نصب وحب

قبل مدة قصيرة قلت لإحدى صفحاتي التي أنشرها، ولا أدري إن كان يتحمل أحد مشقة قراءتها، قلت لها بأني أينما ذهبت أتعثر بهوات في أرض واقعنا الذي يدافع عنه الغالبية الساحقة منا،
هؤلاء المرضى بالشذوذ والانفصام وعقد النقص وغيرها من الأمراض التي لا تترك حياتنا المزدوجة بابا مفتوحا للهرب منها. وفي هذا الصباح، استيقظت مع صوت ديك منكوب، جاء به الجيران لذبحه لمأدبة، كما أظن، فحينا، وكما يدّعون، راق وليس فيه حيوانات داجنة وغير داجنة، اللهم سوى كلاب الجنسيات المدللة أكثر من البشر أنفسهم!.
مهما يكن، استيقظت وقضي الأمر، ولأن الفجر كان جذابا لحد الارتعاش، جعلني المنظر أغوص في ذاكرتي، أسترد منها أحداث مغبرة من القدم، لقصص ما تزال مطبوعة في الجزء الطفل من مخيلتي، عندما كنت اسمعها وأنا أتقافز لاهية مع الصغار في عمري.
ماعدنا صغارا فقد كبرنا وصارت الذكريات تعطي مرارة تحاول أن تعكر نشوة صباحي الخريفي، المنتشي رغم صوت عجلات سيارات شباب أفسدهم الدلال، يتسابقون على الشارع العام القريب نوعا ما من بيتي، فيفسدون بفسادهم جمال الصمت الصباحي حتى، عجيب أمر هؤلاء الممتلئين طعاما ومالا، الذين يقضون إجازاتهم في أجمل بقاع الأرض، بينما نكتفي نحن «الغلابة» بغبطة قراءة نص مبدع مكتوب فيها، عجيب كيف يصبون لتحقيق الأرقام القياسية في اللامبالاة!.
يبدو إنهم، جماعة اللامبالاة ليسوا الوحيدين في إفساد نشوة صباحي المتخم بالأمل، فأنا وبينما كنت أتسكع في أروقة ذاكرتي النشطة، لأننا لا نملك سوى خيالات وذاكرات، تعثرت بقصص نسوة كثيرات ككثرة الهم على القلب، نسوة لا تتعدى ثقافة غالبيتهن حدود القصص الطفولية التي كانت تسردها جدتي، يحفظها الله، لأغفو وانا طفلة شقية، نسوة جيل الزمن الجميل، كما يسمونه، هذا الجيل المسكين المريض بفرط الرومانسية، برجاله ونسائه، مدمني الحب الدرامي الدامي، الذي يدخل دورة الدم، والنخاع الشوكي والأظافر، الحب الذي يبدأ كالأعصار لينتهي مثله، مخلفا سيدة تعشق شابا لا تعرفه إلا في خيالاتها العاشقة، تزوجته بعدما عاهد كلاهما للعصافير ولمحصول القمح ولحجارة الطريق بإنهما سيقطعان شراينهما الثائرة، المنتفخة من فرط الحب، إن لم توافق عائلتيهما على لم شتات هذا الحب الأسطوري الذي لم يكن سوى شبح المراهقة، سحابة صيف لم تكد تمطر، لتشرق من بعدها شمس حارقة، فيمطونها بعد سنوات الزواج الطويلة، لتتمزق ولا يبق منها سوى امرأة تثور في بكاء محتج على الحبيب، الذي صار رجلا يفكر بعقله، لا بساقيه الطويلة كما كان في سنوات حبه اللاهب لها، فيحضر لها معاهدة، بموجبها تحارب السيدة العقل الذي صار يبزغ في نافوخها هي الأخرى، وتقنع شكها العاقل باليقين الباطل بأنه ما زال حبها القديم، ليتركها من جديد مع أطباق بيته، تنتظره لتغسل ملابسه وترتب سريره، وعندما يعود تطالبه من جديد بالمعاهدة القديمة، لتقضي بها يومها الجديد، فيومها يبدأ عندما يكون وينتهي عندما يغيب، وبدونه تصبح مثلها مثل أثاث البيت، له وبدونه لاشيء، لا فائدة مرجوة منها، فتقبل على كلامه الزائف، تلتهمه كالخبز حتى تتشرب به، كإسفنجة في قدر ماء، لتنتهي بذلك حياتها في كلمة إسفنجة، ليبدأ السيد حياته، بعدما يتأكد بأن الحب الذي كان يشعله وهو مراهق منتفخ الوجه والفكر، لا يساوي شيئا أمام ومض العقل الذي صار يرى العالم من خلاله، فيترك زوجته لخيالها العاشق، الذي لا تملك من الدنيا سواه، فتحارب به بذرة عقلها أيضا، لينصرف هو لمعترك الحياة، يبلي فيها ما يستطيع بعدما يضطر ليقنع زوجته كل يوم بأنه العاشق الأحمق القديم وينصب عليها بمعاهدة نصب وحب جديدة مستجدة.

* مهندسة زراعية