الرئيسية » مقالات » قصص قصيرة جدا

قصص قصيرة جدا

(الوجه الآخر)
على عجل.. نضى جسدها عنه.. التحف.. ورحل.. مخلفاً إيّاها عائمةً.. في بركة تيه هلامية.. خنقت الحياء.. وشدّتْ بعض الأغطية هنا.. وهناك.. بعد سنين من الاحتراف.. لا يناّها الخجل. بحلقتْ في المرآة بتثاقل السنين المتمّردة.. اعترى الكسل أقلامها الملونة وهي تمرّ بها على شفتيها.. وحدقتيها. إنه الوخز من جديد، ينكشُ بين الثنايا ناثراً صداعاً خفيفْ.. قيء مقرف يلفُّ المكان، الأشياء تنزّ اشمئزازاً.. السرير، الأغطية.. الأثاث، وعَقْدٌ أسقطه أبله على نحرها.. لا يعلم أنها كانت سترضى بأقلّ من ذلك بكثير. ساعات، أساور، خواتم، ذهب، لؤلؤ(غباء.. غباء). لو أنّهم
أبصروا العثّ الذي كان يتآكلها من الداخل.. بالتأكيد غيروا رأيهم في تثمينها. حين تنتهي من ذلك.. وفي كل مرة.. تبدأ بسن الشرائع عينها.. وإصدار القرارات نفسها.. “من اجل القرف.. إنها الأخيرة.. وبعدها لن يكون ”
حين نُقِر الباب.. منبئاً أنها ستحنتُ من جديد.. نهضت بتثاقلها المعهود وهي تُتَمِتمْ:
هذا جناه.. ..عليَّ وما جنيتُ على أحدْ

*********
أسفلت الشارع الحزين….
أفاض الإسفلت للريح.. في تداعٍ ممّضٍ طويل.. والريح منشغلة، تتمطى.. تبتعد منه وتدنو فتزيد في انقباض أسفلت الشارع.. فيفيض دَفْق سرديته الأزلي والريح تسخر من شكواه، حين ترك القرد برازه ومنيّه على الشارع ومضى دون ان يلتفت ، وكيف أنه كان دهشاً حين نبهه أسفلت الشارع على ابتذاله، فأشاح ورحل دون ان يعبأ بالالتفات حتى، وكيف أنّ الخنزير آذاه بشقوق وحفر شوّه وجهه بها باحثاً عن اللاشيء، وعن كم كان مؤلماً جسد الفيل لما سحقه تحت وقره من غير أنْ يقوى ـ وهو يختنق حد الإيشاك على الموت ـ على الصراخ أو نفْثِ (آهٍ) صغيرة. ولم يأبه له الهر حين ضاجع القطة
تسع مراتٍ بنهم وشراهة، وإنه ـ الإسفلت المسكين ـ من تحتهما كانت عيناه تعانقان الأرض.. وقد جعل الريح ترى بقايا الأيّل المسالم بعد أنْ لم يُبقِ استهتار الأسد المستبد عليه من علائم الوجود.. إلاّ غضاريف مهشمة.. وبقع حمراء، وشهادة اسفلت الشارع الأبدّية. والريح.. بجدائلها.. مهمومة تُلَمْلِمُ بها من كل اتجاه.. أخبرت أسفلت الشارع بأنه متطرف.. وساذج.. ومازوكي , ويتذكر فقط ما يبعث في أوصاله أنيناً يلتذّ به. فقد طفح زوجا الكناري الغسقيان فراغه بفراخٍ أحلى من السماء، وعقّم النحل براز القرد و محى عفونه منيّهِ.. ورمّم النحل النشيط مخلفات نزق
الخنزير.. ومزق الصقر الباسَل جمجمة الفيل الأرعن.. وعاقب ـ بالرجم بالحجر ـ الكلبُ الشهم حيَّ القطط كله انتقاماً لسفاهة الهر والقطة. وظل الأسد أتوقراطياً يخاف استبداده كل من في عصبة الحيوانات. وحين همّ الاسفلت بالأسترسال في بكائياته من جديد.. كانت الريح قد ابتعدت تاركةً اسفلت الشارع يجتر أنينه.. والقرور.
***************
الرأس
امتلأ حنْقاً وهو يبحث عنه في جحور المنزل.. وزواياه، لم يكن في خزانة الأحذية حيث وجده بالأمس.. كما لم يكن في اواقي الحبوب خلف باب المطبخ حيث كان أول امس.. ولا كان في المرحاض، إذْ عثر عليه صدفةْ في الأسبوع الماضي.
ـ أين ـ يا ترى ـ أكون قد أضعتُ رأسي اللعين؟!!
تَمْتَم لنفسه وهو منهمك في البحث، لم يتمكن من الاحساس بالوقت، ولأن اصبح قدمه الكبيرة اخبرته بأنّ موعد العمل قد حان.. فقد قرر أنْ يخرج بدونه، فذلك ـ في كل الأحوال ـ أفضل من الاستماع الى تحية المدير الصباحية، التي يتوجب عليه احتمالها في كل مرة يتأخر فيها عن العمل.
صديقته ـ على المنضدة المجاورة ـ أخبرته أنه أكثر أناقة ومنطقية بلا رأس. ولم يزبد مديره في وجهه كما في كل يوم، ذلك أنه لم يكن هناك (منخراك الممتدان الى الهند) وحين حلّت الحادية عشرة صباحاً لم يفتك به الصداع، اذ لا يعقل ان يصيبه الصداع في عجيزته مثلاً!!
غمره ارتياح وهو يدلف المنزل، وقد فوجئ وهو يطأ غرفة نومه برأسه على السرير، عند القدمين. عندها اكتشف أنه (لابد تدحرج اثناء الحلم).
لم يبحث عن رأسه في صباح اليوم التالي، فمن حيث انه ليس من الضرورة بمكان ان يكون لجميع الناس رؤوس، فقد قرر عنهم ارتدائه بعد اليوم مطلقاً!! ………..