الرئيسية » المرأة والأسرة » قصة للاطفال ليل وشمعة

قصة للاطفال ليل وشمعة

عندما بدأت الشمس رحلة الغروب شعر الليل بالنعاس .. تثاءب مرة او مرتين ثم حين أخذ الخدر اللذيذ يسري في جسده الكبير ، أرخى ستائره الثقيلة على الكون واستسلم للنوم .
من جانب آخر ، استفاقت من نومها شمعة صغيرة ، ارتعش لسانها على عود ثقاب ما لبث ان انطلق منه نور عريض .
أحس الليل بألم ينغرز في جنبه .. تململ قليلاً .. أخذ يتلفت يميناً وشمالاً .. نهض بصورة عصبية ،وكان طويلاً عريضاً يتطاير الغضب من عينيه …
وقع بصره على لسان الشمعة الابيض .. كان لساناً صغيراً ضعيفاً ،لا يتعدى عمرة الدقيقة الواحدة او الدقيقتين .
قال في سّره ؛ انه سيعيد هذا اللسان الى جوفه او يخمد انفاسه عقاباً له على جرأته وشراسته وقلة احترامه لحرمة الآخرين .
صاح بصوت عريض :
_ أ يتها الشمعة إقفلي فمك وابتعلي لسانك
ودعيني أنم فانا بحاجة الى النوم .
لم تجب الشمعة .. استمر لسانها يبعث ضوءه لينير بقعة من الكون صاح ثانية :
_ ايتها الشمعة اليافعة .. لسانك الصغير هذا يمنع
عليّ نومي ويكشف اسراري ….
تراقص اللسان الابيض المحفوف بالأحمر الفاتح ؛ من دون ان يجيب . فما كان من الليل الاّ
ان هتف غاضباً :
_ اعلم ايها اللسان الوقح انني اتفجر غيضاً
فأخمد ولا تعكر علي نومي .
مرة أخرى تراقص لسان الشمعة … جعل يتمايل طرباً وغروراً ، وتتسع دائرة ضوئه وتجلو
ما يقع في مساحتها من اشياء .
ظن الليل ان هذا اللسان المتوهج الذي لا يخبو ولا ينطفئ يسخر منة فأرسل صوته الى الشمعة هادراً مخيفاً :
_ ايتها الشمعة التافهة .. قلت لك إسحبي لسانك
وامنعيه من التطاول عليّ والسخرية مني .
كانت الشمعة تسمع صراخ الليل ودويّ غضبه لكنها لم ترد عليه لأن كل ما في الامر ان عملها يبدأ الآن ، فلماذا غضبه ولماذا صراخه ؟
أستبد بالليل غضب عظيم وزحف على جسده ألم شديد فصاح مجدد اً :
_ الشمعة الشقية نورك يؤرقني .. فلا أقوى على النوم ..
لميّ نفسك ونامي ، والاّ فلسوف اجعلك تندمين .
الشمعة ردت هذه المرة وبهدوء وثبات :
_ لماذا كل هذا الصراخ 00 ما دخلك فيّ 00
لقد أفزعت الكائنات 0
رد الليل مرتجفاً مغضباً :
_ إخمدي 00 اقطعي لسانك 00 ودعيني
لنومي وراحتي 0
أجابت الشمعة المضيئة المتألقة :
_ لا يحق لك ان تمنعني من العمل 00 ان عملي
يبدأ في هذه الساعات 00 انك تلقي بظلالك
الكثيفة على الاشياء فلا يرى بعضها بعضاً ،
وتجعلها تسبح في ظلامك المخيف 00 انت
صديق اللصوص وقطاع الطرق والسراق 0
غضب الليل مرة أخرى ، لكنه قال ساخراً :
_ ومن هم اصدقاؤك انت يا صاحبة هذا اللسان السليط ؟
_ لي صديق واحد جميل .. هو الكتاب ، بل والقلم والقرطاس .
_ ها .. الكتاب ؟ تلك الاوراق التي لا تفهم رموزها
الا تحت الشمس او تحت نورك الهزيل .. يالك من
مغرورة إذن ، أيتها الكسول التي تنام النهار كله ولا
تستيقظ الا في الليل .
قالت الشمعة مزهوة بافكارها :
_ لو تعلم ما في هذه الاوراق التي لا تقرأ الا تحت الضوء .
_ وماذا فيها غير نقاط متفرقة وخطوط سود ؟ أجاب الليل .
رفعت الشمعة صوتها :
_ إنما هي رموز العلم والمعرفة وبها استطاع
الانسان ان يبدد ظلامك الرهيب .
كان لسان الشمعة يتراقص وهي تتكلم حتى اذا سكنت ، استقر واصبح ابيض ناصعاً يرسم هالة من النور ، وكانت الشمعة بقمتها المستقيمة تعبرعن نشوة وافتخار ، ما جعل الليل ينادي :
_ أيتها الجبال .. أيتها الغابات ، اسحقي هذه المغرورة
..أو التفي على عنقها واقطعي انفاسها .. أيتها الانهار
.. أيتها البحار .. حركي أموجك الطاغية لتطفئ نورها
أو لتجرفيها الى حيث قيعانك السحيقة النائية .
لما سمعت الشمعة صراخ الليل ضحكت كثيراً وقالت :
_ يا لك من أحمق جبار .. تنادي الجبال و الغابات
والبحار ليطفئوا نور شمعة لم تفعل سوء اً سوى
ا نها أنارت رقعة صغيرة من الكون .
ازداد غضب الليل وكرر نداءه :
_ أيتها البحار .. يا ذات الموج العاتي ، يا صانعة
أقدار الزوارق والسفن يا قرينة الريح والزوابع والأعاصير .
هبّي لنجدتي انني ادعوك .. ألوذ بك . فاسمعي ندائي ..
وضحكت الشمعة كرة أخرى لما وجدت الليل لاحول ولا قوة له ويستغيث بالبحار والانهار من دون ان يسمعه أحد فقالت :
_ أخفض صوتك .. ودعني وشأني .. فليس لك
الاّ تنام وليس لي الا ان اعمل .. وهذا هو
قانون حياة .. الليل ينام والشمعة تعمل .. وكما ان
لك شأنك فلي انا الأخرى شأني .
جلجل صوت الليل وقد طار النوم من عينيه :
_ يا لوقاحتك من شمعة ويا لعنادك المقيت
غداً ساصبّ لعنتي عليك .. ستعرفين من أنا
وستندمين .
وعلى صراخ الليل هذا ، استفاقت العصافير .. تسللت زقزقتها الى ارجاء الكون .. تحركت اوراق الشجر .. تفتحت ازهار الحدائق ونوافذ البيوت .. غمر الرعب قلب الليل فارتفع صدره وهبط .. صفق بيديه .. ضرب ما حوله من جبال وبحار وغابات ، لكن ذلك كله لم يطفئ الشمعة ولم يسكت العصافير .
تكاثفت زقزقة العصافير .. حركت أجنحتها الطرية بخفقات قصيرة .. تقلص الليل ..تقلص كثيراً .. طارت الطيور جميعاً .. حلقت عالياً فرسمت نقاطاً وخطوطاً مثل حروف ملونة طرزت بها وجه السماء .. رفعت الشمعة بصرها الى الاعلى ، فأطربها منظر الطيور .. شاهدت الليل يهرول هارباً الى أماكن بعيدة .. صاحت بأعلى صوتها :
_ اقبضوا على الليل ! . اقبضوا على الليل !
ثم جعلت تبتسم لما رأت الليل ينهزم ويختفي .. وكانت دموع فرحها تسيل على خديها الورديين .. وكان الى جانبها كتاب مفتوح تركته ، للشمس الطالعة كي تلقي بنورها هي الأخرى عليه .