الرئيسية » المرأة والأسرة » ثرثرة.. وطماطم.. ودولار..

ثرثرة.. وطماطم.. ودولار..

منذ زمن لم أذهب للسوق، فالسوق بعيدة عن بيتي عائلتي، وأنا ككل الشباب في عمري أعمل حتى المغيب مثل أيّ آلة من هذه التي تغزو حياتنا، ولكني وفي هذا العيد، ولأنه عيد، تجاوزت
العادة والمألوف بذهابي للسوق، وهناك رأيت العجائب، فالطماطم، أو بندورتنا نحن السوريون، بات سعرها بالدولار!!..
نعم الدولار المهيوب نفسه، الذي كنا نراه في أفلام الكاوبوي والمافيا، بات مبتذلا لدرجة أنه يقايض بالطماطم، وقل أعوذ من كلمة مبتذل!!! ياله من زمن يصبح فيه الرئيس وزيرا والوزير رئيسا في إحدى أصقاع الأرض الجليدية، زمن فيه عجائب لا تحتفظ ذاكراتنا إلا بخيالاتها، لشدّ ما تبتعلنا دوامات العملات والقرارات والأغتيالات…
غريب كيف إن حديث الطماطم أوصلنا للأغتيالات..!! ونحن لا سلطة لنا على الطماطم ودولاراتها، فكيف الاغتيالات؟؟ ووحدها قوقعتنا القديمة، حياتنا اليومية المتكررة، هي المجال الوحيد الذي يحق لنا بأن نشبّع فيها رغبة السلطة التي صارت هوسا لغالبيتنا، لذا دعونا من الطماطم والأعياد والأسواق، فهي ليست من مهامنا نحن العامة، وحدودنا فيها مرسومة حسب قول المغني والراقص الاستعراضي اللبناني (شم ولا تدوق)، ووحدهم تجار المال المتكاثر لحد العفونة، جماعة أقارب المسؤول الفلاني، والذين ينبتون كالأدغال وسط الزرع، الرأسماليون الذين لا يقابلون أحد إلا بعد تقديم دزينات من الوساطات، وحدهم هؤلاء معنيون بالطماطم وبالدولار وبالسوق، أما نحن، وبالتحديد أنا، الكاتبة الناشئة السائرة في بداية طريق متعفن، طريق حيواتنا، أتعثر كل يوم بمئات القضايا المتفشية في جسد مجتمعنا الذي ينخره المرض، فتنخرّ عظامي حنقا وغضبا، ولا أملك سوى قلمي وأصابعي الطويلة لأستسلم من جديد لهزيمة الكتابة…
دعوكم من هذه الأجواء المأساوية، ولندخل معا أحد أبواب ذاكرتي، عندما كنت مدعوة لحفلة عرس، ولبختي الأسود على قولة ستي، جالست مجموعة من النسوة الثرثارات، اللواتي لم يترك لهن المجتمع لكثرة ما بتر من إنسانيتهن سوى الفتات، فيرقعن حياتهن المهلهلة بالثرثرة، لتصبحن منعوتات بها، مدبوغات بصفة اللسان السليط، الذي يلوج في كل شيء فيتركه ملوثا بأبخس الصفات في أغلب الأحيان، لتفجرالسيدة غضبها المحتقن، بتدنيس الضحية التي صارت موضوع الحديث.
في عرسنا الذي تركناه ينتظر قبل أسطر،جالست هذا العضو المزمن المرض في جسد مجتمعنا، ولولا وجوههن المتبرجة وضحكاتهن الممطوطة المصطنعة، لحسبت نفسي في سوق الدولار أو الطماطم!!..
غريب هذا التشابه بين أسواق الطماطم والدولار وطاولات الثرثرة هذه، حيث يتم عرض بضاعة مسعّرة بالدولار غالبا أو بالعملات الوطنية. وعلى طاولتنا كان البيع على أشده، حين عرضت السيدات نصف فتيات البلاد، وهن يتفاخرن بصلات القرب بينهن، اللواتي تم بيعهن للسيد الزوج، وكلما كانت البنت (أجمل)، كان المهر أكبر، وكأنك تشتري طماطم!! لدرجة صارت البنت ترعى جمالها، كأي فلاح، فتهتم برموش عينيها أكثر من الأحداث الجارية في العالم، وبطراوة يديها أكثر من عدد القتلى في التفجيرات الارهابية، وبنوع أحمر شفاهها أكثر من أي أنخفاض أو ازدياد في البورصات العالمية، والسلام على قضايا المرأة وحقوقها والغضب الموجه نحوها… فتصوروا يا سيداتي، كيف إن الرجال المتحكمين بالأرض، وبالفضاء عما قريب، قاموا بتنويم ملايين الطاولات النسائية، لتنغمس في الثرثرة وعرض الفتيات المطليات الأوجه والأظافر، كدجاجات للبيع، ليتفردوا هم وحدهم بالتحكم بالطماطم والدولار، وحتى بمواضيع ثرثرتكم!!!

* مهندسة زراعية