الرئيسية » المرأة والأسرة » عجائز في سن العشرين

عجائز في سن العشرين

لقد حل الشتاء بأمطاره المستمرة وهدوئه الحزين، وها أنا ذا أرتدي معطفي الجلدي، يهتز رأسي في واحدة من حافلات مدينتي السليمانية، فأنا مهاجرة ولا موطن لي سوى موطىء قدمي، وفي مستوطنتي هذه وبالتحديد في هذه الحافلة الصاخبة، التي تشلني رائحة بنزينها التي تحتل كراسيها قبل ركابها المكفهري الأوجه المتجهين إلى أعمالهم وشواغلهم، غارقين في تفكيرهم بمناقشات حادة مع ذواتهم المنشطرة التائهة، بينما أجوب بعيني التعبة الناعسة خلف نظاراتي السميكة التي لولاها لما استمتعت بقراءة تعابير وجوه كل هؤلاء، فالتكنولوجيا صديقتنا رغم إننا نعاديها كثيرا في قضايانا المتشابكة، إلا إنها والحق يقال مفيدة في بعض الأحيان أو في الكثير منها، وهذا الباص الكهل المتقطعة أنفاسه إنما هو من ثمار التكنولوجيا ونتاجاتها التي صرنا عبيدا لها، بكل ما تحمله كلمة العبيد من ذل ولذة، لا حول لنا ولا قوة في وضع حدّ لأستبدادها الطاغي على أصغر تفاصيل حياتنا.

وهنا في هذه الحافلة السائرة بي في شوارع وأزقة مدينتي المشرئبة بالمطر، أجلس بين طالبات المدارس الصغيرات اللواتي كبرن، تحملن حقائبهن الممتلئة بالكتب والدفاتر، وعلى وجوههن الحائرة بين الطفولة والشباب وضحكات المراهقة المجنونة التي يخنقنها بكل جهودهن، ماضيات في الحياة، حاملات في قلوبهن الصغيرة أمل كبير وأمنيات أكبر، غافلات عن حقيقة كونهن، وحسب منظور مجتمعهن وعائلتهن التي تحبهن بصدق، قنابل جميلة، موقوتة، قنابل كلها حيوية وفتنة، يتعاظم خوف أمهاتهن كلما أزددن طولا وأنوثة، بأن تنفجر بعد سنوات قلائل لفضيحة مشينة توطىء رؤوس رجال العائلة ومالكيها بالأسم والقانون والشرع والتقليد وغيره وغيراته، فلا تملك الأمهات المملوكات أيضا، سوى لسانهن السليط يقرأ على مسامع الطفلة التي ودعت لتوها طفولتها، قصص الخوف والغدر،لتملي مرحلتها العمرية الجديدة بالرعب والشك وانعدام الثقة، فتصبح المراهقة كدفتر صغير ما عاد يستوعب ثقل كلماته الخشنة المتخشبة، فتنشطر بين الطفولة الراحلة والمراهقة التي تحلحل أغراضها بقدومها العاصف ودون أنذار مسبق، مهددة عبثها الطفولي بالضياع، محولة تهور مراهقة لعقلانية عجوزسأمت تجارب الحياة المتكررة لتصبح حكيمة بأحداثها المتتابعة،عجوز تناضل العائلة كلها لتزرعها في نفسها المراهقة التي لا تزال زاخرة برطوبة الطفولة وبرائتها، مبررين لأنفسهم قتلهم النفسي هذا، بأنهم ينقذوها ويحفظوا اسم العائلة من علامات الأستفهام التي تحوم كالذباب حول الجنس الناعم، وفي جميع مراحله العمرية، لسبب وبدون سبب، لتتربى الفتاة حسب العادات والمعتقدات ودعاء الجدات وأوامر السادة التي يملونها سرا أو علنا على السيدات، حسب أصول العائلة، أحسن تربية ، مطيعة تصبح الفتاة، تسمع الكلمة، مرضية الأب والأخ والعم والجد وكل من ينتمي لعائلتها وأسمه مذيل بضمير الشخص الثالث الغائب الذكر الحاكم العاقل، بدون تاءات أنثوية، لتتحول الطفلة التي كانت تتخبط في أوساخ الطريق وأتربته كدجاجة تنقنق محتجة باكية بجنون طفولي لأتفه سبب لا يتناسب ومزاجها، في غضون أشهر لعجوز في العشرين!!

10/11/2009