الرئيسية » المرأة والأسرة » محرومون يا سادة من البكاء

محرومون يا سادة من البكاء

أخبرتكم قبل فترة بأنني لا أملك سوى ذكريات وذاكرات، وذاكرتي النشطة أدمنت على إعادة أحداث أكتبها بجملة على ورقة من أوراق دفاتري التي تحتل غرفتي كلها، فأتذكر تفاصيل حالتي التي استنطقتني وقتها لأكتب جملة ملحة عنها في دفتر من دفاتري الجامعية، ولأن الألم يوازي الفرحة في معادلات حياتنا المختلطة، دفعتني سعادة ربانية كانت تغمرني هذه الليلة للتلذذ بلعبة التذكر التي تستحوذ على تفكيري ساعات طويلة، فتواجهت فيها مع أيامي الجامعية، عندما كنت أصغي إلى كل من حولي أكثر مما أقول بدافع الخجل الذي يجعلك مشكوكا في كل ما تفعله وتفكر فيه في بداية مشوار حياتك الحقيقية كشخص صار له كيانه المستقل، فأتسمر على مقاعد الدراسة جنب زملائي الخجلين بدورهم، معليقن كلنا بحديث أساتذتنا، ومن بين هذه الذكريات الجميلة أفجعتني جملتي الحمراء بلون الدم التي كتبتها وقتها بيد مرتجفة عن حادث سرده أحد الأساتذة عن أبّ مسجون، لأنه ربط أبنته بالحديد كما تربط الكلاب المسعورة، بعدما أغرق جسدها البريء في ضرب مزقه.
رغبت لحظتها أن أصرخ باكية، وكأن ألم جسدها المرضوض يسكن جسدي، وقيد الحديد في معصميها وكاحليها الداميين يقيدني، فخرجت ساعتها من القاعة دون أن أسمع نهاية مأساة هذه الفتاة، وفي داخلي كره يغلي ويفور كبركان خامد عاد ليثور من جديد، حتى جفت للهيبه دموعي التي كانت تنزلق من عيني الغاضبة.
فهذا المشهد الذي أرهب سمعي وقتها وذاكرتي الآن، لم يولد فيّ كره للرجل بقدر ما ولد فيّ شفقة عليه، وأسطورة أحزان على فتاة تعاني في القرن الواحد والعشرين من ظروف تحط من قيمة الأنسان وتذله. أشفقت على أبّ لا يملك بدّا من أن يضرب أبنته بوحشية جلاد، كي ينقذ شرفا تلطخ، لأن الناس تعتبره كذلك، فتراه ينقض عليها كما تنقض البهيمة على فريستها يفتك بها دون أي أحساس أنساني نابع من ذاته البشرية بأنه مذنب وبأنه على خطأ، لأنه يبرر فعلته وببساطة حسب عادات المجتمع، تلك العادات التي تحرمنا من حاجات نعتبرها من حقنا المشروع على ضوء تفكيرنا العقلاني وأيماننا المنطقي والطبيعي بها، لكننا نفقف عاجزين أمام جبروت التقليد، مستسلمين لأحكامه اللاأنسانية، وخصوصا النساء، ذاك النصف المهمش من مجتمعنا، لأن تلك الحاجات تتعارض مع عاداتنا التي تقف كجدار عازل أمام ضوء العقل فنبقى في ظلمها وظلمتها، فكيف إذا كانت الحاجة مرتبطة بالنفس أو “الرغبة”، تلك الكلمة التي ترابطت بالأثم والخطأ المحرم في أذهاننا، رغبة أي كان نوعها، نجدها دوما ممنوعة إجتماعيا، وقد تعرض صاحبها أو حتى سمعة العائلة للخطر، للأشارة إلى _الآثمة بصورة أساسية، أو الآثم الذكر في حالات تصير أكثر ندرة مع سير الأيام_ بأنها شاذة أو سيئة السمعة!!
حتى أصبحنا عندما نتصرف بطبيعاتنا شواذ ومنبوذين اجتماعيا، فها نحن ذا نضع الأقنعة على وجوهنا لنكون طبيعيين، ونكبت رغباتنا لنكون حسني السمعة، نفعل ما يقود كل واحد فينا، رجالا ونساءا لنكون أصحاب شخصيتين، أحداها ترضي المجتمع، والأخرى هي نفسنا الأنسانية الطبيعية التي نسربلها بستائر من صناعة التقاليد المتوارثة كالسرطانات المنتقلة مع الجينات من جيل لجيل.
فألم نسأل أنفسنا في أوقات فراغنا القليلة ما الذي تفعله بنا تقاليد ومعتقدات باتت مضحكة؟ ألا يشعر كل واحد فينا بالأشئمزاز من عادات تعاند عقولنا المبتدئة هذه؟ عادات بتنا جميعا نبكي سرا لأننا تربينا عليها ولا نملك ألا أن نربي أولادنا عليها، فترى أحدنا يضحك ملء فمه وهو بأمس حاجته لينتحب باكيا، وخاصة الرجال، ذاك الجزء المعظم من المجتمع، الذي حرم عليه لعظمته حتى البكاء، لتصبح هذه العادة الأنسانية التي تكمل مشاعرنا، مثالا للضعف وشرطا ملازم للأنوثة الموصوفة بالضعف المتوارث مع الصفات السلبية الأخرى الملصوقة بها منذ قرون.
تمنيت وأنا أنزف هذه الكلمات، أن يكون مسموحا في مجتمعي لأخرج للطريق فأرى الرجال يبكون والنساء تبكي، فربما نستطيع يوما أن نغتسل من آثام هذه العادات.