير قابلة للتعديل. لكن الأمر أصبح الآن مختلفا. أصبحت الكتابة عملية ذهنية، عملية تخضع في أحيان كثيرة للتخطيط، والنص للمراجعة والتعديل. ومع ذلك فإن ما أحتاجه في كتابة القصة ليس الفكرة وحدها، ثمة مشروعات كثيرة تنتظر التنفيذ دائما. العثور على فكرة القصة أسهل من كتابتها، وبغير اللحظة الانفعالية يأتي النص ميتا، هذه اللحظة التي تصبح اللغة فيها أكثر انسيابا، وعملية الكتابة أكثر مطاوعة.

عادات وتقاليد المجتمع في الغرب أهدأ عما هو عليه في الشرق حيث الصخب، والغضب، وان مظاهـر الحياة تبعث بالحيوية والنـماء مثل الاخضرار الذي ترينـه في كل مـكان في الغرب، وان عمر غربتك بعيد في المنفى، فما اثر كل هذا في اعمالك الأدبية؟
– يمارس المجتمع الغربي ضغطا على الفرد منذ الطفولة فيتعلم الطفل ألا يرفع صوته في الأماكن العامة وأن يضع حذاءه في المكان المخصص له ويحافظ على نظافة ملابسه وعلى النظام في غرفته، إنه يتعلم النظام الذي سيرافقه طيلة حياته، ويجعل منه شخصا متحفظا، مهيمنا على عواطفه وسلوكه، يتحرك داخل منظومة من القوانين تنظم حياته من لحظة ولادته وحتى موته. لكن هذا لا يجعل الحياة أكثر سهولة. في مجتمعاتنا الشرقية لا يزال ثمة مكان للنزوع البشري، سواء كان هذا النزوع ايجابيا أم سلبيا.
أما الخضرة الرائعة في المدن فهي ثمرة عمل دؤوب ومناخ ملائم أيضا. حين تتوقف الأمطار في الصيف أكثر من أسبوعين يبدأ العشب بالجفاف أيضا.
تسألني عن المنفى، قلت مرة إن المنفى أخذ مني بيتي وأعاد إلي لساني. لكني أتبين اليوم أن الأمر أكثر تعقيدا. فالمنفى لا يعني فقط الانفصال الجغرافي وإنما أيضا الانفصال عن المناخ اللغوي، انفصال الكاتب عن المتلقي، وعن البيئة الاجتماعية التي يقتنص منها موضوع نصه. إنه يجعل الكتابة أكثر صعوبة. لا يمكن للمرء أن يعتمد على الذاكرة وحدها، على ماض يكاد يصبح بعيدا. وهكذا فقد كتبت أيضا نصوصا استمدت موضوعها من منفاي.

ألا ترين ان الفن الروائي العراقي الآن هو الفن الأكثر سعة في التعبيرعن الأحداث الجسام التي مر ويمر بها العراق الان؟ فما هو تقيمك له؟
– نعم، الرواية هي الأكثر قدرة على التعبير لأن زمنها يمكن أن يمتد من لحظة عابرة إلى أحقاب طويلة. الرواية معنية بتفاصيل صغيرة لا مكان لها في الأنماط الأدبية الأخرى. لكنها أيضا عمل دؤوب لا يمكن إنجازه في فسحات الوقت الصغيرة خلال العمل أو في المقهى. يستطيع المتابع أن يلاحظ أن الرواية العربية بشكل عام أصبحت في السنوات تشكل نسبة كبيرة من الأعمال الأدبية الإبداعية المنشورة. ليس فقط لأن الكتاب اكتشفوا مواهبهم
الروائية فجأة ولكن لأن للرواية سوق رائجة. أدى هذا إلى ظهور أعمال تروي وقائع معاشة أو متخيلة، ولا تتجاوز هذا، وأعمال كأنها تريد أن تسجل فقط تاريخا نخاف أن يفلت من بين أيدينا ويسقط في النسيان، وأعمال أخرى كتبت بعجالة كما يُكتب واجب مدرسي، ينكشف لنا هذا في كثرة الأخطاء اللغوية وحتى الخلط أحيانا بين شخصيات الرواية، وروايات سياسية يستعين بها الكاتب لتوضيح موقفه من الأحداث. هناك أيضا روايات لها طابع السيرة الذاتية، يتحدث كتابها عن تجاربهم الشخصية، ويؤرخون فيها لفترة مضطربة، وهي بشكل عام روايات جيدة.


أغلفة كتب صادرة عن دور نشر مختلفة استخدمت فيها أعمال رسم أو تصوير فوتوغرافي لسالمة صالح

يحلم الكثير من الكتاب الشباب بالشهرة والثراء، بالعالمية، بأن يكتبوا كتابا تباع منه ملايين النسخ ويترجم إلى لغات كثيرة أخرى. هذه أحلام مشروعة. لكنها لا ينبغي أن تكون الدافع الأول للكتابة الروائية.
ربما يكون عدم وجود نقد أدبي عربي هو أحد أسباب مثل هذا اللبس. هناك صحفيون يكتبون عرضا للكتب، وهناك مقالات الأصدقاء التي يمتدحون فيها بعضهم. نقرأ أيضا في الكثير من المقالات التي تتناول كتّابا غير عرب الدهشةَ أمام النجاح، أمام سرعة وسعة الانتشار، يفهم هذا النجاح في الغالب خطأ على أنه مرتبط بالقيمة الفنية للرواية. حين يقرأ المرء ما كُتب بالعربية عن أعمال البرازيلي كويلو أو عن رواية العطر لزوسكِند وهي رواية تُصنف ضمن الروايات الترفيهية وحسب، يدرك حالة النقد الأدبي العربي. هناك في الغرب أيضا دور نشر تقذف إلى الأسواق ملايين النسخ من روايات صغيرة مصنفة حسب موضوعاتها، روايات حب، روايات أطباء، روايات بوليسية ..إلخ، تكتبها غالبا نساء لا علاقة لهن بالأدب. ويبلغ عدد قراء هذه الروايات أضعاف عدد النسخ المباعة، فثمة دكاكين تقوم بشراء الروايات من القراء لإعادة بيعها وتنظم عملية تبادل بين القراء. إنها روايات لا يرد ذكرها في قوائم أعلى المبيعات، لأنها لا تعتبر أدبا.
أما نجاح روايات عربية بعينها في أسواق الغرب فهو يرجع إلى أسباب لا علاقة لها بالقيمة الأدبية لهذه الروايات. هناك مواصفات مسبقة للكتب التي تحقق أعلى المبيعات.

ما هي حركة المنيمالزم، ( المحدودية)، ولماذا اتخذتِها اسلوبا في الرسم؟
– المينيماليزم تيار فني ظهر في ستينات القرن الماضي، سعى إلى الموضوعية والوضوح، إلى التبسيط والاكتفاء بما هو أساسي. ورغم أن الأسلوب طبق في الرسم أيضا إلا أن أهم الأعمال التي تمثل هذا التيار أنجزت في الفنون ثلاثية الأبعاد، في النحت واللوحات التي تزين واجهات المباني. وأنا في الرسم كما في الكتابة، أختار الأسلوب الذي يعبر عن الفكرة بأفضل ما يمكن. أنا أرسم وأصور. أحيانا أعمل على الصورة الفوتوغرافية لتتحول إلى لوحة. بين حين وآخر يطلب مني عمل لغلاف كتاب أو تصميم شعار أو ملصق.
الفن ليس بالضرورة الرسم وحده، هو أيضا الاختيار، اختيار موضوع ما، لقطة أو حركة. اكتشاف تفصيل صغير لا تدركه النظرة المتعجلة. وهو ليس النقل عن الطبيعة، فالطبيعة في نظري كاملة وبالغة الروعة، ما يمكن أن يفعله الفنان هو نقل انعكاس الطبيعة فيه.

ما هو سر اهتمامك بالوجوه في لوحاتك؟
– الوجه هو المفتاح لمعرفة الإنسان. في الوجه نستطيع أن نقرأ ليس المشاعر فقط وإنما أيضا تاريخ الشخص. وكل وجه هو عمل فني رائع، هو كتاب مفتوح يدعوك للقراءة والتأمل.


شعار حديقة الشعر في برلين

لك زخارف جميلة، فكيف تسلطين لنا الاضواء على هذا الفن الدقيق؟ وهل هو مزدهر في الغرب؟
– الزخرف في اللغة الزينة وكمال حسن الشيء كما جاء في لسان العرب. والزخرفة فن قديم حقق تطورا كبيرا في العصر الإسلامي حتى أصبح فنا إسلاميا، استخدم في العمارة وفي النقوش على المعادن وفي صناعة الكتاب. وبقي حاضرا في الحياة اليومية. وقد انتشر في الغرب في القرنين الخامس والسادس عشر.
ولما كانت الزخرفة تقوم على عناصر التناظر والتكرار وهو ما يمكن إنجازه اليوم باستعمال برامج الكومبيوتر فإنني لم أفعل أكثر من إنشاء الوحدة الزخرفية التي يقوم البرنامج بتكرارها على الصورة التي أحددها له.

كيف تحدثين القارىء د. سالمة عن تجربتك الاعلامية، والصحافية؟ وكيف تصفين المشهد العراقي في هذين المجالين هـذه الايام؟ وهل تحمل القنوات الفضائية العراقية الان رسالة بمستوى طموحك لتضىء للانسان المعذب طرقا ظلماء؟
– بدأت عملي الإعلامي في إذاعة بغداد، مترافقا مع التحاقي بالدراسة في كلية الحقوق. بحماس إمرأة شابة بدأت بكتابة حديث إذاعي وقدمته ليجاز. كنت قليلة الخبرة ولا أعرف شيئا عن الجانب التنظيمي في عمل مؤسسة كبيرة مثل الإذاعة، لكني فوجئت بمدير البرامج – كان يومها عبد الجبار ولي – يدعوني ويسألني إن كنت قد تأثرت بطه حسين في حديث الأربعاء. كان هذا إطراء لم أكن أنتظره. أجيز الحديث وأذيع. خلال سنوات عملي في الإذاعة أعددت الكثير من البرامج وكتبت أيضا في بعض الصحف وفي مجلة الإذاعة والتلفزيون ومجلة القنديل، وهي أول مجلة ملونة، أصدرها رجل القانون ثامر العابري بماله الشخصي، واستقطب فيها عددا من أفضل الكتاب يومذاك. كان لها مكتب أنيق في شارع الرشيد. غادرت الإذاعة بعد أربع سنوات وتابعت الكتابة في الصحافة. كتبت عمودا يوميا في جريدة صوت، ثم في مجلة ألف باء. كانت صفحات المرأة في الصحف اليومية تقدم منوعات عن الأزياء وإعداد الأطعمة وإزالة البقع وكل ما له علاقة بشؤون المنزل. وهو ما كنت قد رفضت القيام به. جعلت من هذا الحقل في مجلة ألف باء صوتا للنساء، دعوة لتحرير المرأة من الاضطهاد، من عبودية العمل المنزلي ومن التمييز الذي تكرسه بعض القوانين، ونبهت إلى امكانية الدفع بعدم دستورية هذه القوانين. وحين ضاقت السياسة ذرعا بهذه الكتابات كان علي أن أنسحب إلى عمود صحفي، فتابعت الكتابة في “أرى” حتى ضاقت السياسة ذرعا بهذا العمود أيضا.
أما التلفزيون فقد كنت دائما أقل تعلقا به كمشاهدة، كرهته أحيانا، أكرهه الآن أكثر من أي وقت مضى، لأنه يملك سلطة هائلة في تشكيل الرأي العام، في تضليله، وفي تسطيح الوعي. هذا لا يتعلق ببلد بالذات وإنما هو الحال في جميع البلدان، المتطورة أيضا. خذ مثلا برنامج مسابقة الغناء بنسخه الكثيرة في تلفزيونات العالم من بيروت إلى بكين. إنه يوقظ لدى الشباب أحلام الشهرة والثراء السريع بأقل جهد، يجعلهم مستعدين لفعل أي شيء من أجل الوصول. يصل التلفزيون إلى ملايين الناس، وهو ما لا تملكه أية وسيلة إعلام أخرى عدا الإذاعة، لكنها أقل جاذبية.
أما عن الفضائيات العراقية فإن كثرتها هي أمر صحي. لكن هذه الكثرة أدت إلى تدني المستوى العام فيها. ولأني لست مشاهدة مثابرة فلا أستطيع أن أقدم سوى ملاحظات قليلة: تفتقد طريقة تقديم الأخبار في بعض القنوات إلى الحرفية والرصانة، والبرامج الترفيهية مستنسخة بطريقة مزعجة، بعضها مبتذل يستهين بذكاء المشاهد. لكن ما يستحق الثناء هو اعتماد المراسلين لمتابعة الأحداث والشجاعة التي يطرح بها بعض هؤلاء المراسلين مشاكل الناس، وكثرة عدد النساء العاملات في هذا المجال.
ثمة حاجة إلى قناة مستقلة ينفَق عليها من المال العام، دون أن تكون مؤسسة رسمية.

د. سالمة انت درست القانون الذي ينظم كل شي بشدة والتزام، هل كانت دراستك للقانون وراء منجزك الغزير؟ وماذا اضافت لك فنيا وادبيا؟
– لا أعتقد أن لدراسة القانون علاقة بحجم الانتاج، لكن هذه الدراسة رسخت لدي فكرة العدالة. ووفرت لي قاعدة صلبة أسير عليها في طريقي في الحياة.

لك اراء مهمة في مسيرة العلاقة بين السياسي والمثقف تتلخص في ان السياسي يصل الى اهدافه بشكل اقصر واسرع من المثقف. الا ترين ان بلوغ الاهداف ممكن ان يكون متزامنا بينهما لو اعطى السياسي الحيز الكافي للمثقف في عراق اليوم ولا سيما ان شيوع الثقافة الانسانية الحقيقية ضرورة ملحة لتكون جدار يصد التناحر الطائفي والقومي ويرتقي بالانسان المعذب؟
– لا أعتقد أن بلوغ الأهداف يمكن أن يكون متزامنا، لأن هذه الأهداف مختلفة، وأنا لا أميل أصلا إلى الاعتقاد بأن السياسي يملك ما يعطي ويملك الحق في أن يعطي. هدف السياسي هو غير هدف المثقف. لكن هذا الفصل ليس ممكنا دائما فقد ينخرط الكاتب في حزب سياسي لأنه يؤمن ببرنامج هذا الحزب. لكني أظن أن الأزمنة الثورية قد انتهت، ولا أرى في الأحزاب سوى جمعيات تعمل لرعاية مصالح أعضائها وتحقيق المنافع لهم، ويجري توزيع هذه المنافع وفق تراتبية حزبية. ينتفع الكاتب الحزبي من ماكنة الدعاية الحزبية التي تساعده على الانتشار، لكنه يخسر استقلاله، لأنه لا يستطيع أن يبدي رأيا قد يضر بمصالح حزبه.
ربما أمكن أن يتحقق هذا التزامن إذا ما فقدت السلطة بهاءها، وأصبح الحاكمون موظفين مهمتهم إدارة شؤون البلاد بتفويض من الشعب، موظفين لا يعاملون كنجوم. لقد قطعت تقنية المعلومات شوطا أصبحت معه الاستفتاءات الشعبية في البلدان المتقدمة ممكنة. ثمة آمال هنا في انتفاء الحاجة إلى البرلمان، لأن كل شخص سيكون قادرا على تمثيل نفسه، على الإدلاء بصوته دون وسيط. يمكن للمراقب في البلدان الأوربية أن يلاحظ استخدام الاستفتاء الشعبي بشكل متزايد لاتخاذ القرارات بشأن هذه المسألة أو تلك، وهو خطوة في هذا الاتجاه.

أما ما ذكرته من تناحر طائفي وقومي فهو إشارة إلى إخفاق الثقافة. لقد كانت الثقافة التي تطورت في خمسينات وستينات القرن الماضي بناء لا يزال هشا، أجهزت عليه سنوات الديكتاتورية. حين أشاهد بعض أفلام الفيديو القصيرة في يوتيوب، يصدمني الانحطاط والبذاءة، فأشعر باليأس تماما. يجب أن نبدأ من جديد، أن نعلم أطفالنا القراءة. ما هو تأثير كتاب مهما كان جيدا لا يطبع سوى ألف نسخة، قد لا يصل إلا قسم صغير منها إلى أيدي القراء؟ المعرفة وحدها يمكن أن تحصن الفرد ضد التطرف الديني أو القومي أو الطائفي، وهو ما يجب أن يتوفر للجميع في سن مبكرة.

“يا نساء العالم اتحدن” هذا شعار جاء في كتاباتك، كانه عنوان لمملكة -حلمت بها- تضم كل النساء المعذبات، فكيف تبنى هذه المملكة؟ وكيف تكون أليات تطبيق هذا الشعار؟
– هذه العبارة هي استعارة وتحوير لعبارة “يا عمال العالم اتحدوا”. النساء بحاجة كبيرة إلى الاتحاد لإرغام المجتمع قبولهن كأفراد متساوين في الحقوق والواجبات كما تنص عليه أغلب الدساتير. لا أعرف وصفة جاهزة تؤدي إلى هذا الهدف مباشرة، لكني أعرف أن المنظمات النسوية غير المرتبطة بالأحزاب والحكومات يمكن أن تكون مفيدة، ولكن لا ينبغي أيضا أن نقلل من أهمية المساعي الفردية في الوصول إلى هذا الهدف. سأذكرك هنا بهذه السودانية الرائعة “لبنى الحسين”، التي دافعت بضراوة عن حقها في معاملة تليق بها. كنت أتمنى أن تصادف تضامنا أكبر من قبل النساء في بلادها وفي البلدان العربية الأخرى. من أعطى للحاكمين الحق في أن يتحكموا بما تلبس النساء وأن يقرروا ما هو صحيح وما هو خطأ. والاحتشام الذي يراد أن يفرض على النساء ألا يضع الرجل في مرتبة الحيوان الذي تتحكم غرائزه وحدها بسلوكه؟

ما مدى اهتمامك بالموسيقي وهل هو بالغربية، ام الشرقية منها؟ وهل يتعدى الاستماع الى العزف على الة ما؟
– الموسيقى هي اللغة التي لا تحتاج إلى وسيط أو مترجم، هي اللغة التي تمنيت أن أتقنها. عام 1969 إلتحقت بقسم الموسيقى في معهد الفنون الجميلة في بغداد وبدأت بتعلم العزف على آلة الكمان، لكنني اضطررت إلى قطع هذه الدراسة بعد ما يقرب من عام ونصف بسبب بعض الصعوبات العملية كالوصول إلى المعهد في مبناه الجديد وعدم انتظام الدراسة فيه في تلك الفترة. لكني لا أزال مستمعة جيدة للموسيقى الغربية والشرقية على السواء.

هل ان الترجمة علم، ام فن؟ وكيف تقصر المسافة بين الثقافات؟
– الترجمة معرفة وإبداع. معرفة باللغتين المنقول منها والمنقول إليها ومعرفة بالمادة المطروحة للترجمة. وهي في نفس الوقت عمل إبداعي. يعيد المترجم خلق النص بلغة أخرى. يستخدم في هذا النص الجديد لغته الخاصة، مفرداته الخاصة، وهي مسألة مهمة في الترجمة الأدبية خاصة. ونحن مدينون للمترجمين بما تهيأت لنا قراءته من الآداب الأجنبية. لقد لعبت الترجمة دائما دورا كبيرا في نقل المعارف بين الشعوب. ولم تكن الترجمة طريقا باتجاه واحد. سأحيلك هنا إلى فرانشيسكو غابريلي في إشارته إلى دور الترجمة في منتصف القرن الثاني عشر في نقل “العلم العربي” الذي أغرق أوربا وأخصبها. إن ما يترجم اليوم إلى العربية قليل جدا، وما يترجم منها أقل من ذلك بكثير.

انك ترجمت أعمالا مسرحية؟ فهل كان ذلك تعويضا للفن الوحيد الذي لم تحققيه في انجازاتك الابداعية؟ وما هي ترجماتك الاخرى؟
– حين كنت تلميذة في المدرسة الثانوية كتبت مسرحية مثلت أمام جمهور واسع. وخلال سنوات دراستي في كلية الحقوق كتبت مسرحيتين أخريين مثلت إحداهما في التلفزيون، كان المسرح يمتلك في تلك الفترة بالنسبة لي جاذبية كبيرة. لم يعد الأمر كذلك الآن. أفضل الكتاب مقروءا على النص يصرخ به الممثلون على خشبة المسرح. لم يتطور المسرح بالسرعة التي تطورت بها الفنون الأخرى، وإدخال عناصر من هذه الفنون مثل السينما وتصميم الحركة إليه هي البداية فقط إلى مسرح جديد.
ترجمت أعمالا أدبية مثل “العام الثلاثون” للنمسوية انغابورغ باخمان، وروايتي “كاساندرا” و “ميديا” للألمانية كريستا فولف و”على المنحدر” للسويسري ماركوس فولف، فضلا عن أعمال عديدة غير روائية.


*” كفاءات خارج الوطن” سلسلة لقاءات تسلط الضوء على طاقات وكفاءات عراقية خارج الوطن، محاولين من خلالها الوقوف عند الرؤى والطموحات العراقية المختلفة من اجل المساهمة ببناء عراق جديد على اساس ديمقراطي حر.