الرئيسية » مقالات » الشيعة والسنة في حوار مع الدكتور حسين أبو سعود

الشيعة والسنة في حوار مع الدكتور حسين أبو سعود



الشيعة والسنة في حوار مع الدكتور حسين أبو سعود احد دعاة التقريب والعضو المؤسس لمنتدى الوحدة الاسلامية في بريطانيا أجراه طارق محمد عزت محرر بقسم الشريعة الإنجليزي / موقع إسلام أون لاين


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


يسعدنا التواصل معكم ونرجو منكم التكرم بالإفادة عن رأيكم في هذه الموضوعات المطروحة للتواصل والتقارب بين السنة والشيعة:


ما هو المطلوب في نظركم من أجل الوصول إلى الوحدة أو على الأقل التقارب بين السنة والشيعة؟ وما هي أهم العوائق أمام هذا التقارب المنشود؟


في البداية يجب ان نعترف بان هناك خلاف شيعي سني ولكن : هل هذا الخلاف حقيقي أم وهمي ؟ ، سؤال تعمدنا اثارته دون الاجابة عليه .


الوحدة الاسلامية أمر مستحيل مع كونها مطلبا عزيزا على النفوس وتحقيقا لنداء رباني مقدس (ان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون)، واما التقريب فهو ممكن بل انه واجب مقدس على جميع المسلمين كبارا وصغارا، نساء ورجالا ، والمطلوب لتحقيقه هو الاخلاص أولا للدين الحنيف ، للاسلام الذي يجمعنا تحت رايته ، ثم بعد ذلك تختلف الواجبات الملقاة على عاتق كل منا ، فالمطلوب من العلماء تهيئة الارضية المناسبة للتقريب وعلى العامة تقبل هذه الارضية بنية صادقة ، والمطلوب من الحكومات حماية جهود التقريب ودعمها و هذه نقاط تحتاج الى تفاصيل قد نتطرق اليها في بحث مفصل ننشره في المستقبل ، وعلينا ان لا نغفل دور الحكومات لان بيدها السلطة والقوة ورُوي عن الخليفة الثالث عثمان بن عفان (رض) قوله ( يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن).


وأما العوائق التي تقف أمام التقارب المنشود بين المذاهب الإسلامية ، وخاصة المذهبين السني والشيعي ، فهي كثيرة أهمها وجود القوة الثالثة الخفية التي تحرك هذه الفتنة وتغذيها وتمولها والتي استطاعت أن تجعل هذه الفتنة تستمر لأكثر من ألف عام وخططها مبنية لادامة هذا الصراع لآلاف أخرى من السنين، ويتوجب على هذه الأمة تشخيص هذه القوة ومعرفتها للتخلص من تأثيراتها ، وهناك عائق مهم آخر و هو وجود طائفة لدى هؤلاء وطائفة عند أولئك ينتهجون الخط المتشدد عن علم أو عن جهل ، ويقفون حجر عثرة أمام كل جهد للتقريب ، فالتقريب عمل كبير والإمكانات المتاحة قليلة ، ولكن كلما إتسعت دائرة الخلاف كلما ازداد الصوت الإلهي حدة ووضوحا (وأعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) .


ما رأيكم في موضوع المد الشيعي في الدول ذات الأغلبية السنية؟ وهل الدعوة إلى المذهب الشيعي في الدول ذات الأغلبية السنية بالفعل من الأولويات الشيعية؟


المد كلمة من حرفين ، لكنها شديدة الوقع والأثر ، واضحة الخطر تستخدم لتفخيم الخلاف وتضخيمه ، فا لكل يعلم بأنه لا يوجد هناك مد ولا إنتشار وإنما هناك حالات تفهم للمذهب الآخر، وبعض حالات التشيع يقابلها حالات من التسنن أيضا، تشبه تحول النصارى الى الإسلام أو ارتداد شخص أو شخصين عن الاسلام فهذة حوادث فردية لا ترتقي إلى درجة ( المد ) ولا تحتاج لكل هذا التهويل ، وأن الذين يروجون لهذا المد ويحذرون من مخاطره هم الطائفة المتشددة التي ذكرتها آنفا والموجودة لدى كل فئة ، وهذا التهويل يدخل في صميم برامجها وأهدافها ، وإن كانت هناك دعوة للمذهب الشيعي و يقابلها أيضا دعوة للمذهب السني ، عن طريق المواقع الالكترونية والبالتوك واليوتيوب والتأليفات والتصريحات ، والدعوة يجب أن تكون للإسلام وليس للمذاهب ، وأكاد أجزم أنه لا توجد أية أولويات لدى مراجع الشيعة في الدعوة إلى المذهب الشيعي ، على أنهم تركوا الباب مفتوحا لكل من يريد أن يتعرف على المذهب ويطلع على العقائد ومن إقترب منهم شبرا بغية التعارف والتقارب ، تقربوا منه ذراعا وقد قال تعالى (يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) .


وأنا شخصيا أتمنى أن نستخدم كلمة جسور بدلا من المد ، وما بيننا هو سوء فهم تاريخي ، فيه إفراط وتفريط ، ويجب أن نعترف بأننا لم نفهم بعد آل البيت والصحابة الفهم الصحيح المؤدي للألفة والمحبة والتفاهم والتقارب.


كيف ترون واقع ومستقبل الدعوة الإسلامية خارج الدول الإسلامية وخاصة في الدول الغربية؟


يجب أن نقر أولا بان الأرضية مهيئة جدا في الغرب للدعوة إلى الإسلام لا سيما وقد أدرك الغربيون فراغ الحضارة المادية وخلوها من القيم والحقائق ، ولكن مع الأسف جاءالمسلمون إلى الغرب دون أن يأتوا بالإسلام معهم بل أتوا بالمذاهب والمشارب والفرق والملل والنحل ، وبدلا من أن يستفيدوا من أجواء التسامح المتوفرة هنا ، سقط بعضهم في وحل الطائفية مرة أخرى ، ونحن نعلم بأن الدعوة إلى الإسلام مطلوبة وضرورية وواجبة ولكن الدعوة للمذاهب ليست كذلك ، وأنا أرى أن الدعوة إلى الإسلام في الدول الغربية ليست بالمستوى المطلوب ، وعلى علماء المسلمين المقيمين في الغرب تبني خطاب إسلامي موحد وتوظيفه للدعوة الإسلامية ، وعليه أدعو إلى بناء أول مسجد إسلامي في أوربا علاقته بالدين الإسلامي الحنيف وليس بالمذاهب ، وأن يكون هذا المسجد لله وليس للمذهب , وعليه يستطيع أي مسلم بغض النظر عن إنتماءه المذهبي ، الدخول إليه بحرية وممارسة شعائره الدينية فيه ، وعندما أقول أول مسجد إسلامي فانا اعني ما اقول لأن المساجد المقامة في أوربا أما هي سنية أو شيعية ، انها دعوة لاعتناق الإسلام من جديد ونبذ التفرقة والمذهبية والتشرذم .


هل تطبيق مبدأ المواطنة هو الحل في الدول السنية التي بها أقلية شيعية والدول الشيعية التي بها أقلية سنية؟


المواطنة كما نعلم هي فكرة استعمارية مستجدة لم تكن معروفة في العهود السابقة بهذا المعنى ، والوطن كان يعني مسقط الرأس والمكان الذي ولد وترعرع فيه الإنسان ، وقد تكون مدينة أو قرية، ولكنها مع الأيام أصبحت أمرا واقعا يجب القبول به ، وصار لدى الناس شعور قوي بالمواطنة ، وحب شديد للأرض بحدودها الوهمية القائمة ، ثم أن مبدأ المواطنة معمول به على نطاق واسع ولا عبرة بفرد أو أفراد جعلوا ولاءاتهم لدول دون دولهم ، وقد رأينا كيف استمات شيعة الكويت في الدفاع عن بلدهم بعد غزوه من قبل النظام العراقي السابق ، ولو سئلت شيعيا قطيفيا مثلا عن ولائه لوجدته لا يقل ولاء لوطنه من أخيه السني وقد فطن لذلك الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى في لبنان ،حيث قال في عبارات مفهومة وواضحة ما نصه : ‘وصيتي الملحة بان يتجنب الشيعة في كل وطن من اوطانهم شعار حقوق الطائفة والمطالبة بحصص في النظام واوصيهم وصية مؤكدة بألا يسعى اي منهم الى ان ينشىء مشروعا خاصا للشيعة في وطنه ضمن المشروع العام لا في المجال السياسي او الاقتصادي او التنموي. اوصيهم بأن يندمجوا في نظام المصالح العام وفي النظام الوطني العام وان يكونوا متساوين في ولائهم للنظام والقانون وللسلطات العامة المحترمة، واكرر وصيتي لهم الا ينشئوا اية مواجهة امنية او سياسية مع اي نظام من الانظمة


كيف يمكن لعقلاء السنة والشيعة المساهمة في التخفيف من حدة التعصب ضد الآخر عند عامة الناس؟ وما هي نوعية الأنشطة التي تقومون بها في منتدى الوحدة الإسلامية بلندن للوصول إلى تحقيق هذا الهدف؟


صوت العقل يبدو واهنا وضعيفا أمام سيل الترّهات المهيمنة على العقل الجمعي العام ، وقد قال تعالى ( وأكثرهم للحق كارهون ) وقد عمل عقلاء الطرفين وما زالوا يعملون من أجل إيصال أصواتهم إلى الناس ، وإعلامهم بأن ما يحدث من ألف عام ويزيد لا علاقة له بالشرع ولا بالدين والعقل وأن التعصب صفة مذمومة ومدحورة والعمل ليس سهلا أمام طابور عدواني يهدم كل ما يبنيه الصالحون في لحظة واحدة ، وهناك فضائية رمادية تنشط كل شهر رمضان لتبث سموم التفرقة بين المذهبين ، وفيما يخص منتدى الوحدة الإسلامية في بريطانيا فقد عقد عدة مؤتمرات دولية حضرها مندوبون من مختلف الدول الإسلامية ، وحققت أغراضها بشكل كبير ، وقد دعي المؤتمرون إلى مراكز إسلامية سنية وشيعية كبيرة في العاصمة البريطانية تم استقبالهم فيها بكل حفاوة وتقدير ، وهذا يدل على أن الناس قد أدركوا خطورة الاختلاف وفوائد الائتلاف هذا فضلا عن الندوات والحوارات التليفزيونية التي يشارك فيها أعضاء المنتدى ،وللمنتدى مشاريع مستقبلية كبرى منها إصدار مجلة شهرية شاملة وإطلاق موقع الكتروني متميز وإقامة مؤتمرات الوحدة في دول إسلامية أخرى وغيرها حسب الإمكانات المادية المتاحة ،وأنا أرى بأننا لو جمعنا عشرة أشخاص من المذهبين وأدوا الصلاة أمام الملأ جماعة هو انتصار ، وهو صوت مرتفع أمام اليأس والإحباط والقنوط ، نحن نريد أن نقول للناس : يا أيها الناس أن هذه أمتكم أمة واحدة واعتصموا بحبل ربكم ولا تفرقوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وتتكالب عليكم الامم.


اقترح مفتي مدينة صور، الشيخ على الأمين، في لقاء قريب مع الزملاء في موقع مدارك ببوابة إسلام أون لاين العمل على إنشاء معاهد دينية مشتركة يدرس بها كل من السنة والشيعة كإحدى آليات للتقريب بين المذهب السني والمذهب الشيعي، واقترح مدينة بيروت لأول هذه المعاهد، فهل ترون أن مثل هذه المعاهد قد تساعد في عملية التقارب المنشودة؟


ما أقترحه سماحة مفتي مدينة صور السيد علي الأمين بإقامة معاهد دينية مشتركة ، هو إقتراح جميل وجيد رددها بعده الكثيرون ، ولكن الاقتراح يحتاج إلى دراسة متأنية وتفصيل ، ويمكن أن تكون بيروت حاضنة لهكذا معهد لأنها مؤهلة لموقعها وتكوينها السكاني ، والفكرة قد تساعد وقد تباعد ، فليس كل فكرة يحالفها النجاح ، ولكن كل عمل يصب في خير الأمة وصالحها هو مبارك ومطلوب ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ).


ما رأيكم في مبدأ ولاية الفقيه التي أرساها الإمام الخميني رحمه الله في إيران؟ وهل تطبيق هذا المبدأ حالياً أحد عوائق التقارب بين الشيعة والسنة؟


أنا شخصيا لا أرى أي ربط منطقي بين ولاية الفقيه والتقارب السني الشيعي ، ثم أن ولاية الفقيه مسالة خلافية بين الشيعة أنفسهم ، وإن علماء النجف قد يعتقدون بولاية الفقيه ، ولكنهم لا يرون له نجاحا في العراق مثلا لاختلاف الظروف والوقائع فلا يطالبون به .


أن نظام ولاية الفقيه نجح في إيران ويُعمل به منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية برضى الأطراف جميعا ، ثم أن ولاية الفقيه على العامة أفضل من ولاية السفيه عليهم أعني أصحاب المآرب والمتسلطين ، وإذا خالف أحد ولاية الفقيه الذي يفترض به أن يكون ذا ورع وتقوى والتزام ، فماذا سيقول عن ولاية الرؤساء الحاليين في الدول العربية والإسلامية مثلا ؟ ثم أن الفقيه يدعوا دائما إلى الفضيلة والصلاح ، وولايته ليست بعبعا ينبغي الخوف منه .! ولم نسمع لحد الآن عن أي سني ايراني تضرر فعليا من ولاية الفقيه بشكل من الأشكال ، وملخص الكلام أن ولاية الفقيه كنظام لا علاقة له بالتقريب وإن كان له أثر ، فهو أثر إيجابي لا محالة .


يرى بعض المتخصصين في الجغرافيا السياسية أن الشيعة يمتلكون رؤية نهاية للعالم تتمثل في خروج المهدي المنتظر، وما يستتبع ذلك من ضرورة تهيئة المشهد العالمي لخروجه وفق بعض الروايات الشيعية التي يمكنها أن تؤثر في السياسة الدولية مما قد يدفع بعض القادة الإيرانيين العسكرية الدخول في نزاعات كبرى. فما رأيكم في هذا التحليل؟


المهدوية : هي فكرة إسلامية مشتركة وفيها روايات مستفيضة من الطرفين ، ولا تختص بالشيعة ، والمتأمل لتلك الراويات يجد أنها تفيد آخر الزمان أي نهاية العالم ، ويقابل هذه الفكرة عند المسيحيين عقيدة المخلص على ان امتلاك هذه الرؤية ، وهي غيبية بحتة لا تستوجب دخول إيران في نزاعات كبرى مع جهات أخرى ، وما تقوم به من استعدادات عسكرية وتطوير لبرنامجها النووي ، لا علاقة لها بفكرة الإمام المهدي ، وانما هي نابعة من كونها دولة عظيمة وإن لم تصنف ضمن الدول العظمى .ومن الجدير بالذكر أن إيران تنتصر لقضايا أهل السنة والجماعة أكثر من غيرها ، وهي لم تعد دولة شيعية بالمنظور الطائفي القطري الضيق، بل دولة إسلامية كما أعلنها الإمام الخميني الراحل .


ما هي الأولويات الأخرى التي ترون الاهتمام بها لزيادة التفاهم والتقارب بين السنة والشيعة على مستوى العالم العربي والإسلامي؟


أن الوقت الذي نمر به عصيب للغاية وقد تكالبت المؤامرات على الأمة الاسلامية من كل حدب وصوب ، ويجب مسارعة الخطى لزيادة التفاهم والتقارب بين أبناء الأمة الاسلامية من المذهبين ، ويتم ذلك بجملة من الآليات والأولويات ، منها تبادل الزيارات بين علماء الطرفين ، وإقامة صلاة الجماعة المشتركة بحضور وسائل الإعلام ، ومخاطبة الحكومات والجامعات ودعوتها للمشاركة في حملات التقريب ، ووقف التأليف في الخلافيات ، وإتلاف المطبوعات الداعية إلى الفرقة ، وعدم الإساءة إلى رموز الطرفين ، وينبغي على الفضائيات الرسمية في الدول الإسلامية تخصيص بعض الوقت لندوات مشتركة بين رجال التقريب ، لتقريب الفكرة إلى أذهان العامة ، ونشر ثقافة التقريب بين المسلمين والتركيز على فكرة التعايش التي قال عنها الإمام محمد الباقر عليه السلام : ( صلاح شأن الناس التعايش ) قال تعالى : ( ولا تنازعوا فتفشلوا ويذهب ريحكم ) .


وفي الختام أقدم شكري الكبير لكم ، داعيا المولى القدير أن يجمع شمل هذه الأمة مرة أخرى ليصدق عليها أنها خير أمة أخرجت للناس ، تأمربالمعروف وتنهى عن المنكر، وشكرا على هذه الاستضافة واقدر الجهود المبذولة للتقريب بين المذاهب لضمان مستقبل أفضل للمسلمين في كل مكان بعيدا عن الجدل العقيم الذي يستهلك المال والجهد والوقت.




*تم ترجمة المقابلة الى الانجليزية ونشرت في موقع اسلام اونلاي