الرئيسية » الآداب » الحنين الى وطن… قراءة في مجموعة (آفيفان) للشاعر عبدالرحمن المزوري

الحنين الى وطن… قراءة في مجموعة (آفيفان) للشاعر عبدالرحمن المزوري

يدرج أسم الشاعر الكردي عبدالرحمن المزوري، بين جملة من تلك الأسماء التي لها وقعها الجميل والرتيب في نفوس الجماهير الكردية، لما لها من صيت واسع، رغم قلة انتاجهم الأدبي، ربما هذا بحد ذاته ناجم من الندرة الحقيقية في النشر فحسب، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن للشاعر عبدالرحمن المزوري مجموعتين شعريتين، لعلهما صدرتا أبان لم يكن للنشر باللغة الكردية من أبواب أو وزارات واتحادات للأدباء ومؤسسات ثقافية تحتضت هذه النتاجات، لان مرحلة سبع سنوات فاصلة ليست بقليلة.

وهي مرحلة مجحفة بحق شاعر ومبدع بحجم المزوري، وهي مرحلة الفصل بين اصدار مجموعتين شعريتين، أي أن مجموعته الشعرية الأولى “في عشق المصابيح القديمة” التي صدرت في العاصمة بغداد في العام 1980، بقيت تقرأ بالنسبة لقرائه الى أن صدرت مجموعته التالية “عذبة لي ومرَّة للناس” في العام 1987 ، وهذا بحد ذاته تأن واضح، ربما يقرأ أسبابه المستقبل.
اذن للشاعر عبدالرحمن المزوري، وقع كلماته التي ما زالت لها متلقيها، لسببين، أولهما الشعر الغنائي الذي بات على لسان الجماهير الكردية بعد غنائها من لدن العديد من الفنانين الكرد، ثم بروز أسمه في مرحلة الأزمات التي لاحقت الشعر الكردي رويداً رويداً، أي مرحلة الفراغ بين جيلين، الجيل الكلاسيكي الذي تشبث بالقصيدة الكلاسيكية الى أبعد مدى وبقي كذلك، وبين مرحلة بروز الحداثة الشعرية في الأدب الكردي، ليكون الشاعر عبدالرحمن المزوري أحد الذي انشقوا على التفعلية وعلى القافية وكتبوا النثر شعراً، الى أن كانت هذه المجموعة بكاملها مترجمة الى اللغة العربية ومن ترجمة الصديق الشاعر والمترجم الكردي بدل رفو المزوري، والصادرة حديثاً عن مؤسسة “سردم” في مدينة السليمانية.
يأتي الاهداء، بقلم المترجم، حيث يكتب المترجم المزوري كنوع من الوفاء للشاعر “إلى أبجدية النرجس وروح الشعر وقصيدة القبوج وآفيفان، إلى شاعر ارتشفنا من مناهله، العشق والشعر والإنسانية،إلى الشاعر الإنسان عبدالرحمن مزوري تكريماً له في حياته، أهديه ثمرة جهدي هذا” هذا اكثر من وفاء، من مترجم الى شاعر مترجم له نتاجه الشعري الاول.
إذا كانت مجموعة “آفيفان” تنتهي بـ “يا صعلوك صيد الغرباء، أيها الذليل المسخَّم الوجه، فانا في القفص، وفي وسط الثلج ، وفي أعماق نار جهنم، لن أموت، فلا تنتظر، موتي”.. فهذا لأن المجموعة أصلأ تبدأ بقصيدة “المجد”..التي يقول فيها الشاعر عبدالرحمن المزوري “إنما المجد، لذلك القوس، الذي كعين الشمس، إذا انكسر في آلاف الليالي، سيشع من جديد، وقبل أن يغيِّروا من اتجاه دربه، يستقيم ثانية، وكلما طرحوه أرضاً أو أحنوا قامته، ومسحوا به الارض، سينهض من جديد”.
يرتكب الشاعر عبدالرحمن المزوري الخطايا الكبرى في حق الحياة، عندما يتذكر أن عشاق حبيبته كثر، بين الشعراء الكلاسيكيين الكرد من أمثال الملا الجزري، والشاعر أحمد الخاني صاحب ملحمة “مم وزين” وجكرخوين صاحب المئات من القصائد التي أصبحت مفردات حياتية في مرحلة الستينيات الى مرحلة نهاية التسعينيات، أي تكون حبيبته حبيبة أبدية، لتكون بذلك الحبيبة هي مفردة الوطن، وهذا وضوح لدى الشعراء من جيل المزوري، يقول المزوري” ياحبيبتي، اليوم عشاقك كثيرون، إنهم أنا و(الجزيري) و(خاني) و(جكرخوين)، كوني على ثقة، بان نسيان ذكر اسمك، غير وارد في دفاترنا، وليس له وجود”.
ثم ليعيد الكرة مرة أخرى، بل العشرات من المرات، كوفاء لذلك الوطن، ولتلك الحبيبة، ولأولئك الشعراء المغيبين، أو لنقل الغائبين، ليتذكرللمرة الألف “يا فاتنة ويا ريم الجبال، يا محبوبة الكل، فـنارُ هواك ملتهب، واحرقنا، أين ماؤك..؟!..
آفيفان، بالله عليك، لا تذهبي إسراعا إلى النبع، ولا تسق الغرباء، ماءك العذب الزلال، فشباب الغرباء، حمقى وسذج، سيسرقون منك، ضحكاتك وابتساماتك”.
الشاعر عبدالرحمن المزوري في قصائده ضمن مجموعة “آفيفان”، شاعر واضح كالفناء، وواضح وبَينٌ كالصحراء، وغيور الى درجة البكاء القاسي، لأنه شاعر منتم، شاعر ينتمي بروحه وقلبه الى واقع كردي صرف، كتب من أجل الحبيبة التي هي الوطن لا الوهم، وكتب من اجل الصفاء الانساني، لأنه حرم من ذلك الصفاء أرداحاً ككردي عايش الويلات والتشرد والنفي، وواضح، كشاعر، لانه ما زال يكتب عن ريم الجبال.
مجموعة “آفيفان”، هي مجموعة صادرة حديثاً، ولكنها حميمياً تعيدنا الى مرحلة نهاية الثمانينيات من القرن المنصرم، مرحلة كان فيها الشاعر يكتب بلغة الواقع لا لغة الخيال، حيث كان الخيال قمة الواقع والعكس صحيح أيضاً.
مجموعة “آفيفان” صور كردية مشتتة لواقع كردي يعيد أنفاسه بعد الكثير من الخراب.