الرئيسية » مقالات » في ذكرى ثورة اكتوبر العظمى ! 2 من 3

في ذكرى ثورة اكتوبر العظمى ! 2 من 3

وفيما يذكر كثيرون و يكتبون عن ” ربيع براغ ” في 1968 وعن نضال ” اتحاد النقابات الحرة البولونية ” ـ ليش فالينسا في الثمانينات و عن الدعوة الى الديمقراطية في اوروبا الشرقية حينها ، الاّ انهم لايذكرون شيئاً ـ لأسباب متعددة لا يتسع لها المقال ـ عن التحولات الجدية التي كانت تموج بها الحركات العمالية و النقابات و احزاب و انظمة اوروبا الغربية الصناعية ، بسبب تزايد النفوذ الفكري و الأنساني للأشتراكية بمدارسها المتنوعة، لحاجة الأوساط العمالية و الكادحة لها لرسم طريق نضالها من اجل الحصول على حقوقها المهضومة .
حتى صار الأمر يهدد بانفصال ايطاليا الرأسمالية عن الناتو ، بعد ان شرعت مؤسسات ايطالية هامة بالتقارب و بالدعوة الى تأسيس عقود عمل مع الدولة السوفيتية في مطلع سبعينات القرن الماضي كطريق لحل الأزمة الأقتصادية التي تسببت ببطالة الملايين فيها، بسبب الصراع المرير للأحتكارات . . وكان ذلك التحوّل هو السبب المباشر في حادث اختطاف و اغتيال رئيس الوزراء الإيطالي المعتدل ” الدو مورو ” آنذاك (1) .
اضافة الى ماكانت تسببه دولتا السويد و المانيا الغربية من قلق في اوروبا الغربية الرأسمالية، بسبب تحقيق احزابهما الحاكمة منجزات و حقوق للشغيلة بسبب تزايد شعبية و ضغوط النقابات والحركات العمالية و اليسارية، التي لعب وجود كتلة شرقية قائمة فعلاً على الأرض دوراً هاماً في تزايد نفوذ القوى اليسارية و افكار الأشتراكية و العدالة الإجتماعية فيهما مطلع الثمانينات . . بعيداً عن ادراك ما كان يموج داخل الكتلة الشرقية فعلاً .
و قد ينسى قسم لماذا ؟ و مَنْ ؟ كان وراء الأنقلابات العسكرية الدموية التي اجتاحت العالم و الشرق الأوسط و اميركا اللاتينية تحديداً طيلة نصف القرن الماضي و ازهقت آلافاً مؤلفة من الأرواح . . التي عبّر بشأنها الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش عن اعتذاره (!!) في خطابه السنوي عن حال الإتحاد عام 2003 . و اليوم و بعد افول الأتحاد السوفيتي الذي كان يُتّهم بكونه منبع العنف ، ازداد العالم جموحاً و تزايد العنف و برزت مخاطر رهيبة يشيعها النهب و العنف و الأرهاب المتنوع، و تعود الصراعات الى اساليب الوحشية القروسطية .
و يرى مؤرخون محايدون، بان الأنظمة الرأسمالية المتنوعة القائمة اليوم لم تأت بوصفة سحرية او نظرية لرجل علم او فيلسوف محدد معيّن ، بقدر ما انها تكوّنت عبر صراعات مريرة و تغييرات عاصفة و ثورات و ازمات حادة استهلكت ارواح و مصائر، و نظريات صعدت و افلت، طيلة قرون . . حتى صارت تسعى الى تشجيع الإبداع و التجديد و العلوم، التي تحقق ارباحاً افضل لرأس المال، و الذي ينبع من مبادئها الربحية التنافسية ذاتها، دون تقييد ديني او اخلاقي في واقع الحال و دون الأهتمام الحقيقي بمصائر البشر ـ و بالذات خارج بلدانها ـ عدا تخصيص معونات خيرية لأدامة مكانة و سمعة انظمتها وفق قوانين ضريبية و ائتمانية معمول بها ، رغم البهرجة الأعلامية المنادية بالمبادئ السامية . . التي ترى فيها مؤسساتها بكونها ضرورة قصوى لتسويق بضائعها و بالتالي سياساتها . وهي في مواقفها كثيرة التنوع و تسير بوتيرة كثيرة التعاريج و الصعود و النزول تتمحور على ضمان ارباحها ، الأمر الذي يهدد حتى بتصادمها العنيف فيما بينها ايضاً .
اضافة الى انها اعتمدت اساليب استعمار الشعوب الأخرى و سرقتها و قامت بسوق ابناء تلك الشعوب الى حروبها هي . . و ادامت تلك السرقات التي امّنت و تؤمن لها مصادر مالية وتقنية و بشرية اسطورية ، دعمت تمويلها و تمويل الفتن و الحروب التي اشعلتها، و التي بالمقابل واجهها الإتحاد السوفيتي السابق سياسيا باستخدامه المتكرر لحق النقض الفيتو في الأمم المتحدة . .
و واجهها ماليا و عسكرياً من خزينة دولته التي أُرهقت بالهبات و المعونات بلا مقابل لشعوب العالم النامي و للدول المستقلة حديثاً ، وفي محاربة الفاشية و الحروب العدوانية . . كتمويله السد العالي في مصر بلا مقابل ، و اعادته تسليح الدول العربية التي تضررت بسبب خساراتها في حروبها مع اسرائيل، الهائلة التكاليف بلا مقابل ايضاً ، اضافة الى تمويله حركات التحرر في كل انحاء العالم كما حصل في فيتنام و كوريا و المنظمات الفلسطينية غيرها و بلا مقابل . وكان آخرها تنازله دون مقابل عام 1989عن كل ديونه لجزيرة الحرية ” كوبا ” و التي بلغت بحدود 20 عشرين مليار دولار بسبب ضائقتها المالية التي تسبب بها الحصار. و غيرها من الأموال الفلكية من ميزانيتها . . ـ تجنبت الصين الأشتراكية مثلاً القيام بذلك الدعم و بتلك الضخامة و وفرت تلك الأموال داخلياً لها ـ .
و يرى مراقبون ، ان سعي الأنظمة الرأسمالية الى نظام الإصلاحات الإقتصادية و الى تحقيق شروط افضل لشغيلتها لم يكن بمعزل عن سعيها المتنوع الأشكال لصد تأثير وجود قوة المثل الذي كان يلهم عقول و افئدة عمالها و شغيلتها . . في الوقت الذي كانت تسعى فيه لتحطيم ذلك المثل من اجل تحقيق ارباح اكبر على انقاضه على مستويات متنوعة وعلى رأسها فتح اسواق مربحة هائلة .
حيث بغياب ذلك المثل، انفتحت امام تلك الأنظمة اسواقاً لم تكن تحلم بها ، بل و اكثر مما خططت له ، و صار عليها ان تعيد بناء بيتها الذي لم يستقر الى الآن لا على قطب و لا على عدة اقطاب، بسبب شكل بنائه السابق المعد لمواجهة ذلك المثل، و بسبب جشعها و تكالبها على الأرباح . . بعد غياب القطب المنافس السوفيتي السابق، وترتّب العالم على اساس ثنائية القطبين.
و فيما يتساءل خبراءٌ اليوم ، لماذا الآن و بعد غياب الأتحاد السوفيتي . . لماذا صار شغيلة الدول الرأسمالية العريقة يعانون اليوم من مسلسل تقليص الكثير من الحقوق و المكتسبات التي حققوها بنضالهم المطلبي طيلة عقود ؟ فانهم يجيبون ان ارباب العمل الكبار يحصدون فوائدهم من انهيار و غياب المثل الملهم الذي كان قائماً على الأرض، على ثغراته ؟
من جهة اخرى ، وفيما نبّه لينين عام 1921 في خطته المعنونة بـ ” السياسة الإقتصادية الجديدة ـ النيب ” ، من مخاطر حرق المراحل، مخاطر البيروقراطية الطفيلية السريعة النمو . . و من مخاطر القضاء على القطاع الخاص ، فإنه دعى الى انعاشه و الى اقامة قطّاع مختلط و الى توسيع التعاونيات الزراعية، و شدد على اهمية التعاون مع دول العالم بانظمتها البرجوازية المتنوعة و تقديم تنازلات ممكنة ، لغرض تقوية الأقتصاد الداخلي الذي لابد منه لتوطيد بناء الدولة الجديدة و السير نحو التطوير (2)، و لم يؤخذ بها و جرى اعتبارها ( تنازلات غير مشروعة امام الخصم الطبقي ) . .
ازدادت حروب التدخل وحشية و شدّة عليه من كل الأقطاب الرأسمالية ، وادىّ انتصار الدولة الفتية في تلك الحروب رغم اعبائها الباهضة، الى زيادة التشدد في مواجهة (الخصم الطبقي) ، والى عدم المبالاة بما كان يعتمل في كيان البلاد الداخلي وفي كيان انسانها ـ رغم زهوه بانتصاره ـ طيلة عقود . . مادامت الخطط الخمسية تنفّذ بنجاح ؟!
وبالتالي فقد سقطت الدولة السوفيتية في فخاخ كانت تُطبخ و تُعد بمهارة لتقويضها ، فيما كانت السلطة نائمة مرتكنة الى الأيمان بـ ( الحتميات التاريخية ) و كأنها تتحقق اوتوماتيكياً، و الى ان انتصارها باقٍ لأنه حتمي وفق تفسير سطحي خاطئ مبالغ به للمنهج الماركسي العلمي . . حتى ادت البيروقراطية الحاكمة فيها الى نشوء فئات طفيلية عالية الثراء من كبار موظفي الحزب و الدولة ، و لعب تفاقمها دوراً هاماً في اهمال مطالب مواطنها السوفيتي المتعدد القوميات و الأديان، الذي لم يعد بمرور العقود نفس المواطن، الذي كان يجترح المآثر في سبيل الأهداف الوطنية و الطبقية و الأممية . .
حيث ( نسيت ) الدولة ـ كدولة و مؤسسات و مناهج و ثقافة ـ مواطنها ـ انسانها ـ الذي تطوّر في المجتمع الجديد و تطوّرت حاجاته و متطلباته الحياتية اليومية و طموحاته التي لم تعد تبالي بتوفيرها له . . . حيث بقي في نظرها ” هو الفلاح ايفان في مطلع الثلاثينات ” ، فيما انغمرت هي (الدولة) انغماراً فلاحياً و بكل قوتها في دعم الحركات التحررية في العالم، و لتطويق قلاع الرأسمالية عسكرياً ، الى حد انغمارها بالكامل بالتسلح حتى صارت تمتلك من القوة ما كان يكفي لتحطيم المرافق الأساسية للقوة العسكرية للولايات المتحدة 400 اربعمائة مرّة !! التي استنزفت تريليونات من العملات الصعبة من خزينة الدولة . . على حد تعبير وزير الدفاع السوفيتي ديمتري يازوف عام 1990، الذي علّق عليه نائب رئيس الـ سي آي اي بـ ” ان الخدعة و الحرب النفسية انطلت عليكم ” (3).
و يذهب محللون الى انه مع ذكر الأموال الفلكية الهائلة للتسلح و نفقات أعادة بناء ماتخرّب بسبب حروب التدخل والحرب ضد الفاشية، ونفقات حلف وارشو و دعم الدول الأشتراكية الأخرى و لدعم حركات التحرر الوطني والدول الفتية المتحررة حديثاً و غيرها و غيرها . . من الضروري ملاحظة ان زعيمة الرأسمالية العالمية الولايات المتحدة ، لم تخض حربا على اراضيها هي و لم يقع دمار فيها، و لم يقع على اراضيها اي عدوان خارجي او احتلال او اجتياح خارجي بريّ ، سوى الهجوم الجوي الياباني على بيرل هابر في جزر هاواي الواقعة في وسط المحيط الهادي والتي تبعد عشرات آلاف الكيلومترات عن ساحل الولايات المتحدة الغربي في عام 1941 ، و الذي ردّت عليه بعئذ بقساوة بالقائها قنبلتها النووية على هيروشيما .
كما لم يقع اي عدوان بريّ او دمار على اراضي بريطانيا سواء في الحرب العالمية الأولى او الثانية، لكونها جزيرة ـ عدا القصف الجوي الألماني في الحرب العالمية الثانية ـ . و ان الدول الأمبريالية كلها كانت تسوق ابناء المستعمرات لحروبها و تقاتل بهم تحت امرة قياداتها العسكرية . الأمر الذي لابدّ من حسابه في تقييم و مقارنة تكلفة و نتائج تجارب دولية كبرى، كثورة اكتوبر .
من ناحية اخرى، و فيما نسيت الدولة السوفيتية انسانها ، كانت الثورة التكنيكية العلمية والمعلوماتية تاخذ طابعاً عاصفاً، اخذ يتجسّد بظهور تشكيلات اقتصادية اجتماعية فكرية، تختلف اختلافاً هائلاً عماّ في السابق . . في الشكل والمحتوى والكم، واصبح لها شأناً اخذ يؤثر بشكل عميق على حياة ومصير الشعوب وتفاصيل بنيتها الأجتماعية الأقتصادية، وعلى حالة العلاقات الدولية سواءاً بين الدول العظمى، او بين الدول الغنية والفقيرة والنامية والبطيئة التطوّر . . و بدأت اوساط تتزايد من الماركسيين والماديين، تدعو الى ضرورة اتخاذ موقفٍ جديدٍ ازاء الفلسفات الإنسانية و الأشتراكية غير الماركسية ، لأجل التطوير الخلاّق للمنهج المادي الديالكتيكي .
و الى مواكبة و التفاعل مع التطورات العاصفة للعلوم التكنيكية و الحيوية و البيئية والإجتماعية، والأخذ بها و تمثّلها في ” المنهج ” لتحديثه للتمكن من مواجهة قضايا واقعية ملتهبة معاصرة تتراكم وتؤدي بتراكمها الى تغييرات نوعية، بعد سنوات الركود والجمود العقائدي الذي اصاب الحزب الحاكم وادى الى تفكك و انهيار انظمته، والى تغرّب مواطنيه و معاناتهم منه، والى تزايد الدعوات للأصلاح ولحل القضايا المعيشية اليومية للمواطن، والى تجديد النقد كسلاح فكري لمواجهة البيروقراطية والتحجر والجهل و الخرافة و اللاادرية . (يتبع)

12 / 11 / 2009 ، مهند البراك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. راجع كتاب ” اندريوتي : بين السياسة ، المخابرات السرية و المافيا ” ـ شهادات و وثائق محاكمة الرئيس الإيطالي الأسبق اندريوتي ـ وثائق الأحزاب و وثائق المنظمات السريّة السياسية ، الدينية و المافيوية ـ ريجينا ايغيل / دار هيربيغ ، عام 2001 . بالأنكليزية و الألمانية .
2. راجع كتاب ” وصية لينين السياسية ” ، فصل السياسة الإقتصادية الجديدة .
3. ندوة الحوار العسكري السوفيتي ـ الأميركي ، بحضور وزير الدفاع السوفيتي، نائب رئيس المخابرات المركزية الأميركية و نائب رئيس المخابرات السوفياتية ، في معهد العلوم الأجتماعية في موسكو ، ربيع 1990 .